أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

جمعيات «العقود المشتركة» تتجهّز لاشتباك مع وزارة «الشؤون»

الأربعاء 14 كانون الأول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,191 زائر

جمعيات «العقود المشتركة» تتجهّز لاشتباك مع وزارة «الشؤون»

قال رئيس الجمعية لـ«المرجع الرعائي»: «انتبهوا، فوزارة الشؤون بدها تدقّ فيكم أيضاً». ضحك «المرجع الرعائي»، وقال لضيفه: «ما بيقدروا يلغوا عقد رعاية واحد من مؤسستنا».

وللتوضيح، فإن حصة الجمعيات الرعائية تبلغ نسبه سبعين في المئة من مجموع موازنة وزارة الشؤون الاجتماعية، وهي موزعة على جمعيات تنتمي إلى الطوائف والمذاهب، تصل حصة البعض منها إلى 12 مليار ليرة في السنة.

في المقابل، لا يتمكن مفتشٌ واحد من وزارة الشؤون، من الدخول إلى العديد من تلك المؤسسات للوقوف على نوعية الخدمات التي تقدمها، بمساهمة الوزارة.

وعلى الرغم من أن مستحقات جمعيات المؤسسات الرعائية «تبتلع» وزارة الشؤون، وتحولها إلى «صندوق بريد تمويلي» ما بين الدولة والقطاع الرعائي، فإن المشكلة حصلت على مستوى الجمعيات الأقل استهلاكاً لموازنة الوزارة، وهي «جمعيات العقود المشتركة» التي تصل حصتها إلى تسعة مليارات ليرة لبنانية في العام، أي أقل من حصة جمعية رعائية كبيرة واحدة.موجبات «فتح الاشتباك»يقوم العقد المشترك على تمويل «الشؤون» المشروع بنسبة سبعين في المئة نقداً من قيمته، فيما تساهم الجمعية عينياً بالنسبة المتبقية، أي نسبة الثلاثين في المئة، من بينها عشرة في المئة نقداً.

يبلغ عدد الجمعيات العاملة بموجب عقود مشتركة مع وزارة الشؤون، وهي غير الجمعيات الرعائية، أي إن الوزارة تساهم بتمويل بعض المشاريع فيها، 230 جمعية أهلية ومؤسسة دينية، «لم تقبض قيمة عقودها المشتركة منذ العام 2006، فيما تقتصر دفعات الوزارة، طوال ست سنوات، على رواتب العاملين في المشاريع، والبالغ عديدهم حوالى أربعمئة عامل»، وفق ما أكد رئيس «الاتحاد الوطني للجمعيات الأهلية المتعاقدة مع وزارة الشؤون الاجتماعية» ورئيس «جمعية تنظيم الأسرة» توفيق عسيران لـ«السفير».

وعلى الرغم من أن مشكلة جمعيات العقود المشتركة مع وزارة الشؤون قد بدأت في العام 1998، ومن ثم تفاقمت في العام 2006، إلاّ أن قراراً اتخذ بفتح الملف في المؤتمر الأول الذي ينظمه اتحاد الجمعيات يوم الخميس المقبل، برعاية رئيس الجمهورية، في قصر الأونيسكو، تحت عنوان: «وحدتنا وتعاضدنا وسيلتنا إلى عطاء متواصل»، في ما يبدو أنه «فتح اشتباك» مع وزارة الشؤون، أكثر منه مع وزيرها وائل أبو فاعور. فيقول عسيران إن «لمسؤولية لا تقع على الوزير أبو فاعور إلا بما تعنيه استمرارية العمل في الوزارة، إذ إن مسؤولية الملف تقع على عاتق الوزراء المتعاقبين جميعاً، كما على الجمعيات التي تأخرت في التصدّي لتغيير نمط عقودها مع الوزارة ونزع المرونة عنها وإخضاعها لبيروقراطية تمكنت من شلّ جزء كبير من حركتها».

قبل الخوض في تفاصيل «الاشتباك» ما بين جمعيات العقود المشتركة وبين وزارة الشؤون، يمكن القول إن بعض الجمعيات الجدية والفاعلة تؤخذ بجريرة جمعيات موجودة على الورق فقط. وهنا، يعترف عسيران بوجود جمعيات أهلية غير فاعلة، لديها عقود مع وزارة الشؤون، ولكنه يرى أن «التدقيق في فاعليتها وجديتها ومدى أهليتها لتجديد عقودها من عدمه، يقع على عاتق وزارة الشؤون نفسها». ويؤكد عسيران «عدم وجوب حجب حقوق ومستحقات جمعيات لها دورها في مساندة المجتمع، وفي خلق التكامل مع الدولة في دعم الفئات المهمشة، بسبب جمعية وهمية أو غير فاعلة، هنا أو هناك».جذور المشكلةيبيّن التدقيق في نوعية المشاريع التي تنفذها الجمعيات بموجب العقود المشتركة مع وزارة الشؤون، وجود 147 مركزاً صحياً واجتماعياً في كل لبنان، على سبيل المثال لا الحصر، (بينها 58 في جبل لبنان و27 في الشمال و21 في الجنوب و10 في النبطية و18 في البقاع وبعلبك الهرمل)، بينما تشير المعطيات الإحصائية إلى عدم قدرة نسبة خمسين في المئة من اللبنانيين على النفاذ إلى الخدمات الصحية. وتطرح تلك المعطيات سؤالاً جدياً حول مدى فعالية بعض هذه المشاريع وجديتها، وحول الجهة المسؤولة عن عدم مراقبة آليات التنفيذ؟ خصوصاً أن التحاصص الطائفي والمذهبي عينه، ينسحب على جمعيات العقود المشتركة، كما على المؤسسات الرعائية في الغالبية الساحقة من هذه الجمعيات.

وتعود آلية العمل، وفق العقود المشتركة ما بين الجمعيات الأهلية والدولة، إلى ما قبل إنشاء وزارة الشؤون في جمهورية ما بعد الطائف. فمنذ أكثر من خمسين سنة، بدأ تنفيذ مشاريع مشتركة ما بين الجمعيات والدولة، عبر «مصلحة الإنعاش الاجتماعي». وبقي الأمر على حاله لغاية العام 1998، يوم ارتأت الحكومة اتباع سياسة تقشف في النفقات، فاختارت جمعيات العقود المشتركة، كون «التصدّي» لها أقل كلفة من التصدّي للمؤسسات الرعائية المضبوطة بإيقاع الصف الأول من المرجعيات الدينية في البلاد.

وهكذا، قلّصت وزارة الشؤون في العام 1998 حصّة جمعيات العقود المشتركة من عشرة مليارات ليرة لبنانية إلى ستة مليارات، وحاولت إلغاء بعض العقود بالاستناد إلى وجود جمعيات «وهمية»، حسب ما قال وزير الشؤون الاجتماعية يومها ماريو عون.«لماذا لا يُحاسب الموقعون على التقييم؟»يقول عسيران إن تجديد العقود مع الجمعيات يتم بناء على تقييم دوري للأنشطة السنوية للجمعية المتعاقدة مع «الشؤون»، مشيراً إلى أن «أكثر من مسؤول في الوزارة يشترك في التوقيع على هذا التقييم»، ليسأل: «إذا كانت بعض الجمعيات غير مؤهلة لتجديد عقودها، فلماذا يتم التجديد؟ ولماذا لا تتم محاسبة الموقعين على التقييم؟».

ويؤكد عسيران أن «جمعيات العقود المشتركة لم تتمكن من تقديم أي مشاريع للتنفيذ خلال عامي 2010 و2011، بسبب تأخر تصديق وزير الشؤون يومها على العقود لغاية تشرين الثاني، بدلاً من شباط أو آذار كأقصى حد، ومع ذلك، يأخذون على الجمعيات تأخرها كإحدى نقاط ضعفها».

ويعود عسيران إلى العام 1998، حين ألزمت الجمعيات بدفع مساهمات نقدية في مشاريع العقود المشتركة، ليصف الخطوة بـ«غير المنطقية»، مشيراً إلى إلزام أعضاء الهيئة الإدارية للجمعيات بتقديم سجلات عدلية وإخراجات قيد، «ما يشكل موقفاً غير مسبوق تجاه القطاع، وكأن الجمعيات تستلهم وظيفة ولا تبادر إلى شراكة مبنية على الثقة والاحترام».

ويرفض عسيران تحميل الجمعيات «بدلات الإيجارات للأمكنة التي تنفذ فيها المشاريع، والتي كانت تدفع من مخصصات وزارة الشؤون»، معتبراً أن ذلك «نتج عن تفسير خاطئ لقرار مجلس الوزراء المتعلق بالموضوع».

وتوقف عسيران عند معايير جودة الخدمات التي أقرّت في العام 2011، ليشير إلى أن «الوزير سليم الصايغ حذف السلبيات المتعلقة بأداء الوزارة، وأبقى على تلك التي تخص الجمعيات». ومع ذلك، يرحب القطاع بالمعايير «شرط أن تساهم الوزارة بحصتها من توفير البيئة المناسبة لتطبيقها، إذ لا يمكن لجمعية أن توظف عناصر شابة وفاعلة في ظل قرار منع التوظيف، كما لا يمكنها العمل على الانترنت بينما الوزارة ترفض دفع كلفة الاشتراك فيها». وبعدما يطالب عسيران بمستحقات الجمعيات المتراكمة لدى «الشؤون» منذ العام 2006، يؤكد ضرورة عدم الانحراف عن فلسفة العقود الأساسية، محملاً الطرفين المتعاقدين المسؤولية، «ومعهما وزارة المالية وبعض مؤسسات الرقابة». ويطالب عسيران بإنجاز «دراسة متأنية وواقعية ومسؤولة تسهم في عودة الأمور إلى نقاوتها، وترتقي بالشراكة إلى مستوى طموح المجتمع الدولي الذي ينص على شراكة المنظمات غير الحكومية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية»، داعياً إلى «عدم استمرار الوضع على ما هو عليه».


Script executed in 0.031689882278442