أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تحرير المازوت من الـ TVA

السبت 10 كانون الأول , 2011 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,173 زائر

تحرير المازوت من الـ TVA

كل سنة تُطلق صرخة لدعم المازوت. تُدفع عشرات المليارات من الخزينة العامة لدعم ميزانية الأُسر الفقيرة في المناطق الجبلية، وحيث يُستعمل المازوت للتدفئة. كل سنة يضلّ 80% من الدعم طريقه ويذهب إلى جيوب المنتفعين من «الزبائنية» المسيطرة. هذه السنة يقترح وزير الطاقة جبران باسيل إلغاء الضريبة على القيمة المضافة عن المازوت، كحلّ للهدر وإصلاح لفكرة الدعم

محمد وهبة

يناقش مجلس الوزراء في جلسته المقررة يوم الثلاثاء المقبل، اقتراح دعم المازوت، الذي أعدّه وزير الطاقة والمياه جبران باسيل. يتضمن الاقتراح إلغاء ضريبة القيمة المضافة عن المازوت لدعم سعر الصفيحة بعدما ارتفع سعرها إلى مستويات قياسية وقاسية على المستهلكين، وخصوصاً أولئك الذين يعيشون في المناطق الجبلية ويحتاجون إلى التدفئة بصورة مستمرّة لنحو 5 أشهر من السنة. سعر الصفيحة حالياً 30400 ليرة، ويتوقع أن ينخفض 300 ليرة في الأسبوع المقبل، و100 ليرة في الأسبوع الذي يليه، إلا أنه يبقى عبئاً كبيراً على الأسر التي تحتاج إلى التدفئة بمعدل 15 ألف ليرة يومياً.


المشكلة أن آليات الدعم «المجرّبة» لا تخلو من هدر للمال العام، فضلاً عن أن الدعم لا يصل الى المستهدفين به، بل الى خزّانات التجّار ومدافئ شاليهات الأغنياء، فما هي مقوّمات الدعم المتاحة، وكيف يحصل الهدر؟ هل تنجح آلية الغاء الضريبة على القيمة المضافة؟

يقول باسيل في الاقتراح الذي رفعه إلى مجلس الوزراء والمتعلق بدعم المازوت، إن الدعم المباشر لمادة المازوت، أي استيراد الدولة للكميات وتوزيعها بأسعار مدعومة، «أصبح يمثل تجارة موسمية يستفيد منها التجار، ويحرم المواطنيين المعنيين أساساً بقرار الدعم، وهم تحديداً قاطنو المناطق الجبلية والبعيدة عن الساحل». ثم يؤكد باسيل أن التجار يعملون على «خلق أزمة تتمثّل في عدم توافر مادة المازوت وتخزينها وعدم عرضها للمواطنين بالأسعار المدعومة، بل بأسعار السوق السوداء، فيقع المواطن بين سندان فقدان المادة ومطرقة الأسعار المرتفعة».

ويشير باسيل إلى أن التجار المحتكرين يعمدون إلى بيع المادة المدعومة في المناطق الأقرب لمستودعات التخزين، تفادياً لدفع كلفة النقل المرتفعة إلى المناطق البعيدة، إلا إذا أمّنوا سوقاً بأسعار مرتفعة جداً تلغي الدعم فعلياً.

كل جهود أجهزة الدولة لم تفض إلى «قمع هذه الممارسات» يقول باسيل. لذلك تقدّم باقتراحين: تقديم مساعدة إلى قاطني المناطق الجبلية والنائية من خلال الغاء أو خفض فواتيرهم الكهربائية، أي دعماً مباشراً لهم من دون تسييس أو تمييز أو انتقائية، علماً بأنه حلّ يصعب تطبيقه على الأرض. أما الاقتراح الثاني، فيتضمن «السير بإلغاء الضريبة على القيمة المضافة عن المازوت».

إذاً، لم يجد باسيل سوى آلية الدعم هذه، للتأكد من أن الدعم سيطاول الفئات المستهدفة، التي تحتاج إليه، وللتأكد أيضاً من أن هذا الدعم لن يتضمن هدراً واسعاً للمال العام. فهو يحبّذ الاقتراح الثاني، لأن إلغاء الضريبة على القيمة المضافة يحقق هذا الهدف، طالما أن الوسائل الأخرى التي اعتُمدت سابقاً كانت تنطوي على هدر كبير، ولأن هذا الإلغاء «لا يفيد سوى صغار المستهلكين، أي الشريحة المعنية بالدعم، ولكون كبار المستهلكين (مصانع ومؤسسات) يسترجعون أساساً مبالغ الضريبة على القيمة المضافة المدفوعة من قبلهم».

ووفق المطلعين، فإن هذا الاقتراح يأتي مبنياً على الخلاصة التي توصلت إليها الوزارة من خلال دراسة آليات الدعم وكلفتها على مدى السنوات الماضية. في تلك الفترة، كانت مديرية منشآت النفط تتولى استيراد المازوت وتوزيعه، وقد توصل مدير منشآت النفط سركيس حليس، إلى نتائج مفادها أن دعم سعر الصفيحة من خلال دعم عمليات الاستيراد وتوزيع المازوت بواسطة منشآت النفط، كان يذهب إلى أربعة أطراف أساسية وبصورة متدرجة زمنياً لتصبح الأسر اللبنانية آخر المستفيدين، رغم أن الدعم يجب أن ينحصر فيها وحدها. خلاصة هذه الدراسات والنقاشات والتقارير المتعلقة بدعم المازوت، تُظهر أن كل عمليات دعم المازوت تتحوّل، من دون أدنى شكّ، وفي جزء كبير منها، إلى هدر للمال العام على النحو الآتي:

ــ أول المستفيدين من عمليات الدعم هم أصحاب المولّدات الكهربائية الخاصة، فهؤلاء يحصلون على 30% من الكميات المدعومة، ويستعملونها لتوليد طاقة تباع بأسعار تجارية وتحقّق أرباحاً كبيرة لأصحاب المولدات على حساب المال العام.

ــ ثاني المستفيدين هم أصحاب المؤسسات الكبرى في لبنان، التي تستعمل المازوت المدعوم لتوليد الطاقة. كان يستفيد من هذا الدعم أصحاب الفنادق، والمطاعم والمؤسسات التي تستهلك هذا النوع من المحروقات، وإلى المصانع... وحصّتهم من الكميات المدعومة كانت تصل إلى 30%.

ــ 20% من الكميات المدعومة تذهب إلى الخزانات، أي إن ثالث المستفيدين هم تجار المازوت، الذين يتألفون من تجار صغار، مثل المحطات، وبعض الوسطاء التجاريين، وكبار التجار، إضافة إلى سياسيين وشخصيات يبحثون على نحو دائم عن «بزنس سياسي». من أجل استعمالها لاحقاً والاستفادة من الأسعار المدعومة لتحقيق أرباح كبيرة خلال الأيام العادية حين يكون سعر الصفيحة غير مدعوم.

ــ 20% من الكميات المدعومة كانت تذهب إلى الفئة الرابعة من المستفيدين، وهم الأسر اللبنانية التي تحتاج إلى شراء مازوت للتدفئة، ولا سيما قاطني الأماكن الجبلية.

هذه الوقائع تؤكد أن إلغاء ضريبة القيمة المضافة عن المازوت نهائياً هي بمثابة دعم لا تستفيد منه الفئات التي ليست بحاجة إلى الدعم. أما في حال إبقاء هذه الضريبة وإبقاء الدعم المباشر، فإن بعض هذه الفئات تحديداً، أي أصحاب المؤسسات والمصانع الكبرى والتجار، يمكنهم استرداد ضريبة القيمة المضافة، والاستفادة من الدعم المباشر أيضاً.

يؤيد باسيل إلغاء هذا الرسم عن الصفيحة بصورة نهائية، ولا سيما أنه طرح يتلاقى مع ما طُرح في لجنة الأشغال العامة النيابية لجهة اعتبار المازوت سلعة أساسية وحيوية لها أثر مباشر في حياة المواطن اليومية، ولذلك يجب الغاء الـTVA عنها. في جميع الأحوال، فإن الإلغاء النهائي يتطلب إقرار قانون في مجلس النواب، لكن السؤال يبقى: هل الدعم بقيمة مماثلة لعائدات الـTVA من المازوت سيكون كافياً؟


30.7 مليون دولار


هي كلفة الدعم التقديرية لسعر مادة المازوت إذا أقر إلغاء ضريبة القيمة المضافة خلال 3 أشهر تمتدّ من كانون الأول 2011 حتى شباط 2012، أي بمعدل شهري يبلغ 10.250 ملايين دولار، أي إن الدعم سيكون بمعدل 13 دولاراً شهرياً لكل أسرة مقيمة في لبنان

زبائنية سياسية

مع بداية كل فصل شتاء، ترد إلى مدير منشآت النفط سركيس حليس (الصورة) شكاوى عديدة عن انقطاع مادة المازوت في مناطق معينة، فيعمد إلى معالجتها عبر إغراق السوق بكميات يعلم الجميع أن قسماً منها يذهب هدراً، لكن ما لا يمكن معالجته يتعلق بالزبائنية السياسية الساعية إلى الكسب غير الشرعي. فلماذا لا يتذكر كثير من النواب أن منطقتهم بحاجة إلى المازوت المدعوم إلا في بداية الشتاء، ألا يعلمون جميعاً أن الوقت الأفضل لإعداد وإقرار آليات الدعم هو المبادرة قبل اندلاع الأزمة في فصل الشتاء، اي عندما يزداد الطلب على المازوت الأحمر للتدفئة؟


Script executed in 0.039474964141846