أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حرمان المزارعين من حفر الآبار «يلزمهم» بالريّ من مياه الليطاني الملوثة

الخميس 10 تشرين الثاني , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 6,625 زائر

حرمان المزارعين من حفر الآبار «يلزمهم» بالريّ من مياه الليطاني الملوثة
البقاع الأوسط ـ سامر الحسيني
فصل جديد من كارثة نهر الليطاني، روته في الأيام الماضية عبر حملة قام بها عناصر قوى الأمن الداخلي انتهت بتحرير محاضر ضبط طالت عشرات أصحاب الأراضي الزراعية التي تنتشر على مجاري وضفاف النهر، بجرم استعمال مياهه الملوثة في ريّ مزروعاتهم. لكن ذلك التدبير شابته مغالطات، فتحرير المخالفات أتى عشوائياً، وخصوصاً في جديتا، وبر الياس، والفيضة، وسعدنايل، حيث قام عناصر من قوى الأمن الداخلي التي تتبع فصائل الدرك في البقاع، بتسليم المزارعين محاضر ضبط بـ«جرم استعمال المياه الملوثة»، بدون تدوين العقوبة، أو الغرامة، أو المادة القانونية التي استند اليها العناصر في تحرير تلك المحاضر. وكان المزارعون قد تقدموا بدورهم منذ سنوات لدى الأجهزة القضائية بدعاوى واحتجاجات لرفع التلوث عن النهر وعن ينابيع أخرى، يملكون حق الاستفادة من «مياهها النظيفة والسليمة» لريّ مزروعاتهم، كما هو مدون على الصحيفة العقارية لأراضيهم، كما في جديتا التي ترتوي من نبع جديتا - شتورة.
القوى الأمنية استندت في تحرير تلك المحاضر إلى حقها القانوني المتوافق مع قرار لوزارة الزراعة، قضى بالتشدد في عملية وقف سحب المياه الملوثة من مجرى النهر واستعمالها في الريّ، في حين وصف المزارعون ذلك كمن «يلقي القبض على المقتول ويترك القاتل»، الذي يلوث النهر بتشريع رسمي بدءا من تحويل مجاري الصرف الصحي التي نفذتها وزارة الطاقة والمياه إلى مجرى نهر الليطاني، إذ لم تتواكب عملية تنفيذ شبكات المجاري الصحية مع عملية بناء محطات التكرير، التي أنشئ البعض منها لحماية بحيرة القرعون من ذلك التلوث. وأهملت كذلك «محطة جب جنين»، التي انتهت أعمال إنشائها وتجهيزها منذ سنوات، ولا تزال متوقفة عن العمل من دون معرفة الأسباب، برغم جهود رئيس «اتحاد بلديات البحيرة»، ورئيس بلدية جب جنين خالد شرانق، الذي كان قد عرض كذلك «تأمين أكثر من ثلاثة مليارات ليرة من صندوق الاتحاد، من أجل إطلاق الأعمال»، من دون أن يلقى الآذان الصاغية.
الاهالي المنكوبون أصلا بتلك الكارثة، التي تهدد حياتهم وأرزاقهم، أشاروا إلى التوقيت الخاطئ، الذي اختارته القوى الأمنية لتحرير المحاضر، التي أتت من دون تحذير مسبق، لا سيما أن «عملية استعمال المياه الملوثة معدومة في مثل هذه الاوقات من كل سنة، بسبب موسم الأمطار، كما أن القوى الامنية لم تستند في تحرير المخالفة إلى وجود قساطل أو غطاسات لسحب المياه، بل قامت بجرد كل الأراضي الزراعية وتحرير مخالفات بحق أصحابها»، الذين يطالبون باقتصار المخالفات «على من تثبت إدانته باستعمال مياه ملوثة بعد التأكد من خلال فحص التربة أو السلع الزراعية، وذلك ما لم يحصل». واعتبروا أن «عناصر فصيلة درك شتورا قاموا بانتقاء استنسابي، فابتعدوا عن الأراضي التي يملكها بعض النافذين، وهي كثيرة في شتورة وجديتا، وقاموا بتحرير أكثر من 68 محضرا في جديتا، وأكثر من 70 في بر الياس، التي شكت مراراً من التلوث». والأخطر كان تنبيه المزارعين لعدم إمكانية زرع حقولهم الزراعية والتي تقدر مساحتها بعشرات آلاف الدونمات، وحرمانهم من الاستحصال على رخصة حفر بئر ارتوازية للتخلي عن المياه الملوثة، بالإضافة إلى استمرار ضخّ الصرف الصحي في نهر الليطاني، من دون إطلاق عمل محطات التكرير في زحلة، وجب جنين، وبعلبك.
وتحرك المزارعون باتجاه نواب زحلة خلال الأيام الماضية، وزاروا قصر العدل للاستفسار عن نتائج تلك المحاضر، وكيفية التعاطي معها، فأبلغوا بأن المحاضر ستحول من المخافر إلى قاضي الجزاء في زحلة، الذي سيقوم بدوره بتحديد غرامات مالية على المزارعين بالاستناد إلى قانون البيئة، الذي يحرم استعمال المياه الملوثة. وقد تتراوح القيمة المالية بين 500 ألف وما يزيد عن مليوني ليرة، في حين تحدث عدد من المزارعين عن «تسوية قد تبصر النور، تقضي بحفظ تلك المحاضر، وإهمالها، كما أهمل منذ سنوات أكثر من 200 دعوى قضائية، رفعتها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، بحق كل من يلوث الحوض العلوي للنهر، من المعامل الصناعية، إلى المستشفيات، والمطاعم، والفبارك، ومعاصر زيت الزيتون، ومعامل الحليب، ومخلفات ونفايات المزارع، ومحال البويا وبطاريات السيارات، ومزارع الأبقار والدجاج، وسواها من الملوثات»، التي تبدأ مسيرتها من نبع العليق في شمال بعلبك، وصولاً إلى بحيرة القرعون، مرورا بمنطقة البقاع الأوسط.
«تلوّث مشرّع»
يطالب عضو لجنة الصحة النيابية وعضو «كتلة نواب زحلة» النائب عاصم عراجي بـ«فتح موضوع التلوث على مصراعيه، لأن منطقة البقاع لم تعد تستطيع تحمل هذا الوباء والكارثة الصحية» الناتجة مما يسميه بـ«مجرور الليطاني». ويوازن عراجي بين «جرم استعمال المياه الملوثة، وجرم أكبر ومقصود، وهو تحميل المزارع وحده مسؤولية التلوث المشرع، بقرار من وزارة الطاقة والمياه، التي نفذت كل شبكات الصرف الصحي باتجاه مجرى نهر الليطاني، ويراد اليوم بدلاً من إطلاق عمل محطات التكرير، ورفع مصادر التلوث، تحميل المزارع الوزر دون سواه، والأخطر حرمانه من إيجاد البديل عبر الآبار الارتوازية الممنوعة في البقاع». ويستعد عراجي وزملاؤه في الكتلة «لإطلاق حملة إعلامية من أجل رفع التلوث عن نهر الليطاني، تبدأ بزيارة الرؤساء الثلاثة، والوزارات المعنية بالتلوث، وسيعقب الزيارات مؤتمر صحافي يعرض نتائجها»، بالإضافة إلى «طلب تسريع الأعمال في محطات التكرير، التي لا تزال قيد الإنشاء، وتجهيزها، مع العمل على تذليل العقبات التي تحول دون تسريع الأعمال، كما هو الواقع في محطة زحلة، التي بوشر العمل فيها منذ سنوات، ولا تزال تلاقي العقبات والعراقيل تلو الأخرى، إضافة إلى الطلب بمباشرة العمل في المحطات المنفذة منذ سنوات، ولا تعمل كمحطة جب جنين. وتوفير كل ما يلزم لها للتسريع بعملها من أجل رفع مصادر التلوث، مع التشدد في عملية استباحة مجرى نهر الليطاني لمختلف أنواع النفايات من صناعية وزراعية». والأجدى وفق عراجي «من حملة تحرير المحاضر، هو العمل على رفع التلوث ومعالجة المشكلة من أساسها وليس من فروعها، فالمطلوب رفع التلوث كاملا والعمل على إعادة بثّ الحياة في النهر، الذي تحوّل إلى أكبر مسبّب للأوبئة والأمراض في البقاع، حيث ترتفع نسبها وفقا لمدى قربها من مجرى النهر، مع ارتفاع متصاعد في الأمراض التي تصيب الجهاز الهضمي، عدا انتشار الأمراض المعوية في البقاع مع عوارض التقيؤ والإسهال».
ويلفت عراجي إلى «ارتفاع نسبة الوفيات بالأمراض السرطانية في البقاع، التي قد تكون مرتبطة بموضوع التلوث، وإن لم يكن هناك من تأكيد طبي أو إحصاء، إلا أن البارز أن المنطقة باتت تشكل أرضية لتغلغل تلك الأمراض، التي تصيب الجهاز الهضمي، الذي يتأثر حكما بموضوع تناول الأطعمة والخضار والفاكهة». وما يحذر منه عراجي، يتوافق مع ما يؤكده نائب رئيس نقابة أصحاب المستشفيات في البقاع والمدير العام لمستشفى رياق العام الدكتور محمد حمد عبد الله من «ارتفاع في نسب المرضى الذين يتعالجون في قسم الأشعة لمعالجة الأمراض السرطانية، التي تشهد تزايداً في عدد المرضى»، مع الاشارة إلى «عدد لا يستهان به من الإصابات»، لافتاً إلى أن تلك «الظاهرة باتت واقعا يوميا في منطقة يكثر فيها الحديث عن التلوث بمختلف أنواعه».

Script executed in 0.18021011352539