أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

إيلي الفرزلي: دون كورليوني في طائفة لا عرّاب لها

الثلاثاء 15 تشرين الثاني , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 8,057 زائر

إيلي الفرزلي: دون كورليوني في طائفة لا عرّاب لها

على أن الفرزلي ليس «مارلون براندو» وليس مافياوياً بالطبع، إلا في الصورة اللطيفة عن ابن صقلية الذي تزيد انفعالاته المتواصلة في خفة دمه، حتى يكاد الفرزلي يكون، فعلاً، من «أهضم» السياسيين اللبنانيين حضوراً، بغض النظر عن مضامين مواقفه السياسية. 

ولا يمكن الفرزلي، بأي حال، أن يكون شريراً، كغيره من الأشرار، لأن عرّابي الشر في لبنان عبر تاريخه، احتاجوا إلى طوائف ترفعهم إلى رتبة أمراء حروبها أو سلامها. والفرزلي من طائفة لم تنتج، كما الطوائف الأخرى، عرّابها، الدون فيتو كورليوني خاصتها الذي يدير معارك نفوذها الدموية مع الطوائف - العائلات الأخرى. 

الطائفة التي لم تتكتل بعضها على بعض، عبرت الحرب الأهلية اللبنانية بأقل ما يمكن من خسائر «وطنية» على الأقل. حافظ ابناؤها على تنوع انتماءاتهم الحزبية والفكرية والمناطقية، ووُجد أفرادها في معظم الأحزاب اللبنانية، بصفتهم هذه، أفراداً. وكان محازبوهم أقلية، بينما حافظت الغالبية من الطائفة على حياد ايجابي ابعدها عن حفلات الجنون اللبنانية، فحُسبت «لاطائفية» هذه الطائفة لها، وليس عليها. 

«طائفة بلا عقد»، يراها ابنها طارق متري، الوزير السابق والاستاذ المحاضر في الجامعة الأميركية في بيروت حالياً. يقول إن «للطائفة انتشارها اللبناني والسوري والفلسطيني، وذاكرتها التاريخية تعزز شعور أبنائها بالانتماء الى هذه المنطقة. كما أن تأثير الانتماء الاوسع واضح في شخصيتهم الجمعية». 

الأرثوذكس إذاً لم يخشوا العروبة، بل تبنوها، وقد شاركوا في إرث نهضتها. والكنيسة غير متشددة، وليست قوية في سيطرتها على المؤمنين كما المؤسسات الكنسية الأخرى. كما أن انتماءهم إليها ديني وليس سياسياً». 

الأرثوذكس، يقول الرجل ذو الصوت الخافت دوماً، والذي يبدو أكاديمياً أكثر مما هو سياسي بالمعنى «اللبناني» للسياسي، يقول أن «ليس لديهم شعور بأنهم لبنانيون أكثر من اللبنانيين الآخرين، ولا أقل منهم. وهم ليسوا تحت وطأة أسطورة أصل مرتبطة بأرض. ليس لديهم «جبل»، مثلاً، كجبل لبنان «الماروني» أو جبل عامل «الشيعي». هذا لا يجعل منهم أفضل من الشيعة او الموارنة أو أسوأ منهم. لا مفاضلة هنا، بل إن هذا هو الواقع. والواقع يجعلهم أقرب إلى القبول دائماً بالدولة المدنية». 

الطائفة المتقدمة، بصفاتها هذه، على سائر الطوائف، والتي ينبغي أن تكون نموذجاً للطوائف الباقية، يحمل صليب همومها السياسية والانتخابية، من دون أن تطلب منه ذلك، «اللقاء الأرثوذكسي». هذه التسمية لا تُلزم الطائفة الاكثر تنوعاً بالطبع. غير أن هذا اللقاء، بنجمه الأول إيلي الفرزلي، ومن ثم، خلفه بخطوات، نائب رئيس مجلس الوزراء سمير مقبل، يسوّق للقانون الذي كان يمكن قبوله عند كل الطوائف الاخرى، ما عدا الأرثوذكس. هذا الذي يقول بانتخاب كل طائفة لنوّابها وكل مذهب لنوابه.. من أجل «صحة» التمثيل. واللقاء يبكي أيضاً، إلى حقوق الطائفة الانتخابية المهدورة، حقوقها في التعيينات. 

هذا الحل المتطرف لمعضلة القانون الانتخابي النيابي، تلقفه بالترحاب، للمفارقة، خصم وجودي لإيلي الفرزلي هو رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، حيث لا بأس من استغلال فكرة شعبوية كهذه تقول بحماية المسيحيين، هذه «الحماية» التي باتت عنوان المنافسة المعلن والمرفوع بين القادة الموارنة على اختلافهم، بعدما افسدهم دلال حلفائهم من شيعة وسنة وأنزل خطابهم إلى طائفي بحت، خالعاً عنه ما كان يستتر به من عمق «لبناني». 

قرر «اللقاء الأرثوذكسي» أن يتقدم بالطائفية على الطائفيين. هذا لا يعني أن الطائفة لحقت به. هذه المجموعة من السياسيين المتضررين من التبدلات في مراكز القوى، ومن رجال الأعمال، والتي تبحث عن دور لها، اخترعت الشكوى والحل في آن واحد، وراحت تجول به على الأطراف السياسية اللبنانية، وهي على الأرجح تعرف أنه مستحيل التطبيق، غير أنها نجحت في إثارة الضجة من حولها... حتى أن اجتماع بكركي المصغر قبل ثلاثة أيام وضع كل المشاريع على الرف وأسلم نفسه لمشروع ايلي الفرزلي. 

إثارة الضجة شأن سهل، بخاصة إذا كان من يثيرها نجم مثل الفرزلي. طارق متري يناقش بهدوء. يقول إن «طرح «اللقاء» بأن تنتخب كل طائفة ممثليها هو تراجع الى فيدرالية الطوائف، بينما اتفاق الطائف يقول بمجلس الشيوخ. وقانون «اللقاء الأرثوذكسي» الانتخابي يؤدي إلى أجسام انتخابية منفصلة، ويزيد من تفكيك بلد مفكك اصلاً. ويجعل طوائفه تعيش فيه ظهراً لظهر. والسؤال هنا، في ظل انتخاب كل طائفة لنوابها: ما الذي سيبقي المسلمين راضين عن المناصفة مع المسيحيين؟ 

أما «الحقوق المهدورة» التي يريد «اللقاء» استعادتها فيقول متري إن هناك «مبالغة في التحدث عن حقوق مسلوبة وأخرى مستعادة. ثم كيف سيسترجعون هذه الحقوق؟ بقواهم الخاصة ام بقوى حلفائهم من الطوائف الاخرى؟ ألن يعودوا بذلك الى المربع الأول؟» 

كان منتظراً من الفرزلي «العروبي اللبناني المنفتح مشروع ليس على قاعدة عزل الأرثوذكس بل على قاعدة بناء جسور بينهم وبين غيرهم. مشروعه، واللقاء معه، للتوحيد القسري والديماغوجي باسم شعارات الحفاظ على الطائفة وافتعال عصبية غير موجودة يعود بالأرثوذكس واللبنانيين خطوات الى الوراء. يقول الفرزلي إنه مرحلة انتقالية. فإذا كان «دولته»، الذي خالط غيره من اللبنانيين، يؤمن بمثل هذا المنطق الانعزالي، فهل يُنتظر مثلا من سامي ونديم الجميل أن يأتيا في المستقبل لمد جسور مع الآخر الذي لا يعرفانه، لا بل لا يريدان أن يحاولا التعرف اليه قط؟ 

قانون الفرزلي، الذي من شأنه أن يحدد ممثلي كل مواطن بعدد محدود جداً من النواب، من ابناء جلدته فقط، سيستمر التداول فيه ما دام دولة الرئيس السابق متحمساً له، وما دام محكوماً بالترشح في منطقة تملك الأرجحية المقررة فيها البيئة الحريرية التي كانت وما زالت خصمه، وما دامت السلطة تؤجل البت في القانون الجديد إلى اللحظة الأخيرة. 

حتى ذاك الحين، سيظل الأرثوذكس بخير من «التوحد» الذي يصيب الطوائف الأخرى. أما «دولة الرئيس»، فستظل نظرياته من المتع القليلة في الحياة السياسية اللبنانية، حيث لا أحد غيره قد يجترح مثل هذه المعادلات، بخاصة حين يقولها بكل حماسته، وبصوته ذي البحة الفارقة: لا سبيل إلى التخلص من الطائفية إلا بحشوها بالمزيد من الطائفية، حتى تنفجر من الداخل في نهاية الأمر. 

يشفع لدون كورليوني اللقاء الأرثوذكسي إيلي الفرزلي أنه إلى هذه الدرجة مرح، وقريب من القلب.. لكن مأساته تكمن في أنه ابن طائفة لا عرّاب لها، ولا تريد أن يكون لها عرّاب.


Script executed in 0.0326988697052