استفاق اللبنانيون أمس، على نكسة ألمت بمطرانية بيروت للروم الأرثوذكس، التي فقدت بالأمس جزءاً هاماً من تراثها الديني. إذ لم تجلب معها شمس تشرين الهدوء المعهود الذي يخيم على حي السراسقة التاريخي، بل حملت اعتداء على تراث كنسي عريق، وعبثاً بأمن إحدى أكبر المرجعيات الروحية في البلد.
وبحسب الرواية التي تابع تفاصيلها اللبنانيون، بالحدّ الذي تسمح به سرّية استكمال التحقيقات، فقد فتح موظفو المطرانية بابها عند السابعة صباحاً، ليتفاجأوا بخراب ألمّ بحوالى خمس غرف من المطرانية. فيها، تهاوت الأوراق والوثائق على الأرض، وهي جزء من أرشيف أكبر تمت سرقته، بما يحويه من وثائق ومخطوطات. كما امتدت يد الجناة على كؤوس مذهبة، وأوان كنسية، وصلبان، وأيقونات، وأموال، وليرات ذهب، كما أشار الأب جورج ديماس، مقدّراً أن تكون عملية السرقة قد استغرقت ما بين ثلاث وأربع ساعات.
وبدا التجهم واضحاً على وجوه الموظفين، من باب الحراسة وحتى صدر الدار، كما انسحب على وجوه زوّار المطرانية الذين قصدوها مستنكرين ومستفسرين. وفيما التزم ربّ البيت الصمت مكتفياً بالقليل من الكلام، قال متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران إلياس عودة: «الله يرى»، معولاً عليه لمساعدة الحكومة في كشف الفاعلين. ولم يصدر عنه غير الكلام المذكور، علماً بأنه قد قاله إثر زيارة النائب البطريركي المطران رولان أبو جودة للمطرانية، مستنكراً.
وفي حين اكتفى بعض الموظفين بتكرار ما تردد عبر وسائل الاعلام، لجهة أن الفاعلين قد دخلوا من نافذة خلفية بعد كسر زجاجها، وأن حرس المطرانية لا يتمركزون إلا على بابها الرئيسي، فإنهم رفضوا الغوص بأي تحليل حول خلفيات السارقين وأهدافهم.
بيد أن وزير الداخلية مروان شربل، الذي أوفده رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي بعد اتصاله بالمتروبوليت إلى موقع الحدث، قد أكد أن «لا رسالة سياسية لهذا العمل»، معتبراً أن «هذا حرامي يمرّ وين ما كان». وأشار إلى محاولة التوصل لمعرفة الفاعلين من خلال بعض البصمات الموجودة في مسرح الجريمة. كما لفت شربل إلى أن «السرقة تمت بإزالة النوافذ الزجاجية القديمة حيث دخل السارقون منها وخلعوا خزنة وسرقوا منها أربع أو خمس ليرات ذهب قديمة»، مضيفاً ان «حصر الأضرار لم يتم مئة في المئة، لكنهم سرقوا أشـياء مهمـة من الناحية التراثية».
في المقابل، لا يبدو النواب والوزراء الأرثوذكس موافقين على تخمينات وزير الداخلية، إذ رأى نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري في الاعتداء على مطرانية الروم الأرثوذكس «رسالة موجهة الى المطران الياس عودة على خلفية مواقفه الوطنية المنادية بسيادة واستقلال لبنان»، لافتاً إلى خطورة ما جرى «لا سيما أن الطائفة الأرثوذكسية لم تتعرض لاعتداء بهذا الشكل خلال الحرب الاهلية». وقد دعا النائب ميشال المرّ النواب الأرثوذكس إلى الاجتماع والاعتصام في مقر المطرانية لكشف الفاعلين.
حتى ساعات متأخرة من يوم أمس، بقي المطران عودة يستقبل زواراً مستنكرين، ويتلقى اتصالات من كل حدب وصوب... لعلّه يتمنى أن يقرع جرس كنيسته يوم الأحد المقبل فرحاً باكتشاف الفاعلين، وباسترجاع ما فقدته المطرانية من تراث كنسي لا يقدّر معنوياً بثمن.