أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

السقوط في الهاوية

السبت 26 تشرين الثاني , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,270 زائر

السقوط في الهاوية

 وبعض المحققين الأجانب. علماً بأن ما أنجزه فرع المعلومات في شأن التحقيق الدولي، موجود بنسخه الأصلية عند من يهمه الأمر، ومعه آلية العمل وآلية الفبركة حيث تطلب الأمر، بما في ذلك الاستنتاجات السياسية القائمة على نظرية الدليل الظرفي. ولكي لا يُتعب أحد نفسه بالبحث عن الحقيقة، فإن جدول الأعمال الفعلي لمن يقف خلف المحكمة وخلف التحقيقات وخلف الاتهامات، انتقل إلى مستوى جديد، وبلاعبين جدد أيضاً.

الرئيس نجيب ميقاتي مصر على موقفه. رمى كرة النار أول من أمس، قاصداً أن تصل إلى حضن سوريا وحلفائها في لبنان. هو يأمل تراجع هذا الفريق على خلفية أن مصلحة سوريا وحزب الله بشكل رئيسي، ومن ثم التيار الوطني الحر والرئيس نبيه بري تكمن في عدم إسقاط حكومة الرئيس ميقاتي، لصعوبة تأليف غيرها. العماد ميشال عون مدّ يده إلى وسط الملعب وأقام حاجزاً لكرة النار. هو مستعد لاستقالة شاملة من الحكومة على خلفية فشلها في مواجهة الأزمات العامة للبنانيين. وفي الخلف منه، يقف حزب الله. لكن الحزب لا يرى في ما رماه ميقاتي كرة نار، بل يجد في الأمر نوعاً من الانتحار السياسي.

هناك فهم واضح، بأن رئيس الحكومة لا يمارس الآن لعبة حافة الهاوية. بل هو ألقى بنفسه مباشرة نحو الهاوية. رصيده لدى حزب الله والتيار الوطني الحر وسوريا يقرب مرتبة الصفر. أما لدى الفريق الآخر، فهناك رصيد من المطالب بالانتقام منه، ومعاقبته إلى يوم الدين على فعلته بأن قبل ترؤس حكومة قامت على أساس إبعاد سعد الحريري ومعه فريق 14 آذار عن الحكم. ليس في قاموس 14 آذار أي نوع من العفو. ثمة تسويات ممكنة مع أصحاب المواقع الطائفية النافذة، مثل وليد جنبلاط، الذي يتمنى اليوم لو تنشق الأرض وتبتلعه، بدل إخضاعه للامتحان الأقسى في تاريخه السياسي. يعرف وليد جنبلاط أنه رسب، وهذه المرة لا مجال للمساعدة، لا من الجمهور ولا من صديق، ولا من أقرب المقربين. ويمكن أن يكون الحل الأفضل عنده، تقريب موعد خروجه من رئاسة حزبه وطائفته وبالابتعاد سريعاً... مباشرة نحو نيويورك.

فريق 14 آذار له حساب مزدوج. سيكون قادته، كما جمهوره، في حالة سرور إن استقالت حكومة الرئيس ميقاتي. سيعدّون الأمر إنجازاً لهم. لكن سعد الحريري، على وجه الخصوص، كان يفضل أن يبقى ميقاتي على رأس حكومة لا تمويل المحكمة؛ لأنه كان يرغب كما هي حال جهات عربية وغربية، في أن يُستخدَم الأمر حجة لضغوط على مستويات عدة، بينها ما هو مستحب عنده، أي الضرب على رأس ميقاتي، سُنّياً وعربياً ودولياً. لكن لن يكون له ما يريد. بل سيكون مضطراً إلى أن يبتدع العبارات التي لا تعطي ميقاتي أي رصيد في حالة استقالته كرمى لعيون الحقيقة، وهو بدأ بذلك فعلاً.

لكن ما الذي يُعَدّ للبنان؟

لا شيء يختلف عن السيناريو المُعَدّ للمنطقة برمتها، ربطاً بما يجري إعداده ليل نهار لإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد بالقوة. الاستنفار غير المسبوق من كل العالم ضد سوريا، والصفاقة البارزة من دول عربية بائسة، ورائحة العنصرية والاستعمار التي تفوح من أنوف الغربيين، والاستعلاء الكريه الصادر عن الجانب التركي، كل ذلك يقود إلى نقطة واحدة: فصل جديد من المواجهة مع التيار الداعم للمقاومة.

لم يعد هناك اسم آخر لهذه المعركة. والخشية أن تضيع الروح الجميلة للثورات العربية تحت عربات الاستعمار الجديد. لكن مقابل هذا المستوى غير المسبوق من التصعيد والضغوط، كان تيار المقاومة من فلسطين إلى لبنان إلى سوريا إلى إيران يتصرف على أساس مقاومة حرب الاستنزاف التي يتعرض لها. كانت كل خطواته دفاعية، بل كان يضطر حتى الأمس القريب إلى المراوحة في مربع المستنفر لمواجهة التهديدات.

لكن، يبدو أن هناك من حسم الأمر. وتلوح في الأفق معالم الانتقال إلى مرحلة الدفاع بالهجوم، وهو ما يعني أن على الطرف الآخر تحسس أطرافه الأصلية أو تلك الممتدة إلى منطقتنا. باسم الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، أو باسم التجمع العربي المستجد بدل الجامعة العربية. وهذا يعني أن المنطقة مقبلة على مواجهات واضحة:

ـــــ في لبنان، لن يسمح تيار المقاومة وحلفاؤه بقيام حكومة يتولاها سعد الحريري أو أي أحد آخر من 14 آذار.

ـــــ في سوريا، ثمة استعداد لمرحلة من المواجهة الواسعة، داخلياً ومع دول الجوار، ضمن سياق مواجهة حرب التدخل الخارجية لإسقاط النظام، وسيكون الحكم هناك معذوراً في القيام بما يجب عليه القيام به ضد هذا الخارج القريب أو البعيد.

ـــــ وأبعد بقليل، سيكون العراق مسرح الوداع الحزين لقوات الاحتلال الأميركية، مع ما كل ما يتطلبه المشهد، من هروب غير مشرف للقوات الأميركية نفسها، إلى احتفالات انتصارية للجهة المقابلة.

ـــــ وفي إيران، ثمة استعداد لدور جديد في مواجهة المنطقة المقابلة. وسيشعر حكام دول الخليج بأن النار لا تقف في وجهها جدران فولاذية ولا قوات متعددة الجنسية. وما دام الجميع معجَبين هذه الأيام بالربيع العربي، فها هو يقترب من حيث لا يحتسبون.


Script executed in 0.032228946685791