أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ميقاتي الذي ينأى بنفسه

الأحد 04 كانون الأول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,491 زائر

ميقاتي الذي ينأى بنفسه

 

أذكى ما فعله ميقاتي حتى اللحظة هو النأي عن أيّ.. وكل سجال. هكذا، ومذ كُلّف تشكيل الحكومة، كان أكثر ميلاً إلى الصمت، في مواجهة الهجوم الهائل لتيار المستقبل، وقوى 14 آذار. وفي باله، أن اللغو يوقع في الخطأ. وهو هجوم سرعان ما انضم إليه، لحسن حظ ميقاتي، العماد ميشال عون الذي يبدو أنه مستمر في تقديم هذه الخدمة المجانية لرجل ليس أفضل ما عنده من أن يتلقى النقد من خصمين إلى هذه الدرجة لدودين، حتى يُتّفق على أنه، في مكان ما، على حق في ما يفعل.

وحين لا يكلّ هؤلاء عن التهجم عليه، وحين لا يفقد هو قدرته الكبيرة على الصمت، تتراوح المعركة عليه بين حدي نميمة الحاسدين وصراخ المفترين، وكلا الحدين سيء على أصحابه، وكلاهما يزيد في جعل صورة ميقاتي أكثر بريقاً. وهو، في المقابل، لا يريد استعداء أحد، وليس مستعداً لأن يُستدرج إلى أي معركة، ليس لأنه جبان، بل لأنه ليس ممن يخوضون بالايدي والشتائم بل بعسل الكلام. ولأنه كذلك، فهو أسوأ أنواع الخصوم.

لا يبدو ميقاتي مُثقلاً بشيء، حتى بالمنصب الذي بلغه ثانية بصدفة التقاطعات، ويستمر فيه بالتقاطعات نفسها، ثابتاً على مواقف متحركة، مجبراً شركاءه في الإئتلاف الحاكم على أن يغيّروا، في المقابل، مواقفهم الثابتة، نائياًعن أن يكون حليفهم، ومحافظاً بذلك على قوته كشريك لهم ولغيرهم، وعلى حريته في فض هذه الشراكة متى ارتأى أنها لم تعد تعود عليه بالارباح، ومن دون أن يفسد للود قضية... بانتظار تقاطع جديد يعيده الى المركز الأحب الى قلبه.

وقد حافظ في الشكل أيضاً، على المسافة الفاصلة بينه وبين الضاحية الجنوبية كما بينه وبين دمشق. فلم نره لا في الاولى ولا في الثانية، أقله في الصورة، وفي باله دائماً أن هذه المسافة التي سيحسب عبورها عليه، قطعها برشاقة تامة، ومراراً، سلفه الزعيم الشاب الذي بات ميقاتي ورطة فعلية بالنسبة إليه.

ليس «الطعن بالظهر»، على ما يقول الرئيس سعد الحريري، هو ما جعل ميقاتي عدواً لا تغفر له خطيئة، بل خطره الأول، إن ليس على مقعد الزعامة، فعلى الكرسي الثالثة. وهو خطر على الحريري يؤكد احتماله نجاح ميقاتي في عمله حتى اللحظة. فالاستقرار الذي تمر فيه البلاد يرتبط بوجوده كرئيس حكومة لا ينفر منه أحد، من سوريا حتى الولايات المتحدة. فإذا نأى بلبنان عن أزمة النظام في سوريا، كما نأى به عن غضب المجتمع الدولي في حال عدم التمويل، فهو يقوم بدور «العاقل» الذي غالباً ما يكسب إذ يبتعد.

وميقاتي لا يتنازل، بل يتشدد في الحفاظ على حقوق طائفته، ويبقي لها ثقتها بذاتها كواحدة من الطوائف الكبرى التي ترتاح في انتمائها الطبيعي إلى الأكثرية في محيط لا تعاديه ولا يعاديها.

وميقاتي لا يقرب الميسر في أي حال، ولا يتكل على الحظ أصلاً، على انه لا يحب الألعاب الجماعية، بل يفضل اللعب منفرداً، مراكماً الأهداف والمكاسب الشخصية. وأولى تلك المكاسب الاسم النظيف الناصع الذي لا يمكن للطوائف والأطراف كلها أن تجد مآخذ جدية عليه، كما لا يمكن للدول ايضاً، وتمويل المحكمة كان، حتى اللحظة، أقسى امتحان لهذا الاسم، وقد سجل صاحبه نجاحاً مدويّاً جعل كل ما خرج عن «المستقبل»، وعن قوى 14 آذار من خلفه، كلاماً بلا أي معنى، يشبه لعثمة من وقع في أصعب إحراج في حياته. 

ولا شك أن «حزب الله» كما الجنرال ميشال عون، ضاعفا من نجاح ميقاتي، وهما يتراجعان عن موقف معلن وحازم، ولا لبس فيه من تمويل المحكمة، أمام إصراره من البداية على تمويلها. وقد اثبت بديهة تقول إن الصراخ يأتي بعد تسجيل الاهداف.. ولا يكون قبله، كما أثبت ان لبنان مجبول بالتسويات، ولأنه كذلك، لا يحتمل الا التسويات.

ورئيس الحكومة سيظل يراكم في تسجيل الاهداف، وهذا حقه، فإذا أتت تلك اللحظة التي لا بد فيها من انتهاء هذه الهدنة غير المعلنة في البلاد، وهي اللحظة التي قد يضطر فيها إلى دفع الثمن مما راكمه ومما سجله، فجميعنا يعلم ما الذي سيفعله نجيب ميقاتي حينها بنجيب ميقاتي.

وما يفعله بنفسه، هو دائماً من حقه.

Script executed in 0.19115400314331