أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بين تمويل غير مؤكّد وعقوبات غير مؤكّدة

الجمعة 04 تشرين الثاني , 2011 07:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 952 زائر

بين تمويل غير مؤكّد وعقوبات غير مؤكّدة
تتناقض مواقف الموالين والمعارضين من تداعيات احتمال عدم تمويل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المحكمة الدولية، بين مُغالٍ قائل بعقوبات حتمية ومواجهة مع المجتمع الدولي، وقائل باستبعادها مقلّلاً من جدوى التهويل بها. إلا أن الطرفين يصغيان إلى آراء سفراء دول كبرى تشدّد على دعم المحكمة وضرورة مضيها في مهمتها. وإذ يتفادى السفراء الاستفاضة في توقع موقف مجلس الأمن في حال تلكؤ لبنان في تسديد حصته في موازنة المحكمة، ويميّزون بين إجراءات يتخذها مجلس الأمن أو أخرى تتخذها حكوماتهم، يحضّون المسؤولين والسياسيين اللبنانيين باستمرار على تجنّب أي تصرّف يوحي بعرقلة عمل المحكمة أو عدم التعاون معها.
ويعرض بعض سفراء دول كبرى، وأخصّهم روسيا، وكذلك سفراء دول أوروبية سوى فرنسا، وجهة نظرهم من التمويل تبعاً لمعطيات من بينها:
1 ـــ يتسم إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان بطابع استثنائي غير مسبوق، مستمد من طبيعة شراكة لبنان مع الأمم المتحدة في وضعها. فاختلفت عن محاكم دولية أخرى كراوندا ويوغوسلافيا. وتُعدّ بذلك خطوة متقدّمة على طريق العدالة الدولية وإصرار المجتمع الدولي على مواجهة الإرهاب، عندما يحدّد اختصاص هذه المحكمة بوضع اليد على جريمة إرهابية هي اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
2 ـــ من السهل على هؤلاء السفراء تقبّل فكرة التخلي عن المحكمة، سواء من جراء افتقارها إلى التمويل أو تأثراً بضغوط سياسية تتصل بحساسية الوضع اللبناني وخصوصيته. ومع أن اتفاق التعاون بين الأمم المتحدة ولبنان أخذ في الاعتبار هذا الواقع، إلا أن المحكمة باتت أمراً واقعاً يتصل بهيبة المجتمع الدولي ودفاعه عن العدالة الدولية. ويلاحظ السفراء إياهم، وأخصّهم الروسي، أمام مسؤولين وسياسيين لبنانيين، أن المآخذ والانتقادات تبقى سارية ومبرّرة ما دامت المناقشات مستمرة، إلى أن يصدر مجلس الأمن قراره. عندئذ يُسلّم به الأعضاء جميعاً، بمَن فيهم الذين تحفّظوا عنه أو امتنعوا عن التصويت، ويصبح تطبيقه ملزماً.
تعبّر عن هذا الموقف الدبلوماسية الروسية في بيروت التي تعتقد، أمام المسؤولين والسياسيين اللبنانيين، أن صدور قرار عن مجلس الأمن يجعله مقيّداً للمجتمع الدولي ولا يُسمح بالتلاعب به.
3 ـــ لا تشير الدبلوماسية الروسية في بيروت إلى إشكالية في العلاقة مع حزب الله، وكان قد بدأ حوار بين الطرفين أخيراً، بل تتعاطف موسكو مع هذا الفريق في مسائل محدّدة لا يدخل الموقف المبدئي من المحكمة في نطاقها. لذا يحرص الدبلوماسيون الروس، سفيراً بعد آخر، على إبراز موقف صارم هو تأكيد دعم المحكمة الدولية والتعاون معها، بما في ذلك تمويل لبنان حصته فيها. إلا أن هذا الموقف منفصل تماماً عن وجهة نظر موسكو من فرض عقوبات على لبنان بسبب امتناعه عن تمويل المحكمة.
4 ـــ لا يمثل فرض مجلس الأمن عقوبات على لبنان بسبب امتناعه عن التمويل خطوة تلقائية وحتمية، بل هو إجراء لاحق يخضع لقرار آخر مستقل لمجلس الأمن. لا يشير القرار 1757، في متنه، إلى فرض عقوبات فورية في حال إخلال لبنان بتنفيذه، وإنما يحيل أي خطوة أخرى منفصلة على مرحلة جديدة من المناقشات والتفاوض في مجلس الأمن، قد تفضي إلى قرار فرض عقوبات، أو يقف دونها استخدام الفيتو.
يصحّ ذلك أيضاً على القرار 1559 الذي لم يُطبّق منذ عام 2004 إلا جزئياً، ولا يزال الجزء المتعلق بسلاح حزب الله فيه معلقاً بلا تنفيذ. ولا يُكتفى من هذا القرار سوى بتقرير دوري نصف سنوي يعرض تعثّر تطبيقه للأسباب نفسها، وأخصّها استمرار احتفاظ حزب الله بسلاحه. مع ذلك لم يُدعَ مجلس الأمن إلى فرض عقوبات على لبنان، ولا هوّل بذلك، ولا كذلك دول أخرى ربطت بين سلاح الحزب الذي يحول دون تنفيذ القرار وبين التضييق على مصالح شخصيات بارزة تدعمه، بل ذهب مجلس الأمن في المنحى الذي تجنّب من خلاله لبنان تنفيذ القرار 1559، عندما أحاله على طاولة الحوار الوطني. بدوره مجلس الأمن وجّه اهتمامه بالقرار 1559 وفق مسار الحوار الداخلي.
5 ـــ لا يوحي السفراء بعقوبات قد يتخذها مجلس الأمن ضد لبنان، ومعظمهم يستبعدها لدوافع شتى. ويرون أن احتمالاً كهذا يتطلّب تقويماً مسهباً لجدوى العقوبات بين الدول الخمس الدائمة العضوية تفادياً لاستخدام حق النقض. إلا أنهم لا يُسقطون من توقعاتهم إجراءات مستقلة تتخذها حكومات أوروبية، أو واشنطن وباريس اللتان ترفعان النبرة الأعلى والأكثر ضجيجاً في الإصرار على التمويل، وفي التهويل بعقوبات أو إجراءات.
لكن معطيات السفراء هؤلاء تفضي إلى بضعة استنتاجات:
أولها، إعادة تثبيت الاعتقاد بأن الحكومة الحالية هي حكومة حزب الله. وهو، بفرضه عليها عدم التمويل، يتجاوز مواقف رئيسي الجمهورية والحكومة وتعهّداتهما أمام المجتمع الدولي باحترام القرارات الدولية بما فيها التمويل، وكذلك فريق عريض من اللبنانيين يؤيدون تمويل المحكمة.
وإذ يستخلص الحزب من عدم التمويل قاعدة أولى لنقض الاعتراف بشرعية المحكمة الدولية والطعن في صدقيتها، يمسي موقفا الرئيسين ميشال سليمان ونجيب ميقاتي الأكثر إرباكاً، ما دام الامتناع عن التمويل سيفصح عن موقف حكومي رسمي، لا عن حزب الله كتنظيم على نحو حاله الآن.
ثانيها، أن حزب الله لا يكتفي بأن لا ينأى بنفسه عن القرار الاتهامي، بل أقحم نفسه فيه وتبنّى المتهمين الأربعة الذين وصفهم بأنهم مقاومون. لم يسلّم المتهمين إلى المحكمة، ويسعى إلى عرقلة عملها.
ثالثها، لا يعني رفض التمويل إلا تأكيد سيطرة حزب الله على حكومة ميقاتي وإرغامها على خياراته. وهو سيكون عندئذ عرضة لأكثر من انتقاد تجنّب معظم الغرب توجيهه له في المرحلة السابقة عندما كان يتمثّل في الحكومات المتعاقبة. بعد صدور قرار اتهامي يحمّل أفراداً فيه مسؤولية اغتيال الحريري، لا يسع حكومة يمسك حزب الله بنصابها إلا أن تكون حكومته.
يستعيد هؤلاء، في أحاديثهم إلى المسؤولين والسياسيين اللبنانيين، ما اتهمت به الغالبية النيابية الحالية في مرحلة تأليف الحكومة، وتحذيرها من حكومة يسيطر عليها حزب الله، حاول سليمان وميقاتي آنذاك توفير أكثر من حجّة لدحض هذه الشبهة بالتأكيد أن الحكومة ائتلاف قوى.

Script executed in 0.033652067184448