أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

إرهاب القضاء الأوروبي ..محاكمة كارلوس تنقلب ضدّ «إرهاب الدولة» الغربي

الأربعاء 09 تشرين الثاني , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,008 زائر

إرهاب القضاء الأوروبي ..محاكمة كارلوس تنقلب ضدّ «إرهاب الدولة» الغربي
باريس | افتُتحت أول من أمس في باريس محاكمة المناضل الأممي إليتش راميريز سانشيز، الشهير بلقب كارلوس، أمام «محكمة الجنايات الخاصة» الفرنسية، بتهمة تدبير أربعة تفجيرات إرهابية في مطلع الثمانينات. ودفعت هيئة الدفاع عن كارلوس بعدم أهلية «المحكمة الخاصة» للنظر في هذه القضية، حيث يعود تأسيس هذه المحكمة إلى عام 1982، إثر حل «محكمة أمن الدولة»، مع وصول اليسار إلى الحكم في فرنسا آنذاك.

وذكَّرت هيئة الدفاع عن كارلوس بأن صلاحيات «محكمة الجنايات الخاصة» تقتصر على «القضايا ذات الطابع العسكري، بشرط أن تكون قد حدثت في أوقات السلم لا الحرب، وأن تكون مرتبطة بتهديد خارجي للأمن الفرنسي». من هذا المنطلق، رأت هيئة الدفاع أن إحالة التفجيرات المنسوبة إلى كارلوس على «المحكمة الخاصة»، بالرغم من أنها حدثت فوق التراب الفرنسي لا في الخارج، تعدّ «إعادة تأليف غير معلنة لمحكمة أمن الدولة التي حُلّت منذ 30 عاماً».
حيال عدم تجاوب رئيس المحكمة، أوليفييه ليران، مع المذكرة التي رُفعت إليه، خلال الجلسة الافتتاحية، للطعن في أهلية المحكمة، أعلنت هيئة الدفاع عن كارلوس، برئاسة زوجته المحامية إيزابيل كوتان باير، الانسحاب من القضية، لكن رئيس المحكمة أمر هيئة الدفاع بالاستمرار في المرافعة عن كارلوس كمحامين معيّنين بـ «قوة القانون»، وبقرار فوري من المحكمة. وبالرغم من أن القانون يكفل مثل هذه الصلاحية لرئيس المحكمة، إلا أن هيئة الدفاع لفتت إلى أن قرار القاضي إنما يهدف إلى قطع الطريق أمام أي مطالب بتأجيل المحاكمة، ريثما يجري توكيل محامين جدد، لأن المحكمة لا تريد بأي حال من الأحوال منح كارلوس فسحة كافية من الوقت لدراسة ملف القضية، الذي لم يحصل عليه سوى قبل أسبوع واحد، وبعدما اضطُرّ إلى الإضراب عن الطعام بسبب التضييقات المتتالية التي أُخضع لها منذ شهر أيار الماضي، حيث احتجزت إدارة السجن كومبيوتره وأغراضه الشخصية، ومنها أوراق القضية المخزّنة على أقراص مضغوطة، التي تضم أكثر من 100 ألف صفحة (راجع الأخبار ـ عدد: 28/11). ولم يقطع كارلوس إضرابه سوى بعد عشرة أيام، حين استجابت السلطات لمطالبه، فألغت قرار إخضاعه لنظام العزلة، وأعادت إليه كل أغراضه.
منذ الجلسة الأولى، بدا واضحاً أن استراتيجية الدفاع التي يعتمدها كارلوس ومحاموه تهدف إلى تسييس المحاكمة، من أجل تحويلها إلى منبر للمرافعة عن القضية الفلسطينية. افتتح رئيس المحكمة الجلسة، كما درجت الأعراف القضائية، بسؤال كارلوس عن اسمه ومهنته وجنسيته. فأجاب: «اسمي إليتش راميراز سانشنير، الملقب بـ «كارلوس». أحمل الجنسية الفنزويلية، لكنني أرى أيضاً أنني أحمل الجنسية الفلسطينية، بحكم ضريبة الدم التي دفعتها طوال حياتي في النضال ضد دولة إسرائيل العنصرية، وجميع الصهاينة المستغلِّين...». وضجّت القاعة بالتصفيق وصيحات التأييد من قبل الجمهور المتابع للجلسة، الذي كان في غالبيته من أنصار القضية الفلسطينية والمتعاطفين مع كارلوس. وكان لافتاً حضور النجم الكوميدي الفرنسي ديودونيه، الذي قال إنه قرّر «مقاومة هذه المحاكمة غير المنصفة»، عبر تأسيس جمعية سماها «لجنة دعم الكومندان كارلوس».
وعلمت «الأخبار» أن زوجة كارلوس، المحامية إيزابيل كوتان باير، تعتزم تحويل القضية خلال جلساتها المقبلة، التي ستستمر إلى غاية 16 كانون الأول المقبل، إلى محاكمة لـ «إرهاب الدولة» الغربي، ولـ «الصهيونية العالمية». كوتان باير، التي تتلمذت في شبابها على المحامي جاك فيرجيس، ستستعير من هذا الأخير «استراتيجية القطيعة»، التي ابتكرها أيام كان محامياً عن قادة «جبهة التحرير»، خلال حرب الجزائر، لتحويل محاكمات هؤلاء القادة إلى منابر قضائية لإدانة الجرائم الاستعمارية.
تعوّدت كوتان باير السير على خطى معلّمها. على غرار فيرجيس، الذي تزوّج جميلة بوحيرد، بعد إصدار حكم الإعدام بحقها، عام 1958، فتزوجت موكلها كارلوس، عام 2002، بعد الحكم عليه بالسجن مدى الحياة في محاكمة أولى تعلقت بـ «حادثة الحي اللاتيني»، التي قتل خلالها كارلوس شرطيين من الـ «دي ـ إس ـ تي» الفرنسية ومخبراً لبنانياً، سنة 1974.
وعلمت «الأخبار» أن كوتان باير رفعت إلى المحكمة ملفاً يضم عدداً من الوثائق والتقارير الأمنية والإعلامية التي تفضح «إرهاب الدولة» الذي تمارسه الحكومات الغربية، ومنها وثيقة تشير إلى أن الذراع اليمنى لكارلوس، السويسري برينو بريغي، اختطفته، سنة 1995، الاستخبارات المركزية الأميركية في المجر، ومات تحت التعذيب أثناء استجوابه في قاعدة عسكرية أميركية قرب بوادبست، ثم أُتلفت جثته للتستر على الجريمة. كذلك قدّمت المحامية تقريراً نُشر أخيراً في جريدة «لوكانار أونشينيه» الفرنسية يشير استناداً إلى مصادر أمنية أميركية وفرنسية ــــــ إلى أن حكومتي البلدين أصدرتا قراراً غير معلن بإعدام العقيد القذافي، لتفادي أن يكشف أسراراً محرجة لباريس وواشنطن، إذا قُدم لمحاكمة دولية. وحسب التقرير، فإن القوات الخاصة الفرنسية والأميركية هي التي رصد مطاردة القذافي والقبض عليه، ثم تسليمه عمداً إلى «الثوار» الليبيين، ليتولوا تصفيته. وقد جرى ذلك بتخطيط مسبق، ضمن عملية استخبارية أميركية ـــــ فرنسية حملت الاسم السري: «تسليم الوديعة إلى الثعلب».
وإذا كانت قضية برينو بريغي مرتبطة على نحو مباشر بمحاكمة كارلوس، فإن مسألة تصفية القذافي بأوامر حكومية غربية لا صلة لها بالقضية. ما يدلّ على أن كوتان باير تعتزم تقليد «استراتيجية القطيعة» التي تعلّمتها عن فيرجيس، لتحويل محاكمة كارلوس إلى منبر للمرافعة ضد مختلف أشكال «إرهاب الدولة»، الذي تمارسه الحكومات الغربية. وبالتالي التدليل على أن تلك الحكومات ليس لها الأهلية لمحاكمة مناضلين من مصاف كارلوس، ووصم نشاطاتهم في صفوف حركات التحرر والمقاومة بـ «الإرهاب الدولي».
من جهة أخرى، احتجت هيئة الدفاع عن كارلوس على الضغوط المستمرة التي تمارسها الأوساط الصهيونة في فرنسا لحرمان كارلوس حقه في محاكمة منصفة. وقالت كوتان باير، في ختام الجلسة الافتتاحية، إنه «من غير المعقول أن تقبل المحكمة اعتماد جمعيات معروفة بميولها الصهيونية، مثل Sos Attentats ، كأطراف مدنية خلال هذه المحاكمة، بحجة أنها تنتمي إلى تنظيمات المجتمع المدني التي تعنى بالدفاع عن ضحايا الإرهاب».
وتعتزم هيئة الدفاع عن كارلوس تقديم مرافعة شديدة ضد قاضي مكافحة الإرهاب السابق، جان لوي بروغيير، الذي تتّهمه بالرضوخ لابتزاز الجمعيات الصهيونية الفرنسية، حيث تعمّد تأخير إقفال التحقيقات المتعلقة بالقضايا الأربع التي يُحاكَم فيها كارلوس حالياً، على مدى 17 عاماً، منذ اختطافه من الخرطوم. وقد سمح ذلك التأخير المتعمّد للسلطات القضائية الفرنسية بإبقاء كارلوس في العزلة التامة طوال 10 أعوام، إلى أن أصدرت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، سنة 2006، قراراً يقضي بوقف إخضاع كارلوس لنظام العزلة الذي عده «إجراء انتقامياً» ونوعاً من «التعذيب الأبيض».
وعلمت «الأخبار» أيضاً أن هيئة الدفاع عن كارلوس قدّمت إلى المحكمة سبع وثائق تبيّن عدم حيادية قاضي التحقيق جان لوي بروغيير. وهذه الوثائق عبارة عن مراسلات رسمية تبادلها القاضي مع نظيره الألماني ديتليف ميليس، بين عامي 1995 و1997، وتعمّد عدم إدراجها في ملفات التحقيق. وتُبيِّن هذه المراسلات، التي يُجهل كيف حصل عليها محامو كارلوس، أن بروغيير وميليس لم يحترما القنوات القانونية أثناء تبادلهما المعلومات والوثائق المتعلقة بقضايا الإرهاب التي يُحاكم فيها كارلوس اليوم، حيث كانت أوراق هذه الملفات القضائية تُنسخ وتُنقل بين باريس وبرلين بطريقة تمثل خرقاً للإجراءات القضائية المتعلقة بسرية التحقيقات، كما أن تلك المراسلات، التي حصلت «الأخبار» على نسخ منها، تكشف أن بروغيير وميليس ابتزاّ زوجة كارلوس السابقة، ماجدالينا كوب، لإرغامها على أن تشهد ضد كارلوس في مقابل تعهد القاضيين تحصينها ضد أي متابعات قضائية في ألمانيا أو فرنسا، بخصوص «النشاطات الإرهابية» التي اشتركت فيها أيام كانت منضوية في «منظمة الثوار الأممين»، التي أسّسها كارلوس بعد انفصاله عن «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».


تشافيز: وريث الثورات الكبرى

أعلن الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز (الصورة)، أول من أمس، أن كارلوس، «بغض النظر عن الاتهامات التي يوجهونها اليه»، كان في تلك الفترة «الوريث الموثوق به للثورات الكبرى التي وقعت في حينه من اجل قضية الشعوب ومن اجل عدالة الشعوب». وطلب تشافيز ايضاً من وزير خارجيته نيكولاس مادورو الاستعلام عن الوضع الموجود فيه كارلوس حالياً، كي تتحمل الحكومة مسؤولياتها، وتسهر على احترام جميع حقوقه. وأضاف، بعد لقاء مع وزير الخارجية البرازيلي انتونيو باتريوتا، «لا يمكن أن نسمح بأن تساء معاملة أي فنزويلي فيما هو متهم في الخارج»، مشيراً مع ذلك إلى أن شروط اعتقاله في السودان كانت بمثابة «احتجاز» لأن الفرنسيين كما قال «لم يطلبوا تسليمه حسب الأصول» في تلك الفترة.
(أ ف ب)

Script executed in 0.039989948272705