حرص السيد نصر الله في خطابه الأخير بمناسبة «يوم الشهيد» المقاوم على التشديد على أنه لا يهدد في ما يتعلق بالمعادلة الجديدة التي أطلقها: «عليهم ان يفهموا جيداً ان الحرب على ايران والحرب على سوريا لن تبقيا في ايران ولا في سوريا وإنما ستتدحرج على مستوى المنطقة بأكملها. وهذه حسابات حقيقية وواقعية، لا نحن نهدّد ولا احد يهدّد. لنضع التهديدات جانباً ولا يتخذ أحد مواقف مسبقة، لكن هذا هو واقع الحال».
على أن «واقع الحال» هذا لم يفهمه البعض؛ سوى أنه تورط في لعبة المحاور الدولية والاقليمية، مع ان المعطيات العسكرية والامنية والبيئة الاستراتيجية و«الأمن القومي اللبناني» (وهو مصطلح يغيب عن أذهان الساسة في بيروت بسبب انشغالاتهم في زواريب المصالح الفئوية)؛ جميعها عناصر تقود تلقائياً الى معادلة «الحرب المتدحرجة»؛ من منطلق قوة بالاستناد الى فلسفة وطنية تضع أسسها المقاومة منذ 30 عاماً وتطورها بشكل متواصل ضمن اطار نظرية معدّلة مفادها: «قوة لبنان في صواريخه».
في المقابل، استندت العقيدة الأمنية الإسرائيلية طوال عقود على ثلاثة عناصر:
- الردع: في اوقات السلم؛ حين ترتكز المصلحة الاسرائيلية على ضرورة الحفاظ على الوضع الراهن على ما هو عليه، من خلال فارق شاسع في موازين القوة بحيث يخشى اعداء اسرائيل احتمال لجوئها الى الخيار العسكري.
- الإنذار الاستراتيجي: وتلجأ اليه اسرائيل فور حدوث خلل في ميزان الردع، بداية من خلال استدعاء الاحتياط.
- الحسم: من خلال العمل العسكري من أجل القضاء على مصادر التهديد. علماً ان هذا الحسم يستند أيضاً الى جملة عناصر حساسة في مقدمها «السرعة» والقتال على أراضي الآخرين؛ ذلك أن العقيدة القتالية الاسرائيلية وطبيعة الكيان لا تحتملان حروباً طويلة الامد او أخرى مكلفة للجبهة الداخلية.
غير أن هذه النظرية الأمنية بعناصرها الثلاثة تعرّضت لاختبارات مفصلية في العقد الأخير من الزمن، ثم جاء «الربيع العربي»؛ وتحديداً الثورة المصرية، لتتحول البيئة الاستراتيجية الاسرائيلية في فترة زمنية قصيرة الى مصدر قلق جدي بلغ حد الحديث عن تهديد وجودي.
مع هذا التحول، يطوّر نصر الله خطابه الردعي. يدرك «السيد» جيداً ان اخفاق اسرائيل في أي من عناصر نظريتها الأمنية: الردع أو الانذار او الحسم لا يكفي لمواجهة التفوق المادي الإسرائيلي. لذا انتقل الى مرحلة أعلى: التصويب باتجاه العناصر الثلاثة معاً. وهو بطبيعة الحال يستفيد من التوقيت السياسي والمشهد الإقليمي في اختيار اللحظة المناسبة لإطلاق معادلته الجديدة.
منذ انتهاء حرب تموز 2006، ضاعفت اسرائيل حجم اعتمادها على دمج معطيات استخبارية أميركية في جميع منظوماتها العسكرية بحراً وبراً وجواً؛ حتى أن ضباطاً اميركيين رفيعي المستوى يشرفون على المناورات القومية «نقطة تحوّل» في السنوات الأخيرة ويمتلكون صلاحيات واسعة لناحية تقرير جهوزية وثغرات الجبهة الداخلية.
وبما أن المسار التصاعدي للمعارك يفرض استفادة من التجارب السابقة، فإن العون الأميركي لإسرائيل في أي حرب مفترضة لن يكون أقل او بالمستوى نفسه الذي قدمه الأميركيون في تموز 2006؛ بل إن التنسيق والدمج بين منظومات الحليفين يقود الى ما هو أبعد من مجرد خطوط لنقل القنابل الذكية والوقود اللازم للطائرات الحربية. الحرب المقبلة لإسرائيل عند أي جبهة اقليمية ستستدعي حتماً تدخلاً أميركياً مباشراً، بغض النظر عن ساحات هذا التدخل ونطاقه الجغرافي وحجمه وحدوده وتبعاته.
اما في الإنذار الاستراتيجي؛ ثاني عناصر النظرية الأمنية الاسرائيلية التي يصوّب عليها السيد نصر الله، فإن فكرة «الحرب المتدحرجة» تمثل إشكالية حقيقية بالنسبة لجيش تقليدي كالجيش الاسرائيلي الذي لم يوفر وسيلة إدارية وتقنية حتى الساعة لتطوير آليات استدعاء الاحتياط بأسرع فترة زمنية ممكنة. بهذا المعنى فإن مسار «الحرب المتدحرجة» غير المقدور على التنبؤ بسرعة اتساع نطاقها، إشكالية، على مديرية التخطيط (آغات) في قيادة الأركان الاسرائيلية الإجابة عليها. اما في جانب التقديرات الاستخبارية المرتبطة بهذا العنصر فتكفي الإشارة الى تعثر تطوير نظم الإنذار الاستراتيجي المبكر في الأوقات العادية لأسباب تتعلق بحجم المعطيات الاستخبارية وآليات تحليلها، فكيف هو الحال في بيئة مماثلة لما تشهدها المنطقة؟
من هنا تُصبح أيضا نظرية نصر الله حول «حرب متدحرجة» هماً اضافياً على عاتق الأجهزة الاستخبارية الاسرائيلية والغربية التعامل معه أثناء رصدها وتقديرها لأي حدث مهما كان عادياً للوهلة الأولى.
وفي ما يخصّ الحسم، فإن تجربتي غزة 2008 وتموز 2006، كافيتان لاختصار مشهد تآكل وتراجع وزن هذا العنصر في ميزان النظرية الامنية الاسرائيلية. مع ذلك؛ تعني «الحرب المتدحرجة» بالنسبة لهذا المسار استحالة في التحقق؛ لأن القتال على أكثر من جبهة في الآن نفسه (وصودف أنها جميعها جبهات تعتمد اساليب مشابهة في القتال!) يتعارض مع جوهر العقيدة القتالية الاسرائيلية القائمة على الحسم السريع على أراضي الآخرين.
بأي حال، مواجهة الواقع ضمن البيئة التي تعيشها اسرائيل نفسها، يفرض على خصومها ابتداع اسلوب كـ«الحرب المتدحرجة» لتحقيق ردع حقيقي للمرة الأولى في تاريخ الصراع. والمتابع لخطابات نصر الله وحربه النفسية ضد العدو الإسرائيلي يلحظ بوضوح أنه حين يلجأ للحرب النفسية فهو لا يتوانى عن التهديد، معتمداً على ما تمتلك المقاومة. وهو يقول إنه يخوض «حرباً نفسية صادقة».
منذ أكثر من سنة، يتدرج نصرالله في معادلاته بدءاً من «تدمير الفرق العشر» فـ«المبنى بالمبنى» ثم «تحويل التهديد الى فرصة» الى «سحق الجيش الإسرائيلي»، لكنه هذه المرة تقصّد أن يُعلن أن سياق كلامه خارج عن إطار التهديد. ما قصده السيد نصر الله هو فعلاً «واقع الحال»، لا مجرد تهديد اعتيادي.
ويبدو أن الرسالة وصلت بوضوح هذه المرة، بحسب ما يوحي الصمت اللافت للانتباه لوسائل الإعلام والصحف الإسرائيلية والأميركية والبريطانية إزاء كلام السيد.