أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

رحيـل فنـان النمـط البسيـط

السبت 26 تشرين الثاني , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,128 زائر

رحيـل فنـان النمـط البسيـط

تستحيل الكتابة عليه، من دون الإشارة إلى واقع النتاج السينمائي اللبناني أثناء الحرب الأهلية، لمشاركته الفعّالة في إضفاء منحى لبناني بحت على أفلام لا تزال عاجزة عن التحوّل إلى صناعة متكاملة. كريم أبو شقرا، الفنان المسرحي والكاتب الذي استعان بأدوات فنية شتّى لبلوغ جمهور مال إلى الضحك العفوي والعادي، أكاد أضيف المسطّح أحياناً، بات جزءاً من الارتباك اللبناني والالتباس الفني اللذين صنعا حكاية البلد ونتاجاته الفنية. 

ارتباك بين المسرح في ذروة تألّقه المنضوي في إطار الشانسونييه، والسينما التي شارك فيها منذ وصول مخرجين مصريين إلى بيروت نهاية الستينيات المنصرمة نفسها، شكّل كريم أبو شقرا حالة استفزّت مثقفين ونقّاداً، وجذبت مُشاهدين تحوّل بعضهم إلى روّاد أساسيين على صالات تعرض أعماله. بين المسرح والسينما، لم يتكبّد الراحل عناء تطوير اشتغاله التمثيلي، لاكتفائه بحضور راسخ في وجدان كثيرين، رافقوه من الشانسونييه إلى صالة السينما، أو ذهبوا إليه بإرادتهم، بحثاً عن لحظة صفاء واستقالة من وجع الخراب، وضجر الأيام والعمل. فهو، ببساطته وعفويته وجمال حضوره وسط الناس والمحبّين، حافظ على نسق واحد تقريباً في مقاربة الشخصيات وكتابتها، أو في معالجة المواضيع وتمثيل أدوارها. وهو، بوقوفه على الحافة الأخيرة للفن الجميل قبل انزلاقه (الفن الجميل) في متاهة التفريغ والتبسيط القاتلين، بدا كأنه الحارس الأمين لاختراع خاصّ به: جعل النكتة السياسية أو الجنسية أساس مسرح قائم على السخرية المرّة. 

لكن كريم أبو شقرا انزلق إلى فخّ النكتة السياسية أو الجنسية، الباهتة أحياناً كثيرة، في أعماله المسرحية، لأنه وجدها خير جاذب لأناس سئموا الخضوع لابتزاز السياسيين، أو لقواعد الأخلاق الحميدة، المضروبة أصلاً إما على أيدي رجال الحرب والموت والعنف، وإما بسبب الاهتراء الحاصل في جسد المدينة وروحها. أما السينما، فحالة مستقلّة بحدّ ذاتها، مع أنها لم تقدّم للراحل إضافات إبداعية، لأنها وُلدت من ثقافته المرتكزة على البساطة الجميلة، قبل وقوعها في المتداول حينها. في السينما، حاول أن يساهم في جعل الصورة المتحرّكة منفذاً للتسلية، أو سبيلاً إلى التنفيس عن الذات المُرهَقة. ربما لهذا لم يتبدّل ولم يسع لتغيير: شخصية الرجل المهووس بالنساء الجميلات، الواقع في مآزق يومية شتّى، والباحث الدائم عن خلاص منها بأية وسيلة ممكنة. ومع أن التجربة الأولى الخاطرة على البال إثر شيوع نبأ رحيله، متمثّلة بمشاركته في التمثيل ضمن فريق «سارق الملايين» (1968) للمصري نيازي مصطفى (تأليف عبد الحيّ أديب، حوار بهجت قمر)، إلاّ أن اشتغالاته السينمائية انحصرت في أفلام وقّعها سمير الغصيني (أكثر المخرجين اللبنانيين تحقيقاً للأفلام، إلى جانب محمد سلمان) ووئام الصعيدي، بالإضافة إلى تجربة «سورية» خاضها مع رفيق السبيعي في «شيطان الجزيرة» (1978).




المعادلة المرفوضة




قبل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1975، عاشت السينما في لبنان مرحلة إنتاجية غزيرة، ارتكز جزءٌ أساسي منها على أفكار مبسّطة ومواضيع مرتبطة بالأكشن والإغراء الجسدي والأغنية، لتسهيل عرضها التجاري. في تلك الفترة، لمع اسم سمير الغصيني، الذي خاض عراكاً طويلاً مع الواقع اللبناني العام، لإسرافه بإنجاز نمط واحد تقريباً من الصورة السينمائية. لكن سمير الغصيني ليس وحيداً. والمرحلة تطلّبت نتاجاً تجارياً بالمعنى الاستهلاكي للتعبير، امتدّ إلى أعوام الحرب نفسها، في مقابل صعود سينما بديلة وملتزمة وساعية لفهم الذات والعلاقات والواقع من منظار الإيديولوجيا والثقافة النضالية، غالباً. 

أعتقد أن كريم أبو شقرا لم تستهوه المعادلة تلك، القائمة على سينما ملتزمة قضايا الناس، أفراداً وجماعات. لم يشأ خوض غمار التجربة هذه لقناعة لديه مفادها أن الفن حكرٌ على اللهو والبساطة والتسلية. أن الفن نابعٌ من مفردات الحركة والتشويق والإغراء، في لحظة التخبّط اللبناني بين غليان المجتمع وانتشار الأفكار الثورية والنضالية، والمقدّمات الأولى للحرب الأهلية. وهي لحظة سابقة لاندلاع الحرب، في حين أن المنطق هذا ظلّ فاعلاً أثناء الحرب نفسها: لحظة تخبّط من نوع آخر، منعقد على ارتباك المسار الدموي والعنف اليومي، والحاجة إلى هواء مغاير.

كريم أبو شقرا جزء من اللعبة تلك. بساطته الشخصية في التعاطي مع الناس قابلت كسره الحاد تقاليد راسخة. والكَسْر، إذ شقّ طريقاً طويلة استفاد منها عاملون في الشانسونييه لاحقاً، تمثّل بجعل النكتة الجنسية تحديداً (أو الحركات الإغرائية والهوس بالنساء) فعلاً قابلاً للإضحاك والغمز من قنوات الجميع. في أفلامه، اختار أبو شقرا مواضيع اجتماعية غلّفها بقوالب كوميدية ضاحكة: الحب المبتور مثلاً، أو الصراع الزوجي، أو السرقات والعصابات، أو دور الشرطة في فرض الأمن. الأغنية حاضرة أيضاً، لأنها جزء من التسويق. وكريم أبو شقرا حاضرٌ أيضاً، لأنه جزء من حالة لبنانية محتاجة، فعلياً، إلى قراءة نقدية مستندة إلى مفردات علمي الاجتماع والنفس وإلى الدراسات الجمالية والفكرية، لفهم مكوّناتها ومنعطفاتها، ومتاهاتها أيضاً. أي أن المرحلة اللبنانية التي لمع كريم أبو شقرا فيها محتاجة إلى القراءة هذه، تماماً كالنتاج المتكامل الذي صنعه الراحل، والمنبثق من أعماق المرحلة المذكورة نفسها.


Script executed in 0.032123804092407