أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هموم السرايا الحكوميّة

الإثنين 05 كانون الأول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,870 زائر

هموم السرايا الحكوميّة

لم يكد رئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، ينجح في تمويل المحكمة الدولية، ويتفادى طرفي النزاع اللبناني، حتى هبط الظلام على مدن البلاد وقراها ولفّ العاصمة. ذهبت التغذية الكهربائية بنصف طاقتها السابقة، فأصبحت المناطق تعيش على ساعات تغذية قليلة. كان يمكن رئيس حكومة في دولة أخرى أن يعيش أشهراً على مجد تحقيق مكسب كتمويل المحكمة، من دون دفع حزب الله والتيار الوطني الحر إلى القيام بثورة على السرايا، ومن دون السماح لقوى 14 آذار بالاحتفال بالحدث، بل على العكس، بإعلان مراسم حداد سياسية. لكن في لبنان، وحيث يجلس نجيب ميقاتي اليوم، عليك أن تفكر بالمصائب التالية، من الصغرى إلى الكبرى.
ثمة ما يجري في معمل توليد الطاقة في الزهراني، البعيد بضع مئات من الأمتار عن قصر الرئيس نبيه بري في المصيلح، وبين وزارة الطاقة، التي يرأسها اليوم صهر الجنرال ميشال عون جبران باسيل. شيء لم يفهمه باسيل إلى اللحظة ربما، أو فهمه وحاول تجاوزه، ولكن عبثاً، وعلى رئيس الحكومة أن يفكر بصيغة حل لمعضلة كهذه قبل أن تظلم العاصمة والبلاد أكثر مما هي مظلمة وتسودّ الدنيا في وجه الحكومة.
لكن هذا لا شيء. هذا أمر يمكن تجاوزه. الآن يجب العودة إلى ما هو أكثر جدية بقليل. ها هو الرئيس السابق فؤاد السنيورة لا يزال يلعب في ملعب دار الفتوى، بعدما ورّط مفتي الجمهورية بما لا طاقة للرجل على حمله. زار نجيب ميقاتي ليقول له إن الوقت قد حان للتخلص من المفتي وذبحه على مقصلة طهارة الكف، إلا أنه يمكن ساذجاً فقط أن يتخيل أن ميقاتي قد يوافق. ببساطة، فؤاد «أصعد الدب إلى المئذنة »، والآن إن رغب فؤاد بإنزاله، فعليه وحده القيام بذلك، على ما يفيد المثل الشهير.
ويأتي الوزير شربل نحاس بخطة جيدة لرفع الأجور (أو قل إنها جيدة إلى حد إجبار ميقاتي على القول إنها كذلك)، لكن ما الذي ستفعله بأصحاب المحاصصة الطائفية؟ كيف ستسحب موازنات وزاراتهم وتضعها مباشرة في ضمانات للمواطنين؟ إذاً، لا بد من تسيير الأمور كما اعتادت البلاد، شيء من هذا وكثير من ذاك. ولنعد إلى الهموم الأكبر.
أبعد من ذلك، ها هو الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، يلوّح بإصبعه مجدداً وهو يأتي على ذكر اسم نجيب ميقاتي. تمويل المحكمة أُقرّ بالسير بين النقاط. نصر الله قال سابقاً إن مجلس الوزراء مؤسسة ديموقراطية وتعتمد التصويت، وحينها رأى ميقاتي أنه يمكن أن يتغيب بضعة وزراء ويضمن هو الأكثرية للتمويل. ثم اقترح نصر الله تمويل المحكمة من خارج الموازنة، وبري غطى الأمر سياسياً، على أساس ألا يُقذَف ملف المحكمة إلى مجلس النواب، وترك الجانب التقني لميقاتي. ها هو الأمر قد نجح، لكنْ هناك رجلان على الأقل غاضبان: نصر الله وميشال عون.
هل يمكن إرضاء نصر الله عبر السير بملف شهود الزور؟ على الأرجح، لكن سعيد ميرزا الوارد اسمه على رأس المتهمين بهذا الملف، هو اليوم المدعي العام التمييزي، أي أن الملف يجب أن يمر عليه ليدّعي على نفسه، وقد يدين نفسه أيضاً. الحل قد يكون بالتعيينات، والتعيينات ترضي عون بكل الأحوال؛ لكن السير بالتعيينات هو ورشة تفكيك ألغام قائمة بذاتها.
إذا علم رئيس الجمهورية أن عون يرغب في اسم معين، فسيعترض، لا بل إذا علم رئيس الجمهورية أن عون موافق على مجيء اسم اقترحه الرئيس، فإن الرئيس سيبدل رأيه، والعكس صحيح. ثمة مقتلة صامتة بين الطرفين. شدة الودّ بين الرجلين يمكنها أن تطيح بلاداً. إذاً، لننتقل إلى الأكثر أهمية.
كيف سيكون ردّ فعل سوريا على موقف لبنان الملتزم قرارات جامعة الدول العربية والعقوبات على النظام السوري؟ لكن سبق أن دُرس ما يمكن أن يتأثر، وأوضح حاكم مصرف لبنان لرئيس الحكومة أنه لا شيء يتأثر عملياً، وكذلك على المستوى الاقتصادي، وأرسل وزير الخارجية إلى رئيس المجلس اللبناني السوري الأعلى في مهمة إيضاح موقف لبنان، الآن بانتظار تفهم سوري لموقف لبنان.
لو لم يقف لبنان إلى جانب تطبيق العقوبات، لشاهد ما تفعله الإمارات تجاه اللبنانيين، وخاصة الشيعة منهم. هناك ما يقارب نصف مليون من اللبنانيين العاملين في دول الخليج. نصف مليون يمكن تهديد البلاد بإعادتهم إلى ربوع الوطن، وتركهم عاطلين من العمل، إضافة إلى ما يقارب ثلث اليد العاملة اللبنانية العاطلة فعلياً من العمل.
حينها، يمكن ميقاتي أن يتخيل زيارات صباحية من هؤلاء النصف مليون لمحيط السرايا الحكومية، مطالبين بإعادتهم إلى دول الخليج أو إلى خط العمل المنتج. والبلاد أساساً لا تتطور؛ لأن نظام المحاصصة الطائفي (السالف الذكر والحسن الصيت) لا يسمح، تحت طائلة قطع الكهرباء والأرزاق والأعناق أيضاً. إذاً، لا بد من أخذ هذا الموقف، التزام العقوبات، وقبل انعقاد جلسة لمجلس الوزراء، ولنرَ ردّ الفعل. لكن بقي بيننا وبين دمشق الكهرباء؛ فنحن نشتري من سوريا الكهرباء، وندفع للدولة السورية مقابلها، وهذا أمر يسير؛ إذ يمكن تصنيفه ضمن الإنتاج أو التبادل الاستراتيجي والحيوي لحياة الشعبين.
لكن هذا أيضاً أمر سهل. الطامة الكبرى ليست هنا، الطامة الكبرى هي في ما يجري في سوريا، والسؤال الأصعب هو: «كيف ومتى؟». ولا أحد يعرف الإجابة، وإذا فاز المعارضون، فهم لن يكونوا رحومين تجاه كل الأطراف اللبنانية؛ فليس الوئام هو ما يسود تجاه قوى 14 آذار، ولا تجاه قوى الثامن منه، وفي حال استمرار الأزمة طويلاً، فإن القوات العسكرية المنشقة ستستخدم المناطق الحدودية في لبنان لأعمالها وتحركاتها، وصار لدى رئيس الحكومة ملف كبير، ولا يزال يتضخم عن التحركات الأمنية على المناطق الحدودية.
ولا يمكن طلب أي جواب واضح في هذا الشأن من الميقاتي؛ فإن سألت كيف سيكون التعامل لتحصين لبنان، فسيجيبك عن سؤال آخر، أو سؤال سابق طرحته، أو ببساطة قد ينبهك إلى أنه ليس عالماً بالغيب. البلاد والمنطقة والعالم تتغير، والأحداث سريعة. لكن لا جواب في لبنان عمّا ستصل إليه الأمور في سوريا، وكيفية «النأي بالنفس» عما يحصل في المحيط القريب.
يمكن ميقاتي أن يحاول الترفيه عن نفسه بحوارات سريعة على تويتر، لكنه هناك ينظر إلى سلفه سعد الحريري يتعامل بمنتهى الحكمة مع أمور مصيرية؛ فها هو يرشّح سمير جعجع لرئاسة الجمهورية، ويؤكد أنه لن يصوّت لبري في رئاسة البرلمان، ويشن هجوماً على حزب الله على خلفية تمويل المحكمة. هنا يمكن تخيل ميقاتي ضاحكاً وباكياً في آن واحد، وهو يعيد جملته الشهيرة: «هل تعتقد أن في حكم لبنان متعة؟».

Script executed in 0.19936490058899