أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حكاية «تَوترة» الحريري وانحسار أزمته الماليّة

الخميس 10 تشرين الثاني , 2011 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,318 زائر

حكاية «تَوترة» الحريري وانحسار أزمته الماليّة
يستيقظ الشاب الأربعيني، يلبس الـ«روب دو شامبر» ويطلب القهوة والماء. سيتأخر طلبه قليلاً، فيقرر الاستفادة من هذا الوقت الصباحي الضائع. وبدل قراءة بعض الصحف ـــــ وهي عادة لم يرثها عن والده ـــــ ومراجعة مواعيده، يتفقّد رسائله الإلكترونية وما وصله ليلاً من تعليقات على حسابه الخاص بموقع تويتر. كوب الماء وفنجان القهوة جاهزان، لكن الشاب منهمك في الإجابة عن بعض الأسئلة. حان موعد الفطور، لكن لا وقت لذلك لكون عدد «التويتس» بلغ حداً غير مقبول ويجب الرد عليها، وإلا سيقول الناس «إننا هجرناهم مرة أخرى».
إنه الرئيس سعد الحريري.
بات بإمكان الرئيس السابق أن «يُوَتوِر» بفضل دهاء عدد من مستشاريه الذين وجدوا في هذه الفكرة حلاً لمشكلة تواصله مع ناسه وجمهوره. قبل عشرة أيام، دخل أحد هؤلاء على الرئيس وقدّم له هذا المشروع بعدما جمع الكثير من المقالات والملاحظات حول تواصل «قادة العالم» مع ناسهم وجمهورهم. اقتنع الحريري بعدما ناقش المشروع مع باقي المستشارين وباشر بتنفيذه. فسجّل حتى اليوم أكثر من 200 ردّ على أسئلة جمهوره بمجالات مختلفة، السياسية والاجتماعية والحياة الشخصية.
بذلك، يكون فريق الحريري قد استنسخ مرة جديدة أساليب أميركية وغربية. بات كل شيء يخص الحريري تقليداً للبيت الأبيض: مشهد خلع «الجاكيت»، شكل المنبر الرفيع، «ملقّن» الخطابات، تصميم «لوغو» رئاسة مجلس الوزراء. واليوم حان موعد استنساخ بعض الأفكار الأوروبية، وإحداها «تويتر». يقول بعض مستشاري الحريري إنه يقوم بنفسه بإدارة حسابه على «تويتر».
عدد من المستقبليين مصدومون بهذه الخطوة، إيجاباً وسلباً، وتختلف آراؤهم في هذا الموضوع. إلا أنّ جميعهم يتّفقون على ضرورة إيجاد الحل اللازم لأزمة التواصل مع الناس. والمحيطون بالحريري يؤكدون أنّ الأخير لم يختلط بجمهوره ومسؤوليه منذ أن انتقل إلى «قصر أيّاس». فالانتقال إلى هذا البيت ترافق مع ظروف سياسية وأمنية صعبة منعته من إقامة اللقاءات الشعبية التي اعتادها منزل العائلة في قريطم. واقترن الابتعاد عن الناس في الفترة الأخيرة بالخروج من السلطة ومن بعده بالابتعاد عن لبنان، الأمر الذي ترك جمهور المستقبل في إحباط تام وفي قلق على مصير التيار ومشروعه السياسي.
ويفترض مشروع التواصل عبر توتير أن يحمل ثلاث إيجابيات هي: أولاً، التواصل مع الجمهور، وخصوصاً الفئة الشبابية التي يعتبر الرئيس الحريري أنه يمثلها. لذا يريد هو معرفة كيف تفكّر هذه الشريحة وإدراك الهواجس التي تعانيها. ثانياً، إضافة عنصر جديد إلى فريق مستشاريه وهو يتمثل بالشريحة التي يجري التواصل معها، وبالتالي لم يعد سعد الحريري بحاجة إلى جمع كل فريقه لمعرفة تفاصيل ما يجري بين الناس. ثالثاً، بلورة الموقف السياسي مباشرة من الجمهور من دون المرور عبر بهار فلان أو مشاكل علّان الشخصية وأهدافه.
لكن، هل التويتر آلية ناجحة لتواصل الحريري مع أنصاره؟ ربما لا. فأولاً، هذه الصيغة تغفل قسماً كبيراً من جمهور المستقبل، وهي الشريحة المستقبلية الأكثر تشدداً ووفاءً وحجماً في التيار، الشريحة التي تتوزّع بين عكار والشمال عموماً والبقاعين الأوسط والغربي. هل يملك هؤلاء تقنية الإنترنت ويجيدون «التوترة»؟ أهالي هذه المناطق، الخزان البشري للمستقبل، كيف سينقلون مشاكلهم إلى الرئيس، الذي بات يتلقى طلبات الخدمات والتوظيف ونيل التأشيرات عبر «تويتر» شأنه شأن المسؤولين الآخرين في التيار؟
ولتفعيل هذا التواصل، ابتكر المحيطون بالحريري ستة حسابات وهمية على تويتر تكون مهماتها دفع النقاش وتحريكه، فيطرح أصحاب هذه الحسابات أسئلة سبق أن أعدّ الفريق أجوبتها، ما يساعد في تقديم الحريري لمواقفه السياسية تجاه مختلف القضايا.
تجدر الإشارة إلى أنّ الموقف الذي سجّله الرئيس الحريري من الرئيس نبيه بري لم يكن نتيجة سؤال صادر عن هذه الحسابات الوهمية، إذ إنّ هوية طارح هذا السؤال معروفة ولم يقصد الحريري وفريقه إثارة هذا الموضوع. ولا بد من الحديث عن آخر المستجدات حول علاقة الحريري ببري. بحسب مطلعين على مجالس الحريري، «لم يعد الرئيس بري يمثل واقعاً شيعياً، وإنّ حزب الله هو الطرف الوحيد الذي يمثّل الطائفة الشيعية». ووفق الأوساط نفسها، فإنّ «أي علاقة في المستقبل بين التيار والطائفة الشيعية ستكون مع حزب الله لكونه فريقاً سياسياً وازناً». وينقل هؤلاء عن الحريري قوله إنّ بري لم يحترم التمثيل السني كما احترمه المستقبل وحلفاؤه في مجلس النواب وانتخابات رئاسة المجلس.
وبالطبع، لم يمرّ موقف الحريري على عين التينة مرور الكرام، إذ يروّج الرئيس بري في مجالسه طرفة تقول الآتي: الحمد لله، ظهر سعد الحريري ولو على تويتر، وبات بالإمكان العودة إلى طاولة الحوار، وبالإمكان استئنافها على تويتر!
وبالعودة إلى أجواء المستقبل، بعد أشهر من الغياب وفقدان التواصل، لماذا قرّر الحريري فتح هذه القناة، وما الذي شجّعه على ذلك؟ بإمكان بعض ما نشره الرئيس على توتير أن يجيب عن هذه الأسئلة وغيرها، ويمكن استخراج بعض ما نشر: «أعتذر من جميع موظفي مؤسسات الحريري على التأخير السابق بدفع الرواتب، وهذا انتهى ولن يتكرر». وبالتالي يمكن القيام بربط الأمور بعضها ببعض: بدأ ظهور الحريري على تويتر بالتزامن مع بداية حلّ الأزمة الماليّة في تيّار المستقبل.
ويمكن القول إن الأزمة المالية انحسرت بنسبة 90%، إذ دفعت رواتب الموظفين لشهر تشرين الأول في جميع المؤسسات، وتم تسديد المبالغ المتراكمة لموظفي تلفزيون المستقبل، كما نال الزملاء في صحيفة المستقبل، حتى اليوم، أربعة رواتب من أصل ستة لم يقبضوها. وفي التيار، جرى تدوير الأرقام وتم الدفع أيضاً، ولم يبق سوى بعض المستحقات المتوجب تسديدها لبعض المسؤولين، وهي مخصصة لدفع تكاليف الهواتف والنقل وغيرها من الحاجات غير الملحّة.
إلى انحسار الأزمة، هناك الأخبار التي ترد إلى الحريري وغيره، حول ما يجري في سوريا، ما يساعد هذا الفريق على لملمة نفسه والتحضير لظروف سياسية حاسمة. على الأقل هذا ما يشير إليه المسؤولون في التيار، وهم يشددون على المنحى التصاعدي الذي يتّخذه موقف التيار والحريري من سوريا. والتصعيد «جارٍ وسيرتفع السقف تباعاً»، بحسب هؤلاء المسؤولين. وليست المطالبة بمخيّمات للاجئين السوريين سوى مثل على ذلك. بهذا الاقتراح يصيب المستقبليون عصفورين بحجر واحد: يهجمون على النظام في سوريا ويحتضنون المعارضين، ويضغطون على حكومة الرئيس نجيب وميقاتي ويضعونها أمام مآزق داخلية وخارجية عديدة.
وإلى حين اتخاذ القرارات التصاعدية حول مخيّمات اللاجئين السوريين، يتابع الحريري نشاطه على تويتر. ينصح من يتبعونه على هذا الموقع بممارسة الرياضة وأكل الطعام الصحي، يتحدث عن السباحة والركض. و«يفضح» عدداً من أسرار العائلة: «أخي أيمن اشترى جهاز «بي 90 إكس» (جهاز رياضي)، وهو جهاز صعب، سأجرّبه بعده». ما همّ أهل عكار والضنية بهذا الأمر؟ فهل يمكن طبخ الـ«بي 90 إكس» وإطعامه للأولاد؟

Script executed in 0.039162158966064