أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

قصص سجينات حزينات ينتظرن أحكاماً .. عادلة

الجمعة 04 تشرين الثاني , 2011 07:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,980 زائر

قصص سجينات حزينات ينتظرن أحكاماً .. عادلة

كان أبو فاعور يحاول تهدئتها، غير أنها أصيبت بنوبة غضب شديدة. قالت: "ابنتي في دير الصليب، ولم أرها منذ ثلاثة أعوام!". ولمّا تنفست الصعداء وهدأت، اعتذرت من مديرة السجن، التي كانت تنتظر الوزير، أمس، لمرافقته في جولته التفقدية في سجن بعبدا النسائي. 

بدأت الجولة من مكتب المديرة، مروراً بغرف الطابق الأول، فيما السجينات كنّ ينتظرن لقاء الوزير في الطابق الثالث (الأخير)، في قاعة تجاور باحة "النزهة".

في سجن بعبدا، الذي كان مستوصفاً تابعاً للمستشفى الحكومي الملاصق للسجن سابقاً، 75 سجينة، بين موقوفات ومحكومات، علماً أنه شيّد ليضم 45 سجينة. وثمة 36 سريراً موزعة على غرف السجن الخمس حيث تنام بقية السجينات.

وفي السجن، قصص تحتم على المرء الإنصات للتهم المنسوبة للسجينات، وكيفية تعامل القضاء معهن، أكثر من الاستماع للشكاوى الاجتماعية، التي بالأصل حاولن عدم التوغل فيها لسبب وجيه: فالوعود تتعلّق بتحسّن في السجن، فيما الأمل هن يردن الخروج. الوعود تشرّع البقاء. 

مطالبهّن داخل السجن باتت معروفة: نقص في الأدوية، أوضاع المبنى، واكتظاظ في الغرف، أبناء تركوهن واختفوا. 

إلا أنهن كنّ أمس يحاولن تسليط الضوء على بقعة سوداء مظلمة، يؤكدن أنهن لم يفهمنها بعد: ميزان القضاء في لبنان. 

تتوالى، شيئاً فشيئاً، قصص السجينات الحزينات: شابة متهمة بالاشتراك مع زوجها في تنفيذ جريمة قتل. الزوج مسجون في "رومية"، والأبناء "أحرار" على الطرقات بلا مدارس أو مأوى. تقول الشابة إنه مضى على سجنها أكثر من عام، من دون أي محاكمة. تنتظر. 

يطول الانتظار عندهن: سيدة أربعينية ضاعت حقيبتها ذات يوم، ثم عُثر عليها في مسرح جريمة قتل، فاتُهمت بتنفيذ الجريمة، ولم تُحاكم بعد. مضى عام على قبوعها في السجن، ولم تر قوس المحكمة بعد. تقول إن أولادها تركوا المدرسة، كونها معيلة العائلة، ولا مال لديهم. 

نجوى ح. لا تنكر أنها كانت تتعاطى المخدرات. ترفع يدها لجذب الأنظار، بعد حدوث جلبة في القاعة. تتنهد وتقول: "ثمة رجل أمن قرر أن يتهمني بالاتجار، من دون وجود أي دليل. وبسبب مزاجه، ها أنا مسجونة هنا منذ أكثر من ثلاث سنوات. والسبب، بكل بساطة، أنني غير مدعومة من أحد. لماذا لم أُحاكم على خطيئتي الحقيقية؟". 

يسأل أبو فاعور: "ماذا عن السجينات الأجنبيات؟"، فتقف شابة أثيوبية، محاولة كسر ارتباكها، ثم تشرح بعربية ركيكة: "أنا هربت من مدام. بس أنا ما سرقت مدام. أنا شهر بالسجن وما رحت محكمة. أهلي ما ييعرفو أنا وين وما حكيت معن. أنا بدّي روح من هون وإرجع بلدي". 

تفتح كلمة "بلدي" جروح السجينات اللبنانيات، فتقول إحداهن إنها ما عادت تؤمن بوجود "دولة" في بلدها، وأنها لا تعترف بالقضاء اللبناني. تحاول زميلتها إسكاتها بلطف، غير أنها لا تكترث، انطلاقاُ من رأي مفاده: "ما هو هذا القضاء الذي لا يكترث بسنوات عمرنا؟ يرمينا هنا من دون استجوابنا ولا محاكمتنا".

في قصصهن المقتضبة والسريعة قاسم مشترك: الاعتراف بالخطأ، وتحميل الخطيئة لمن تركهن حائرات لا يعرفن مصيرهن.

تجهش بدرية. أ. بالبكاء فور سماعها نبأ تشرّد أبنائها في طرابلس. السيدة متهمة بتحريض المصري محمد سليم مسلم، على قتل يوسف أبو مرعي وزوجته وحفيدتهما في كترمايا في العام الماضي. تفاجأت بدرية بالخبر الذي لم تعرفه إلا أمس لما نقلته مسؤولة إحدى الجمعيات للوزير. 

وبعدما ارتمت الأم في حضن إحدى زميلاتها، وقفت وسألت عن "اللعنة التي تلاحقني: ما هو الدليل على أنني حرّضت محمد على قتل أطفال؟ ومن يهتم بأطفالي الآن؟ يقولون إنهم مشرّدون على الطرقات، وثمة من يستغل أعمارهم للعمل في الممنوع! ماذا أفعل؟ ماذا فعلت؟". 

بينما كان أبو فاعور يعدّد المطالب التي ستعمل الوزارة على تلبيتها، مبدياً اندهاشه بـ"المصائب المخبأة في هذه الغرف، والظلم اللاحق بالسجينات"، وقفت شابة عشرينية، وقالت بلكنة بقاعية تشوبها المزاح: "يا معالي الوزير، لماذا لا تصرّح، في مؤتمر صحافي، أنك تأثرت بما رأيت، ثم تطلب من الوزراء والنواب العمل على إصدار قانون عفو عام؟". 

قبل مغادرة الوفد المرافق للوزير قاعة الاجتماع بالسجينات، حاولت أكثر من سجينة الإدلاء بروايتها لوسائل الإعلام. غير أن قرار إدارة السجن كان حازماً: "يُمنع على الصحافيين الحديث مع أي سجينة، ولو كلمة واحدة". 

كلمات ستبقى سجينة في غرفهن، يتناقلنها في ما بينهن بلا جدوى. كلمات حدودها باب الغرفة، فيما باب السجن بعيد عنهن: هنّ اللواتي لا ينكرن أنهن أخفقن، وأخطأن، ويردن دفع ثمن جرائمهن، لا ثمن جرائم الغير. ينتظرن رؤية قوس محكمة، وقاض، ومحام نزيه، وسماع حكم.. عادل.

Script executed in 0.22086620330811