أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

أسئلة برسم «الربيع الجنبلاطي»

الثلاثاء 01 تشرين الثاني , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,289 زائر

أسئلة برسم «الربيع الجنبلاطي»

من المبكر جداً، بل من السذاجة السياسية بمكان، التبشير المتسرّع بالربيع الجنبلاطي، كما بنظيره العربي.

فتاريخ الرجل وحاضره المتمادي في الراهن والمستقبل المرهون لتقلّبه والانقلابات، كلها أدلة وقرائن تفرض التريث والتدقيق في ربيعه المستجد غبّ الطلب والضرورة.

استخدم وليد جنبلاط في خطابه الحزبي قبل يومين، عن معرفة أو من دونها، عبارة «المصارحة والمصالحة». وهو المفهوم العالمي الذي صار إطاراً قانونياً دولياً وإنسانياً للآليات اللازمة للخروج من الحروب الأهلية. مفهومٌ ولد في جنوب أفريقيا الأبارتهايد، وانتقل من بعدها إلى مختلف القارات، للعناية بكيفية نقل مجتمعات عانت حروباً داخلية، من مرحلة بربرية الصراعات إلى مرحلة السلم الأهلي. أول المشوار إذن للمصالحة هو الحقيقة. وهي ما لم يكتب وليد جنبلاط حرفها الأول بعد.

 لكن على الأقل يظل واجباً على وليد جنبلاط ألا يلوّن تلك الحقيقة كل مرة اقتضت مصلحته السياسية الانعطاف السريع. فيوم اقتضى ذلك التحالف مع سمير جعجع تنصّل من حرب الجبل. ويوم اضطر لاحقاً إلى مهادنة ميشال عون تبرّأ من «مذبحة» 13 آب 1989. ويوم عاد مضطراً أو مختاراً إلى الضاحية، فضح 7 أيار والساعات التي سبقته، مهدّداً من كانوا معه بهتك الأسرار وإماطة اللثام عن «المؤامرة»... والأهم، أنه في كل مرة انقلب على تموضع تكتيكي سابق، كان يسارع فوراً إلى التنكر لكلام الأمس. فعندما عاد إلى دمشق، انقلب على كلامه من حرب الجبل، ليذكّر مجدداً «ببطولات جيش التحرير الشعبي في فتح طريق الشام نحو بيروت»، أو يمسخ تاريخ 13 آب نفسه من «المذبحة» إلى «الملحمة». وعندما يضطره آخر الشهر إلى مهادنة الحريري أو رعاته الإقليميين، تنقلب ساعات 7 أيار نفسه، من ساعة تخلٍّ إلى ساعة تجلٍّ... قد لا تكون حقائق الحروب أو فظائعها مطلوبة الآن، لكن وقف تزوير الحقيقة ضروري الآن وفي كل آن.

غير أن الحقيقة المطلوبة من وليد جنبلاط حالياً مرتبطة بما يحصل الآن في دولة اسمها لبنان، قبل قراءة ما يحصل في سوريا أو في مصر أو سواهما. وهي حقيقة متمحورة حول مفاهيم الحياة العامة في هذا الوطن، بمستوياته الثلاثة: الفرد والجماعة (ما دام عندنا جماعات تلامس القبائل) والدولة.

أولاً، على مستوى الفرد المواطن الإنسان، هل يعني الربيع الجنبلاطي المستجد أنه بدءاً من أمس الاثنين، بات ممكناً لمواطن يملك قطعة أرض في الباروك، مثلاً، أن يحافظ على ملكيته لها، من دون أن يهدَّد أو يُبتزّ بأمر من اثنين: إما أن يبيعها لشخص محدد أو جهة محددة، وبسعر بخس يعينه الطرف المهدِّد والمبتز، وإما يصدر فوراً فرماناً من مكان ما بضمّها إلى محمية ما أو شطبها بتخطيط ما أو ضربها باستملاك ما، ما يعني خسارة المواطن لملكه، خلافاً لأي قانون أو دستور أو حق طبيعي أصيل؟ مجرد مثل...

ثانياً، على مستوى الجماعة، هل يعني الربيع الجنبلاطي المولود قيصرياً قبل يومين أنه بدءاً من أمس سيسقط مفهوم الديموقراطية التراتبية الذي قام على أرض الإمارة الجنبلاطية منذ بويع وليد جنبلاط عليها قبل 34 عاماً؟ وهل يعني ذلك، على سبيل المثال أيضاً، أن «بيت الضيعة» الشهير لن يكون احتلالاً لأملاك بيت عدوان، غصباً عن إرادتهم وحقهم والحق؟ وهل يعني ذلك أنه يمكن غداً كفرنبرخ أو دير دوريت أو بمريم أو المعاصر أو سواها أن تقيم نصباً لضحاياها، لمجرد الاستذكار والتعلم لعدم الوقوع في تجربة الحرب وعبثيّتها؟ وهل يمكن المطران الياس نصار أن يظل أسقفاً من دون حروب مكتومة ومعلنة، إذا لم يقدم الطاعة كل أحد لقصر المختارة؟ وهل يمكن الرهبانية البلدية أن تستأنف مشروعها الإنمائي في الدامور، من دون تهديد بلدية البلدة وناسها وأهل المشروع لوقفه؟

يبقى ثالثاً على مستوى الدولة. هل يعني الربيع الجنبلاطي نفسه أن وزارة المهجرين، مثلاً، لن تجري بعد اليوم إحصاءً لأركان أحد الأسلاك الذي يمثل سلطة دستورية أساسية، لتعمد بعده الى إهداء 270 ركناً منهم شيكات من صندوق المهجرين، كما يؤكد أحد الباحثين أنه حصل ذات يوم من أيام الوزارة في التسعينيات؟ وهل ستنتهي معزوفة العودة كل سنة إلى مجلس الوزراء لإنجاز مخالصات وزارة الأشغال خلافاً لرأي ديوان المحاسبة؟ وهل نجزم بأنه لن تحصل قريباً معركة دخانية حول لبنانية مزارع شبعا، لإمرار مشروع لتعديل عامل الاستثمار لعقار في وطى المصيطبة أو محيط الكولا؟

هذه مؤشرات الربيع الجنبلاطي الحقيقي المطلوب والضروري. أما ما تبقّى من شعارات، فمجرد تنظير فلسفي لا يطعم خبزاً لمواطن حر، وإن كان يُبلع ثروة لزعيم سعيد...

Script executed in 0.037912130355835