فقد فوجئ رتل من الكوادر والعناصر باستدعائهم إلى بقعة معينة في محيط ملعب «الراية»، قبل ظهور «السيد» بدقائق.
وعلى الرغم من أن هؤلاء سبق وشارك معظمهم في حرب تموز 2006، ويتمتعون بمهارات أمنية ـ عسكرية عالية، وهناك ثقة بينهم وبين القيادة، إلا أن هذه العوامل لم تخوّلهم الاطلاع على سر اللحظة الأخيرة: «السيد سيطلّ من بين الجمهور».
كان هؤلاء قد تجمعوا في مراكز معينة في محيط الملعب قبيل انبلاج الفجر، متموضعين في نقاط أمنية تقتضي تأمين التدخل في حالات استثنائية، من شأنها استباق أي إشكال أمني، أو التدخل في حوادث أمنية دقيقة.
وإلى جانب تموضع هؤلاء، كان محيط ملعب الراية، والمناطق المحاذية كالحيّ الأبيض والرويس وحارة حريك وغيرها من الشوارع التي مرّت فيها المسيرة، تشهد مسحاً أمنياً دقيقاً: شبان يتفحصون مستوعبات النفايات، وآخرون يزرعون الطرق بأجهزة متطورة تكشف المتفجرات، وكلاب بوليسية عند مداخل البنايات.
وعند الساعة الثانية من فجر أول أمس، توزع رجال الأمن عند المداخل التي خصصت للمسيرة، فيما تمركز آخرون عند أسطح المباني كافة، القريبة من الملعب.. أو البعيدة.
ولمّا عرف بعض رجال الأمن الذين رافقوا «السيد» بالسرّ قبل دقائق من ظهوره، انتشروا بين الجمهور حاملين الأسلحة الرشاشة، وانتظروا خروجه ليرافقوه من اللحظات الأولى حتى انتهائه من الجولة السريعة.
وفي تلك الأثناء، وبينما كان «السيد» يسير بين الجمهور، والعناصر الأمنية ترصد من أسطح المباني، كل شاردة وواردة على الأرض، كان ثمة أمن على الأمن: ضباط يرتدون ثياباً مدنية يراقبون عناصر الأمن المولجين بحماية «السيد»، لحمايتهم وتوفير الدعم لهم.
وبينما كان عريف المنبر يعلن للجمهور أن «السيد» سيعود أدراجه، مكتفياً بالجولة المقتضبة بين الناس، تفاجأ الجمهور بأن «السيد» اعتلى المنصة بغتةً، ترافقه المجموعة الأمنية الخاصة بحمايته، علماً أن طائرات استطلاع العدو الإسرائيلي كانت تحلّق في أجواء الضاحية الجنوبية.
وبما أن المجموعة التي رافقته إلى المنصة مصنّفة في خانة أمن «السيد» الشخصي، وبالتالي تختلف صلاحياتها عن المجموعات القليلة التي واكبت «السيد» في جولته وعرفت بسرّ ظهوره فجأة، فإن عناصرها كانوا على اتصال مباشر مع القيادة الأمنية، التي حثتهم على الانسحاب، بعد دقائق من اعتلاء المنبر.
ولمّا انسحبت المجموعة، مشكلةً طوقاً أمنياً حول الأمين العام للحزب، سارت به بين الجمهور، ثم اختفت عن الأنظار وذابت كحبّات الملح في المياه، فيما كانت الشاشة العملاقة تستمر بعرض لقطات تظهر «السيد» سائراً بين الجموع الغفيرة.
وبعدما ذابت حبّات الملح، كان على «السيد» أن يخلع عباءته، ويستبدلها بعباءة أخرى، كإجراء أمني احترازي تجنباً لدمغها بمادة من شأنها تحديد مكان «السيد»، فيما كانت مهمة الأمن الإعلامي تنتهي عند لحظة «الأمر لي» من نوع آخر.