أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عن ربيع نعمة الله.. شفيع كذباتنا العتيقة

السبت 12 تشرين الثاني , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,210 زائر

عن ربيع نعمة الله.. شفيع كذباتنا العتيقة

السماء تمطره بالأفراح. وابن الجبل، الفلاح العتيق الذي لم تمسسه المدينة بأي من مساوئها، متخم بانتصارات لبنانية مُسكرة، لشدة ما هي بلدية أصلية.. مقطرة ثلاثاً. 

النائب اليميني المحافظ بالفطرة والغريزة وحتى بالجينات الوراثية، صنع بنفسه بعض هذه الانتصارات للبنان، بينما البعض الآخر تحقق لأسباب تتخطاه، ومع ذلك، فإنها تمر به فيصفق لها مهللاً. 

عيد الأبجدية هو حلم حياته الذي تحقق. عيد على الأجيال اللبنانية المتعاقبة أن تتذكره بصفته «عيد نعمة الله». العيد الذي لا يمكن إلا الضحك لأسبابه الموجبة التى تجمع في بضعة سطور كل زيف منظومة الصورة التي اخترعها لبنانيون عن بلد وُلد ملتبساً، وعاش، وما زال، في التباساته بين الخرافة والواقع. منظومة صدقوها، وبشرّوا بها، عن لبنان الذي تضرب جذوره سبعين قرناً في التاريخ، يثري فيها البشرية بالفكر والشعر والادب والديموقراطية والقانون، وصولاً إلى اكتشاف اللون الأحمر. لبنان مجموعة الاساطير التي تضخمت لإخفاء الصراع الحقيقي حول هويته المستحيلة، فصارت جزءاً اساسياً من ورم انفجر حربين أهليتين كانتا في قسم كبير منهما، نزاعاً مستمراً حتى الآن، حول أي تاريخ للبنان نريد، الحقيقي، أم ذاك المتخيل في ذهن نعمة الله الذي ما زال يعبّر بلغة ابجديتها عتيقة ومُبسطة، ولا تصلح لمن بلغوا سن الرشد في فهم بلادهم، كما لا تصلح للاطفال لأن لا ابتكار فيها، ولا تحفيز للمخيلة، حيث «قدموس» ناشر هذه «الألفباء الفينيقية الكنعانية» الذي هو دون أدنى شك، المعلم الأول والأكبر يعجز حكماً عن منافسة أي شخصية عصرية، كهاري بوتر مثلاً. 

ومثل «قدموس»، هو لبنان، في ابجدية نعمة الله التي تعتمد فكرة أوليّة ترى لونين فقط، حيث لبنان هو أعظم ما خلقه الرب، ولأنه كذلك، يتعرض «لهجمة شرسة لطمس رسالته التاريخية ولتقزيم دوره الإنساني وحضوره المميز في مسيرة الارتقاء العالمي». ولأن اسباب نعمة الله الموجبة هذه لا تخبرنا من صاحب الهجمة، فلنا أن نحدد عدواً بمروحة واسعة، من الطفيليات التي قد تضرب جذع شجرة الارز، إلى المخلوقات الفضائية، من دون أن نسهو بالطبع عن «التوطينيين»، هؤلاء الذين سيظل مار نعمة الله، شفيع الديموغرافيا وناطورها، يتصدى لهم برمحه العظيم حتى ذاك النفس الأخير في صدره، بعد عمر مديد. 

ولأن الطبيعة حين تعطي تدهش، فإنها تمنح نعمة الله الكثير في أيامه هذه. فإلى عيد الابجدية الذي مرره مشرعو البلاد كما هو، بلا أي نقاش حول خفة اسبابه وتفاهتها، وخطورتها مع ذلك في ترسيخ كذبتنا العتيقة حول أنفسنا، ففرح ابي نصر عظيم بنصرين آخرين متقابلين ومتزامنين. 

فقد سُحبت الجنسية من نحو 180 «من غير مستحقيها»، في خطوة أولى على طريق يمشيها المقاتل العنيد منذ سنوات لاسترداد الجنسية من كل ذوات فئات الدم غير اللبنانية الذين سطوا عليها في غفلة من حرّاس نقاء العرق وتوازن «كميات» الطوائف. وهي حرب مستمرة لابي الديموغرافيا (وليس أمّها) ضد كل من تسوّل لها نفسها بأن تتزوج غريباً، عربياً كان أم إفرنجياً، وفي بالها أنها ستمنحه يوماً، وأولاده منها، فرادة وعظمة جنسيتها الضاربة آلاف السنين في القدم. ولتجنِ، ومعها نسلها المنبوذ، لعنة زرعها المشؤوم. 

النصر الثاني هو عودة اللبنانيين الفارين إلى إسرائيل، هذه الهدية القيّمة التي قدّمها «حزب الله» لحليفه «التيار الوطني الحر» ليصرفها عند المسيحيين، لا تبدو ذات أهمية عند الحزب الذي أغلق صفحة «جيش لبنان الجنوبي» صبيحة الخامس والعشرين من ايّار في العام 2000، لكنها غالية في حسابات «التيار» مع خصومه. ولأن لا أحد سيكون ملكياً أكثر من «حزب الله» في هذا الملف، فلا أحد توقف عند مسألة أن هؤلاء العائدين، اذا كانوا كلهم يؤمنون بما يؤمن به الناطقون باسمهم في موقع «لبنانيون في اسرائيل» الالكتروني، فنحن إزاء معضلة أخلاقية مرعبة. فهؤلاء، وتأسيساً على ما يشعرون به من غبن جرّاء «تخلي» بلدهم عنهم، وعداء متأصل للفلسطينيين بنوا عليه «قضية نضالهم ودماء شهدائهم»، ثم على عدائهم ذي الطابع الثأري العشائري، لكل ما يمت إلى المقاومة اللبنانية بصلة، وتأسيساً أيضاً لاحتضان «دولة اسرائيل» لهم، اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وتربوياً، فإن هؤلاء سيكونون، حين يعودون، حاملي جنسية لبنانية بقلوب وعقول اسرائيلية. ومع أنه لا يمكن اعتبارهم من غير مستحقي الجنسية، إلا أن العمل على «لبنانيتهم»، صغاراً وكباراً، سيتطلب جهداً شاقاً ولا احد يدري اصلاً كيف سيتم ولا احد يبدو معنياً أصلاً. وبالتأكيد، فإن عيد الابجدية لن يكفي وحده، غير أن ما في هذه النفوس قد لا يكون مهماً في الحسابات الديموغرافية الكبرى، على العكس مما في نفوس «غير مستحقيها» ممن ربما لم يروا بلاداً غير بلاد لبنان، ولم يحكوا بلهجة غير لهجاته اللبنانية.. ولم ينهلوا إلا من ينابيعه وأنهاره. ولم يحبوا أطفالهم إلا على ترابه. 

وفي المقابل، فإن أولئك الذين هاجر أجداد أجدادهم إلى آخر العالم قبل أن يكون هناك لبنان في الاصل، أولئك الذين غالبيتهم لا تعرف عن لبنان شيئاً على الارجح، فإن نعمة الله سيسترجعهم واحداً واحداً، بل حرفا حرفاً، إلى جنسية لا تعنيهم في الاساس، هم مواطنو بلادهم، الفخورون بجنسيتها كما بهويتها. 

وبما أن مصطلح الربيع بات رائجاً في هذه الايام، ولأن الحظ يقف في صفه، وكي يكتمل ربيع نعمة الله في تشرين الثاني، كانت عجيبة جعيتا، وكان النائب واحداً من نجوم إعلانها غير الموفّق. 

ففي واحدة من أشد لحظاتنا ضحالة، ووسط حراك عربي تاريخي مذهل، نقرر أن نغض الطرف عن كل انقساماتنا وصراعاتنا المعلقة، ومشاكلنا الذاهبة عميقاً في كل شيء، لننخرط في حملة تجارية صرف للتصويت لواحدة من أعظم انجازاتنا اللبنانية: مغارة طبيعية، تستثمرها شركة خاصة بكلفة دخول لا تقل عن 12 دولارا، لا يستطيع تحملها معظم من صوّت لها. 

والعجيبة الفعلية ليست المغارة، بل الهستيريا الجماعية التي قامت حول التصويت لها. العجيبة هي في أن «نتوحد» حول هذه التفاهة، بينما نهمل مئات القضايا الاخرى التي نتوحد حولها من دون أن ندري. تلك القضايا التي نحفظها غيباً، من السؤال عن الهواء الذي نتنفسه والطعام الذي نبلعه، إلى السؤال عن النظام الذي نريد أن نعيش في كنفه، مروراً بكل مواطنيتنا المهدورة، بكل انواع أماننا المهدور... قضايا لا نجد من يتحمس لان يصور إعلاناً لها، ما دامت أكثر تعقيداً من اسهامنا في «وضع لبنان على خريطة السياحة العالمية»، كأن السياحة في الأصل تدار كما يجب في هذا البلد الذي يدعي أنه بلد سياحي. 

ليس النائب نعمة الله ابي نصر مسؤولاً عن ضحالتنا طبعاً، غير أنه الوحيد الذي يرمز إليها في ايامنا هذه. ففي لحظة اكتشافنا لتواضع حجمنا، ليس لنا، كي نستمر في الكذب على انفسنا، إلا أن ننظر إلى المرآة بعيني نعمة الله: سنرى الربيع.


Script executed in 0.038238048553467