والمناوشات التي دارت بين الجيش اللبناني والجيش الاسرائيلي وصولا الى المواجهة البطولية في قرية عديسة في شهر آب من العام الماضي.
تتبدى دقة المرحلة عبر الاحداث المتتالية المقلقة في الجنوب، وتحديدا منذ الربيع الماضي، وإذا كانت قوات «اليونيفيل» قد تعرضت لاحداث دموية في السنوات الماضية، بقيت مجهولة المصدر، باستثناء بيانات على الانترنت لتنظيمات سلفية وجهادية ما زالت غامضة، فإنه من المفيد التذكير بأن الاحداث الاخيرة التي استهدفت القوات الدولية قد تلت واحدة من اهدأ الفترات في الجنوب، وتحديدا منذ تاريخ قدوم القوات الدولية المعززة، أي «اليونيفيل»، في العام 2006.
لم تكن احداث السنوات الماضية لتشكل قلقا بالنسبة الى الحريصين على الاستقرار في الجنوب، على ان اوساطا دبلوماسية تدعو الى التوقف مليا عند الاحداث الاخيرة، اذ انه في فترة قياسية زمنيا (أقل من شهر واحد)، حصلت عمليتا التفجير في مدينة صور وتم استهداف قوات «اليونيفيل» قرب البرج الشمالي وسجلت عمليتا اطلاق صواريخ باتجاه الاراضي الفلسطينية المحتلة وباتجاه بلدة حولا الحدودية المحررة (...). ومرد خطورة ما يحدث لكون استهداف «اليونيفيل»، وخاصة القوات الفرنسية، يأتي في لحظة اقليمية صعبة في ظل «الكباش» الحاد بين اللاعبين الاقليميين ورعاتهم الدوليين، بينما يتخوف الجميع مما هو آت، خاصة في حال اهتزاز الوضع في سوريا في ظل الهجمة الاقليمية والدولية الشرسة عليها.
وتخشى أوساط اقليمية من تحول الجنوب اللبناني الى «صندوق بريد» يبعث من خلاله المتصارعون بالرسائل على حساب الاستقرار في لبنان والمنطقة. وتشدد على هذا الصعيد على ان هذا الاستقرار لا يتخذ لنفسه «عنوانا لبنانيا»، بل ان ثمة قوى دولية واقليمية منخرطة بشدة في هذا الواقع. وتُذكر هنا بأن «اليونيفيل» تمثل دولا عدة بينها دول في «حلف الاطلسي»، موجودة على الارض الجنوبية، وهناك البعد الاسرائيلي، كما هناك لاعبون اقليميون على رأسهم سوريا وايران، اضافة الى اللاعب الاهم على الارض اللبنانية ألا وهو «حزب الله» من دون اغفال ما تختزله المخيمات الفلسطينية سواء في صيدا أو في كل منطقة جنوب الليطاني من تناقضات الساحة الفلسطينية، بما فيها تلك المشرعة على مواقع أصولية وسلفية واستخباراتية.
والحال ان الاتهامات لبعض وحدات «اليونيفيل» بحصر عملها بالتضييق على المقاومة، ليست بجديدة، وقد ادى «تجاوز» تلك القوات عملها في بعض الاحيان الى الاصطدام مع اهالي الجنوب في اكثر من منطقة، ومثال ذلك ما حدث في بلدة تولين، وأفضى ذلك الى تراجع عمل القوات الفرنسية لتشكل مجرد قوات تدخل تحت امرة القائد العام لـ«اليونيفيل» ورئيس الأركان (الفرنسي)، مع تراجع عديدها الى 1300 عنصر بعد ان بلغ في وقت سابق ألفي عنصر حين كانت تشكل القوة الاكبر في «اليونيفيل» بعد القوات الايطالية (التي اختصرت عديدها ايضا قبل اشهر لكن لعوامل اقتصادية وسياسية وحل محلها الايرلنديون). كما ان القوات الفرنسية باتت تحصر وجودها في مقرها في منطقة دير كيفا، وقد حدّت انتشارها وتوسعها ودورياتها بشكل كبير. ومثال على الحذر الذي بلغته تلك القوات انها قد اجرت اعادة هيكلة شاملة وصلت الى حد الاستغناء عن دباباتها الشهيرة «لوكلير» التي كانت تستفز الاهالي بشكل كبير لدى قيامها بدورياتها بين القرى.
يدرك الفرنسيون ان مناطق عملهم تختصر صراعات تاريخية وتختزل حساسيات عميقة، وبينما ينخرط نيكولا ساركوزي بشكل كبير في التغييرات الكبيرة والجذرية منذ بدء عهد الثورات في العالم العربي، «فإنهم بالطبع يدركون ان مصالحهم في لبنان هي مصالح استراتيجية وأي تفريط بها يمكن أن يؤدي الى انحسار النفوذ الفرنسي ليس في لبنان بل في كل منطقة المشرق، الا اذا كان هناك من يتوهم في الادارة الفرنسية أن سوريا يمكن أن تشكل بدل ضائع عن لبنان في المستقبل القريب أو البعيد» يقول أحد المتابعين للموقف الفرنسي، مشيرا الى أن ساركوزي «يدرك ان انخراطه في لعبة اسقاط النظام السوري لن يمر من دون مواجهة»، وان باريس «ستدفع ثمن لعبها في استقرار المنطقة التي ستهتز كلها في حال العبث بالواقع السوري».
وثمة نقاشات بين المؤسستين السياسية والعسكرية في فرنسا عن جدوى سياسة باريس في المنطقة وماهية نتائجها. وقد سمعت قيادات لبنانية زارت فرنسا قبل فترة تلميحا فرنسيا حول امكان إعادة تموضع قواتها في الجنوب وصولا الى خفض العدد لا بل سحبها نهائيا إذا لزم الأمر، حتى ان البعض يشير إلى أن «المراجعة الاستراتيجية» الجارية حاليا في إطار قسم عمليات حفظ السلام في نيويورك بحضور خبراء فرنسيين وغربيين وبالتنسيق مع البعثة اللبنانية وقيادة الجيش اللبناني تجريها باريس قد تفضي الى اتخاذ قرار فرنسي استثنائي في شتاء العام المقبل بالنسبة إلى موضوع المشاركة.
ويقول مطلعون على «المراجعة الاستراتيجية» التي استوجبت ارسـال فريق تقييـمي من نيـويورك الى بيروت أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، «متمسـك بتنفيذ القرار 1701 بكامل منـدرجاته، كما أن ثمة أهمية كبـيرة تعلق على التوصل الى حلول سـياسية في المنطقة ما من شأنه ان يثبت الاستقرار في الجنوب».
على الصعيد اللبناني، ثمة أسئلة أساسية لا اجابة دولية عنها حتى اليوم تتعلق «باستحقاق أساسي»: هل بإمكان الجيش اللبناني تحمل أي مسؤولية إضافية في ضوء دعوة الفرنسيين الى مراجعة تفضي الى اعطاء دور أكبر للقوات المـسلحة اللــبنانية مَهـمات وعددا وانتشارا وصولا الى وضع خطة لتسليم متدرج لكل منطقة جنوب الليطاني للجيش اللبناني؟
هذه المطالبة الفرنسية لا تلقى ترحيبا لدى أوساط دولية ولبنانية بما في ذلك لدى المؤسسة العسكرية اللبنانية، «فما دام القرار 1701 لم ينفذ بحذافيره وما زلنا حتى الآن أسرى وقف الأعمال القتالية ولم نتوصل الى وقف اطلاق نار ولا الى حل قضية الغجر ولا مزارع شبعا ولا الى انجاز ترسيم الخط الحدودي ووقف الخروقات، وما دام لا يوجد أفق للحلول السياسية في المنطقة، فإن المس بواقع «اليونيفيل» من شأنه ان يترك تداعيات غير محمودة العواقب».
تطرح المقاربة الفرنسية للدور المستقبلي للجيش اللبناني اسئلة حول الضغوط الدولية والاقليمية والداخلية التي تتعرض لها المؤسسة العسكرية اللبنانية للعب دور في ضبط الأمن الداخلي وتنفيذ أوسع انتشار على طول الحدود الشرقية والشمالية (منذ الاستقلال) وحول المخميات الفلسطينية ونقاط الاشتباك الداخلية في الشمال والعاصمة والبقاع والجبل، وتأمين الحماية للقوات الدولية، فضلا عن المساهمة باخماد الحرائق وملاحقة الفارين والمطلوبين والمتورطين بأعمال خطف (مثل قضية الأستونيين وأحمد زيدان... الخ)، حتى أن الجيش يتخذ اجراءات في حالة محاصرة الثلوج للمواطنين في المناطق الجبلية... الخ. فكيـف يمــكن القيـام بمهام بهذا الحجم في ظل الواقع الحالي للجيش اللبناني وافتقاده الدعم الداخلي (المادي) والمسـاعدات الخارجيـة؟
من هنـا، تبـدو مطالب الجيــش اللبناني بوجه المطالب الدولية وتحديدا الفرنسـية على الشكل التالي:
1ـ رفع «الفيتو» الاسرائيلي الذي يؤدي الى حجب أو تقنين المساعدات العسكرية الأميركية والغربية للجيش اللبناني.
2ـ تقديم مواكبة سياسية محلية للجيش من قبل القادة السياسيين المحليين، ولعل المدخل الأفضل لذلك يكون باستئناف الحوار الوطني.
3ـ استكمال تنفيذ القرار 1701 والانتقال من مرحلة وقـف الأعمـال العدائية نحو وقف اطلاق النار.
على ان السؤال الأساسي يبقى بالنسبة إلى لبنان حول المصلحة بالعبث بأمن الجنوب والاستقرار اللبناني؟ وإذا كان الفرنسيون جديين في تقليص عديدهم وصولاً إلى الانسحاب الكامل، فهل سيشكل ذلك مقدمة لعمل مماثل من قبل القوات الأخرى؟