أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

انتخابات مصر في جـولتها الأولى: الصناديق عكست استقطاب الساسة

الأربعاء 07 كانون الأول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,572 زائر

انتخابات مصر في جـولتها الأولى: الصناديق عكست استقطاب الساسة

 لكن عطلة نهاية الأسبوع في النادي هذه المرة خلت من الاسترخاء الذي حل محله التوتر. في كل ركن، وحول كل طاولة، الحوار يتمركز حول شيء واحد فقط: «كارثة» نتائج انتخابات المرحلة الأولى لمجلس الشعب التي جرت الأسبوع الماضي، وفاز فيها التيار الإسلامي بحوالى 60 في المئة من مجمل أصوات الناخبين. «سيلغون مدارس الأحد»، قال احد الجالسين وسط دائرة كبيرة من أعضاء النادي، فأجابه آخر «بل ستتحول إلى مدارس الجمعة». وأضاف ثالث أنه سيبني حمام سباحة في منزله وسيستقبل أصدقاءه هناك لأنه لن تكون هناك فرصة للسباحة العامة في مصر بعد اكتمال البرلمان. 

ولأن هذا الحي تقطنه نسبة كبيرة من الطبقة المتوسطة والعليا، وجاليات استوطنت مصر منذ عقود، لم يكن مستغرباً أن يصوت ناخبوه للمرشح الليبرالي أستاذ العلوم السياسية عمرو حمزاوي، الذي فاز بأكثر من نصف الأصوات وهزم منافسه محمد سعد من حزب الحرية والعدالة، الذي أسسه الإخوان المسلمون بعد الثورة. لكن لأن النظام الانتخابي الحالي مختلط، فإن الناخب المصري يصوّت في دائرته الانتخابية على قائمة حزبية واحدة، ومرشحين بالنظام الفردي. وبذلك، فاز حمزاوي، وهو مرشح فردي، لكن القائمة الحزبية التي حصدت اكبر عدد من الأصوات في هذه الدائرة - التي تضم ثلاثة أحياء بالإضافة إلى مصر الجديدة - كانت للحرية والعدالة. 

وتحولت الفرحة بفوز الرجل إلى رفض للنتائج التي خالفت آمالهم وحولتهم إلى أقلية لا تريد ما أرادته الغالبية. وبالرغم من أن الانتخابات المصرية لا تزال في أولى مراحلها الثلاث، يتعامل الكثيرون مع نتائجها على أنها مؤشر لما سيكون عليه أول برلمان بعد خلع حسني مبارك. 

وتشير النتائج الأولية للمرحلة الأولى، والتي تتباين أرقامها ونسبها من جهة إلى أخرى، إلى تقدم قوائم ومرشحي الحرية والعدالة بحوالى 35 في المئة، يليها تحالف أحزاب سلفية تحت «قائمة النور» في المركز الثاني بحوالى 23 في المئة. وفي المركز الثالث تحالف «الكتلة المصرية» الذي يضم حزبين ليبراليين مع حزب «التجمع» اليساري بنسبة 12,7 في المئة، ثم حزب الوفد الليبرالي 6,7 في المئة، فحزب الوسط، وهو إسلامي وسطي، بـ4 في المئة، وتحالف «الثورة مستمرة» الذي يتكون من مرشحين عن عدة ائتلافات ثورية واشتراكية ومستقلين بحوالى 3,2 في المئة. 

وبالرغم من أن تفوق حزب «الإخوان» لم يكن مفاجئاً، نظراً إلى تاريخ الجماعة الذي يعود إلى عام 1928، لأنها تعتبر اكبر القوى السياسية في مصر، وأكثرها تنظيماً، ولهذا فقد جاء رد فعل النخبة تجاه صعودها وكأنه أمر غير متوقع. وربما عزز هول الموقف صعود الأحزاب السلفية التي بلا تاريخ سياسي، والتي يتميز رموزها بتصريحات كثيرة عن «الحرام» و«الحلال»، ومنها ما هو صادم، إلى المركز الثاني مباشرة بعد «الإخوان». 

وبرغم مرور خمسة أيام على إعلان مؤشرات النتائج، فإن فوز «ذوي اللحى» لا يزال هو الحديث المسيطر على الإعلام وقطاع من المصريين. فاشتدت الحملة الدعائية لتحالف «الكتلة المصرية» بشكل لافت، وخصصت البرامج الحوارية المسائية، التي تتمتع بنسبة مشاهدة مرتفعة، حديثها للتعامل مع هذا الوضع، تارة باستضافة ممثلين عن الأحزاب السلفية وسؤالهم عن موقفهم من السياحة وملابس البحر والكحول والاختلاط والحجاب، ليجيب معظمهم بتحريمها جميعاً، وتارة خبراء غاضبين من اختيار الناخبين «الخاطئ» ثم وضع اللوم كله على معركة استمرت أشهراً طويلة حول كتابة «الدستور أولاً» أم إجراء «الانتخابات أولاً». 

ودفعت هذه الأجواء رسام الكاريكاتير الشهير مصطفى حسين إلى السخرية من الجدل الحاصل بأن نشر رسماً في جريدة «الأخبار» منذ أيام لرجل مصري بائس المنظر يقف مكبلاً بمشاكل مصر، مثل البطالة والفقر وشهداء الثورة وزيادة الأسعار، وهو يصرخ بأعلى صوته: «إلا البيكيني». 

وكما جرت انتخابات عام 2010 تحت حكم حسني مبارك في نفس التوقيت، حين بدت البلد منقسمة ما بين القلة المعنية بمكاسب انتخابات مزورة سلفاً ومصر التي لا تبالي، تبدو مصر الآن حائرة بين فريقين: ما تريده النخبة وما يريده باقي الشعب. 

ولأن الاستقطاب العلماني - الإسلامي مستمر أصلا منذ أشهر طويلة عندما انقسم الساسة حول كيفية الانتقال إلى حكم مدني، وهل يكون ذلك بإجراء انتخابات برلمانية أولا أم تعيين لجنة لكتابة الدستور أولاً (بالرغم من أن الأمر حسم فعلياً في استفتاء شعبي وافق على الانتخابات)، بدا الأمر بعد خروج النتائج وكأن مصر الثورة محكومة بالانقسام الذي يأخذ أشكالاً مختلفة، لكنه يفرق ولا يجمع. 

والجديد في الانقسام الحالي حول صعود الإسلاميين انه اخذ بعداً طبقياً. وتكرر على لسان متحدثين على المحطات التلفزيونية أو على مواقع التواصل الاجتماعي اتهام الناخب بالفقر والجهل لاختياره الإخوان والسلفيين. وفي هذه الأجواء وجدت تدوينة كتبها احدهم حول «جمهورية مصر الجديدة المستقبلة» رواجاً، بعدما طالب كاتبها ببناء سور برلين حول الحي الذي نجح في حسم معركة الليبرالي حمزاوي أمام الإخواني المنافس له. وأشار الكاتب إلى أن سكان الأحياء الراقية مثل «المعادي» و«الزمالك» مسموح لهم دخول الجمهورية الجديدة، وعلى باقي سكان مصر الحصول على تأشيرة. 

قد تبدو هذه مزحة، لكنها تعكس المزاج العام في أوساط طبقة من المصريين يصف كثرٌ ممن ينتمون إليها أنفسهم بالليبراليين. حتى أن حمزاوي - مرشح رئاسة جمهورية مصر الجديدة بحسب التدوينة - وجه نصيحة لليبراليين عبر احد المحطات التلفزيونية مؤخراً، بأن يكفوا عن «التعالي» واتهام المصريين بأنهم صوتوا بشكل «غير رشيد». 

ويصف وائل جمال، مدير تحرير صحيفة «الشروق»، هذا الخطاب المتعالي على اختيار المصريين، بأنه يأتي من ذات الشريحة التي تسيطر على كل شيء في مصر، وتعتبر أن همومها هي هموم البلد، وهم «لا يرون المصريين» أصلاً. 

ولكن إذا نحينا جانباً البعد الطبقي للغضبة النخبوية، يقول جمال لـ«السفير»، فإن هناك بالفعل ما يدعو البعض للقلق، تحديداً بالنسبة الأقباط الذين من حقهم الخوف من الأصوات الإسلامية الحمقاء، والتي تسبب ذعراً مبرراً. فتارة يقول احد القياديين السلفيين إن الديموقراطية حرام، ثم يخوض الانتخابات، وتارة يفتي آخر بضرورة تطبيق الحدود. وبالرغم من أن التيار السلفي لا يزال جديداً في العمل العام، كونه كان يعمل تحت الأرض قبل الثورة، وخريطة أحزابه وأفكارها ليست واضحة بما يكفي للحكم عليها بشكل كلي، فقد طغى نجاحهم الانتخابي على أمور أخرى لم يتوقف الإعلام عندها كثيراً. 

ويرى أيمن الصياد، رئيس تحرير مجلة «وجهات النظر» الثقافية، مثلا، أن فوز «الكتلة المصرية» بالمركز الثالث كان مفاجئاً، ذلك أن الأحزاب الرئيسية، ومنها «المصريون الأحرار» الذي أسسه رجل الأعمال الثري نجيب ساويرس، و«المصري الاجتماعي» الذي يضم رموزاً ليبرالية، كلاهما حديث النشأة شأن كل الأحزاب الجديدة التي تشكلت بعد الثورة ولم تحقق نجاحاً انتخابياً يذكر. ويفسر الصياد لـ«السفير» حصول الكتلة على 13 في المئة، وهو رقم كبير نسبياً، بأنه يأتي في اطار التصويت العقابي ضد التيار الإسلامي، وليس تأييداً لبرامج تلك الأحزاب. 

من جهته، يقول رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في «الأهرام» ضياء رشوان لـ«السفير» إن احد الأسباب المهمة التي دفعت بغالبية الأصوات لصالح التيار الإسلامي كان رد فعل على دعم الكنيسة القبطية لقائمة «تحالف الكتلة». 

ولكن لماذا حققت الأحزاب السلفية هذه النتيجة، علماً أنها لم تقدم خدمات اجتماعية أو صحية، مثل «الإخوان»، طوال العقود الماضية، ولا تتمتع بخبرتهم وقدرتهم التنظيمية التي يشيد بها ألد أعدائهم؟ بل وكانوا يعلنون أن الانتخابات والديموقراطية في حد ذاتها حرام شرعاً؟ يقول الصياد: «لا يفرق الكثيرون بين جماعة الإخوان المسلمين وحزبهم، الحرية والعدالة، وبين السلفيين برغم الفروقات الكبيرة بينهم. في نظر كثر، هم في النهاية، الجماعة السنية». 

ويضيف إن فوز التيار الإسلامى «طبيعي» لأن «الإخوان» يعملون منذ سنوات طويلة في الخدمات الاجتماعية والطبية وكذلك في مجال النقابات. ولأن غالبية الشعب المصري عانت من فساد نظام مبارك وشريحة المنتفعين من حوله، ليس مستغرباً كثيراً أن يفضل القطاع الأكبر الآن التيار الإسلامي لعله يكون أميناً»، أي «قد لا ينهبه كما فعل حكام مصر قبل الثورة». 

وبسبب هذا الاستقطاب، وجدت التيارات البعيدة عن الشحن القائم في الأساس على الهوية وليس على البرنامج السياسي خارج حسبة الناخب. ومن ابرز هؤلاء حزب «الوسط» الذي يتمتع بسمعة جيدة في الأوساط السياسية، وتحالف «الثورة مستمرة» برمزية اسمه المرتبط بالثورة ذاتها. وكلاهما معاً شكّلا فقط حوالى 6,2 في المئة من نتائج المرحلة الأولى. وبرغم سقوطه المدوي، لم يلتفت كثيرون إلى حزب الوفد، وهو الحزب العريق الذي شكل حكومات مهمة في عهد الملكية، والذي سبقته «الكتلة» بضعف الأصوات. 

وبرغم تركيز الإعلام على فوز حمزاوي بمقعده البرلماني بسهولة، فقد صعدت أيضاً أسماء ليبرالية مهمة، مثل الخبير الاقتصادي زياد بهاء الدين، الذي كان يرأس هيئة الرقابة المالية واستقال منها بعد الثورة، وعماد جاد الخبير في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في «الأهرام»، وزياد العليمي الذي كان عضواً في ائتلاف شباب الثورة، وكلهم على رؤوس قوائم «الكتلة» التي احتلت المركز الثالث، ما يعني ان مرشحاً واحداً على الأقل من رأس قوائم الكتلة الحالية سيدخل البرلمان طبقاً لنظام القائمة النسبية. كذلك فاز قبطي، هو أمين اسكندر، رئيس حزب «الكرامة» الناصري الاتجاه، ضمن قائمة الحرية والعدالة التي تضم ممثلين عن 11 حزباً سياسياً في تحالف واحد، ومن بينها «حزب الغد» الذي يرأسه المرشح الرئاسي أيمن نور.

Script executed in 0.033490180969238