أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«الاشتراكي» ظافر ناصر: شيعي وجنبلاطي ووسطي

السبت 19 تشرين الثاني , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 32,032 زائر

«الاشتراكي» ظافر ناصر: شيعي وجنبلاطي ووسطي

تكفي الإشارة إلى أن أصغر أعضاء مجلس قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي سنّاً، صار أمين سر الحزب، للتأكّد من أن وليد جنبلاط لا يمزح. يكفي التدقيق في السير الذاتية لأعضاء مجلس القيادة الجديد، والتثبّت من أن متوسط أعمارهم بين 35 و40، للقول إن مصير «الحزب العتيق» صار بيد من هم أكثر شباباً من القيادات العتيقة. ويكفي «فضح» التركيبة المذهبية لمجلس القيادة، لكي يتبين أن ثمانية من أصل اثني عشر هم من غير الطائفة الدرزية، للتدليل على أن المختارة تريد ترميم معقلها الحزبي، الذي تآكله الصدأ.

خلال دراسته الجامعية في كلية الحقوق في زحلة، تعرّف ظافر ناصر ابن بلدة قليا البقاعية، إلى أفكار كمال جنبلاط على يد «الرفيق» وائل بو فاعور. فقرر السير عكس تيار العائلة اليسارية الهوى، التي تستسيغ المنطق العلماني، الانفتاحي.

يعترف أمين السر الجديد أن دينامية منظمة الشباب التقدمي هي التي جذبت الشاب الشيعي. كانت الأكثر حراكاً بين زميلاتها. يومها كان وليد جنبلاط يبدأ تمرّده على «الحقبة السورية»، ففتح خطوط تواصل مستجدة مع قوى لطالما أطلق عليها أقسى النعوت، أقلها «الانعزاليون» وأبشعها «العملاء». 

الشاب الثلاثيني (ولد في 15 آب 1980)، الآتي من عالم الإعلام، اكتسب اللقب «الاشتراكي» عبر منظمة الشباب التي أنتخب عضواً في قيادتها لثلاث ولايات متتالية (بين عامي 2004 و2011)، لكنه لم ينتسب للحزب إلا في التاسع من آب 2005، بصفة عضو عامل. وللمفارقة، انتخب عضواً وأميناً للسر في مجلس طلاب كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية ـ زحلة (2002 ـ 2004)، على «صهوة» التحالف مع «حزب الله».

يحمّل تجربته الحزبية المعمّقة «مسؤولية» تسلّقه الصاروخي للمواقع الحزبية، وبلوغه بلمح البصر المنصب الحزبي الأول بعد «الرئيس». إذ إلى جانب نشاطاته في منظمة الشباب، عيّن عضواً في مجلس إدارة «مؤسسة وليد جنبلاط للدراسات الجامعية»، كما هو عضو «منتدى الفكر التقدمي».

وحتى في عزّ الصراع مع «جناحي» الطائفة الشيعية، لم يشعر ظافر ناصر بانفصام، بين هويته الطائفية وبطاقته الحزبية. «كانت الغلبة للانتماء الفكري. المقاربة في ذهنه، لم تكن على قاعدة الصراع مع أغلبية طائفية، وإنما مع أفكار سياسية غير مقنعة، ولذا لم يتراجع ولو تكتياً في أدائه الحزبي، ولم يشعر يوماً بخجل منه»، بدليل ما بلغه اليوم. لا لبس في مفهوم المقاومة، ولا تناقض في قاموسه بين العمل المقاوم على الحدود والمعركة التحررية في الداخل. 

توصيات «البيك» بضخّ دم جديد في شرايين الحزب، كان لها فعلها: «تسونامي» فتية تطرق أبواب مجلس القيادة وتترّبع على كراسيها، لتزيح «حراس الهيكل القديم». معظم الوجوه القيادية صارت من اشتراكيّ الجيل الجديد، ما دون الأربعين من العمر. ثلاثة منهم حملتهم تجربة «منظمة الشباب» إلى أحضان القيادة: ظافر ناصر، خضر غضبان، وزياد نصر. وأصغرهم، ناصر، صار أميناً للسر خلفاً للمقدم شريف فياض الذي سيكرّم في الرابع من كانون الأول المقبل، في ذكرى «ميلاد المعلم».

ومن سلّم دفّة القيادة من «الحرس القديم»، لم يبدِ أي حركة اعتراضية، وفق أمين السر الجديد، بل احتكم لنتائج الانتخابات، ووضع تجربته الطويلة بتصرف التشكيلة الجديدة التي تواجه رزمة تحديات، ليس أقلها النهضة الحزبية، وانتشال الاشتراكي من كبوته.

النفضة الجنبلاطية، لا تبدو حتى اللحظة، وكأنها ملتصقة بخطة جاهزة للخروج بالحزب إلى آفاق مستقبلية رحبة. بتقدير ناصر فإنه لا يمكن عزل الواقع القائم المبني على أساس مؤسسات حزبية رديفة هي الخزان البشري للتقدمي، أو التخلي عنه. ولهذا فإن شعاره للمرحلة المقبلة هو «الاستمرارية في كل ما هو إيجابي ومنجز ومحاولة معالجة الخلل». 

التكامل لا بدّ منه بين السلف والخلف، وفق تأكيد الاشتراكيين. بالمحصّلة، لا يبدو أن الجيل الجديد بصدد التمرّد على الموروث القديم، وإنما جاء ليتمّم ما سبق للأسلاف أن بنوه على مرّ السنوات. كل ما بوسعهم القيام به، هو مدّ الأرضية الاشتراكية ببعض «الأوكسيجين»، تنشيط الحركة الشبابية، ومحاولة تعميم التجربة الانتخابية على بقية المستويات الحزبية.

الخطة التنظيمية التي صار عمرها سنتين، ستكون محور متابعة من القيادة الجديدة. سلّة أفكار طرحها وليد جنبلاط على المجموعة الشابة، استقاها من تجربة الحزب الاشتراكي الفرنسي، منها على سبيل المثال انتخاب الرئيس من القاعدة مباشرة. كما أن للمشرفين على الخطة جملة طروحات بصدد ترجمتها من خلال عناوين محددة، يفترض أن يصار إلى سكبها ضمن تعديلات مرتقبة للنظام الداخلي، ولعل أبرزها تكريس المبدأ الانتخابي على كل مستويات الحزب، علماً بأنه مسار طويل ومعقّد.

أفكار قد تزيد حماسة الكوادر الاشتراكية والمنافسة فيما بينها، لا سيما تلك التي ستغريها مخيلتها بإمكان الحلول محل «أبو تيمور» في موقعه الحزبي الأول، اللهم إلا إذا كان وعده بعدم الترشح مجدداً «فلتة شوط».

ما قبل الثلاثين من تشرين الأول الماضي، لا يشبه ما بعده. اختار الزعيم الاشتراكي أن ينتفض على تقليد العقود الثلاثة الماضية. أن يحيط نفسه بمجموعة شبابية، بعض أعضائها من صقور الحزب و«حُماة يمينه». لن تكون اجتماعات القيادة بعد اليوم على قاعدة «نفّذ ثم اعترض»، لأن الثانية قد تسبق الأولى، يقول ناصر، وعلى الرغم منذ ذلك، لا يرى ناصر أن الواقع الجديد انقلابي الحال. بتقديره، جنبلاط هو أكثر الاشتراكيين ثورية، ولا مجال للمزايدة عليه. فالمجلس الجديد كما زعيمه، متشابهان كثيراً، و«الربيع العربي» قادر على خلق مسافة تناغم لا بأس بها «مع الشعوب العربية وانتفاضاتها بمعزل عن الأجندات الغربية» يقول ناصر. وفي الداخل اللبناني: اتجاه إلى تمتين أواصر التواصل مع كل القوى اللبنانية من دون استثناء. ولهذا يتحضّر مجلس القيادة الجديد لإجراء مروحة لقاءات مع مختلف الأطراف المتخاصة، من «حزب الله» إلى «تيار المستقبل» (لقاء قيادي في الأسبوع المقبل). التقاطعات تجمع الاشتراكيين مع الفريقين الخصمين، ولهذا يفضل الحزب النأي بنفسه عن محاور 8 و14 آذار.

وفق ناصر، فإن العودة إلى خندق الرابع عشر من آّذار ليس طموحاً للقاعدة الاشتراكية، لأنها باتت مؤمنة بصوابية الخيار الوسطي الذي كرسّه جنبلاط... وعلى هذا الدرب سيستمر الحزب. وما الأداء بالابتعاد عن الاصطفافات السياسية في الانتخابات الطالبية للجامعة الأميركية، إلا نموذج سيحتذى به في الأيام القليلة المقبلة... حتى لو كان الثمن خسارة من النوع الذي يُهضَم.


Script executed in 0.039949893951416