أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الجيل الجديد لا يزال متمسّكاً بصورته: «الجحش»... حين يُؤنْسَن!

الجمعة 02 كانون الأول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,238 زائر

الجيل الجديد لا يزال متمسّكاً بصورته: «الجحش»... حين يُؤنْسَن!
ربى أبو عمو

لم يكتفِ الإنسان بالمصطلحات الإنسانية للتواصل والتعبير، كأنه في عطشٍ دائم إلى الاعتداء على ممتلكات الغير. هكذا، كان للمفردات الحيوانية حضور قوي في يومياته، بعدما تعايشا معاً فترات طويلة، وحفظ أحدهما خصائص الآخر. لكل حيوان وظيفته في النعت؛ فالكلب غير الحمار غير البغل غير التمساح... إلخ. ربما جمع بينها قصد الإهانة. يردد الصغار هذه الكلمات، فيفرح الأهل، كأن أولادهم امتلكوا سلاحاً دفاعياً وهجومياً في آن واحد في وجه الآخر. ويتحول الطفل إلى بطل حين ينتقل من إطلاق الصفات الحيوانية إلى السباب.

ماذا عن الجحش؟ جحش العيد، جحش الدولة، جحش الكيّ؟ من يكون هذا الحيوان الذي حملت أشياء كثيرة اسمه. هل يعرفه الناس كما يعرفون الكلب والحمار؟ ماذا عن مزاياه؟
لا داعي لإحصاء عدد الذين رأوا الجحش في لبنان. يمكن تقسيمهم إلى قسمين: أهالي القرى الذين لا بد أن يكونوا قد تعرفوا إليه، على عكس غالبية المدينيين، الذين يقول بعضهم: ربما رأيناه.
لغوياً، الجحش هو ابن الحمار. كأن الأب أورث معاناته الإنسانية إلى ابنه بحكم الطبيعة. غالباً ما يستعمل العامة من الناس لفظ الجحش لنعت الجاهل. لكن الاستعمالات لا تتوقف عند هذا الحد، وتختلف من بلد إلى آخر. يطلق لفظ الجحش على العوارض الخشبية التي تُرفع عليها الأسرّة، ولوح الكيّ الذي تستعمله ربات المنازل، و«السلّم» الذي يقف عليه المورّق لثقل الجدار. للجحش صغيره أيضاً. يسمّى الجحوش أو الجحّوش أو الجُحيش. يُعرف عنه تمسكه برأيه من دون مشاورة أحد، أي إنه أقرب إلى التيس باللغة الحيوانية. أما عبارة « تَجَحْشَن»، فيستخدمها الناس للقول إن أحدهم سلك سلوكاً خشناً أو أحمق.
يبحث الإنسان دائماً عن مشبّه به في محيطه لخلق صور مجازية. ويعد الجحش، حاله حال الحمار، حاضراً بقوة في مفردات المشرق العربي. يُقال مثلاً: «صداقة حمّارية أو حكّلي لحكلّك (مثل شعبي) في إشارة إلى الصداقة القائمة على تبادل المصالح». ويلفت أحد المتخصصين في الألسنيات إلى أن صورة الجحش المجازية باتت تستخدم اليوم من دون أن يعرف الشاب من يكون هذا الجحش. ربما لم يره قط. بصورة عامة، تستخدم لفظة الجحش لاستغباء الآخر أو الاستعلاء عليه. الأمثال الشعبية الخاصة بالحيوان والجحش كثيرة. «أيش (ماذا) معلّم الجحش أكل النعناع»، وهي مرادفة لـ «شو فهّم الحمار بأكل الزنجبيل؟»، بمعنى أن الحمار والجحش لا يقدّران قيمة الأشياء. يُقال أيضاً: «عجل آذار وجحش نيسان أحسن من الإنسان»، في إعلاء لقيمة الحيوان على الإنسان. يوجد المزيد : «ما بحطّ عن جحشته»، أي عنيد، لا يتراجع عن آرائه.
في فترة السبعينيات، كان يطلق على الترامواي جحش الدولة، لأنه يمشي على سكة لا يحيد عنها قيد أنملة من الحرج إلى المنارة. ثباتٌ في السير جعله يُنعت بالصبور والجلود، أي الجحش. أما جحش العيد، فهو اليوم الذي يلي آخر أيام العيد. معنىً مرادف للمثل الشعبي: «الخميس جحش الجمعة»، أي لا فرق بين اليومين.
كانت العودة إلى عالم الحيوان لانتقاء الصور المجازية أكثر ازدهاراً حين كان للحيوان دور أكبر في حياة الإنسان اليومية. اليوم، ذهب الدور، وبقيت الصورة. يستعيد الجيل الجديد جزئيات هذه الصورة، لكن دلالتها باتت محصورة بالعناد والحماقة والبلاهة وغلاظة الطبع. أما الشتيمة التي يقصدها الإنسان حين يطلق لفظة جحش على آخر، فتبدو أكبر من الجحش نفسه. فالابن أصغر حجماً من والده. لكن الصورة التي يتخيّلها الإنسان عن هذا الحيوان ترسمه بصورة أكبر مما هو عليه، ربما لثقل الأحرف التي تُكوّن اسمه.
ديانا ابنة البقاع. كيف لا تكون قد رأت الجحش. تتذكر هذه الفكرة جيداً: «حين ينام الحمار مع الحصان، يكون المولود جحشاً. من هنا جاء مصطلح جحّشني». ويمكن أن يفسّر هذا سبب وصف الرجل الذي يتزوج امرأة بعدما يطلقها زوجها ثلاث مرات، ليستطيع الأخير تزوجها مجدداً، بالجحش!
تتذكر ديانا راعياً كان يعمل في أرض جدها، يملك جحشاً. «أوقعني ذات مرة حين ركض رافضاً التوقف». لم تنته ذكريات ديانا مع الجحش. لا يزال أستاذ الفيزياء حاضراً في ذهنها. «كان جميلاً جداً، واعتاد تكرار كلمة جحش في الصف. نشأ جيل على هذه الكلمة». رغم أن «الجحش» كانت تبدو مضحكة على لسان أستاذها، إلا أنها تكره استخدامها وخصوصاً لبنت، علماً بأنها لا تخجل من إطلاق السباب.
سامر يستخدم الجحش بعفوية. ماذا تقصد حين تنعت أحدهم بالجحش؟ جوابه مقتضب: «ما تقوله الكلمة». ربما لا يدرك أن هذا اللفظ يستخدم للدلع أحياناً. ولا تبدو الصفات المرتبطة بصورة الجحش لديه واحدة. هو ابن الحمار في نهاية الأمر، وبالتالي هو غبي وبليد وحمّال... إلخ. أما الصبر، وهي صفة حسنة نسبياً، غالباً ما لا يقصدها مطلق هذا اللفظ الذي يركز على الإهانة، وإن بصورة فكاهية.
كغيرها من الألفاظ الحيوانية التي تحولت إلى صفات، يستخدم وائل «الجحش» أيضاً في مواقف الدردشة على الإنترنت. دخل الجحش إذاً عالم التكنولوجيا ولم يعد أسير ضيعته. البعض يضع على «الفايسبوك» صوراً لرجل مع جحشه، يرسلها لأحد أصدقائه سائلاً: «من تكون بين الاثنين؟».
«الجحش» ليس مهماً إلى هذه الدرجة. ربما لم يقحم نفسه في يوميات البشر، هم من أنسنوه من دون أن يفهموا حقيقة صفاته. وكأن مفردات اللغة ضاقت بهم.


أمثال شعبيّة

كثيرة هي الأمثال الشعبية التي تستخدم الجحش، وتختلف من بلد إلى آخر. يُقال في لبنان مثلاً: «جحش الضيعة بذاتو أفهم مني بعقلاتو، وأجحش من جحش الضيعة يلّي بيديِّن مصرياتو»، في إشارة إلى أن الغبي هو الذي يقرض ماله للآخرين. وما الأمثال إلا نتاج التجارب التي يمر بها الإنسان. هناك المزيد. يقول شخص لآخر: «حبني وخدلك جحش»، فيأتيه الجواب «المحبة ما بتصير دحش». الفلسطينيون أيضاً لديهم أمثالهم. يُقال مثلاً: «الحذر ثم الحذر من الأرملة وجحش النور والأرض المعلقة والمره المطلقة»، و«راح الجحش يجيب قرنين رجع مقطوش الأذنين». أما في حماه، فيقال: «عزموا الجحش على العرس، يا لحمل المي (الماء)، يا لحمل الحطب».

Script executed in 0.033083915710449