بهذا التوصيف المحدد، رسم مدمن مخدرات سابق، وهو للمناسبة من حملة شهادتين جامعيتين في اختصاصين بارزين، المعايير التي تحكم وضع الموقوفين بتهمة الإدمان وتعاطي المخدرات، وبالتالي، طريقة التعامل معهم في لبنان.
وعليه، يمكن أن ينتهي التحقيق من دون «ضربة كف»، كما حصل مع المدمن السابق - الشاهد، وقد ينقل «الصليب الأحمر اللبناني» المدمن من غرفة التحقيق إلى المستشفى، نتيجة ما يرتكب بحقه فيها، كما حصل مع أحد معارفه.
وجاءت شهادة المدمن السابق في سياق مؤتمر «القضاء وبعض الفئات المهمشة في لبنان»، حيث حاول فريق المفكرة القانونية أن «يبحث»، بالمعطيات المثبتة والدراسات، في «مدى وصول الفئات المهمشة في لبنان إلى ساحات القانون والقضاء؟ وهل تفتح المؤسسات القضائية أبوابها بصورة متساوية أمام الجميع، لا سيما أمام المجموعات والأفراد الأقل نفوذا ووصولاً إلى الموارد المادية والرمزية؟ وهل يولي القاضي اهتماماً قانونيا خاصاً بهذه المجموعات؟»، وفق ما أكد أحد مؤسسي «المفكرة» الباحث القانوني سامر غمرون.
ولم يقتصر المؤتمر على القضاة بل طرح اسئلة حول ما «إن كان المحامون في لبنان مستعدين للدفاع عن الذين يعانون تهميشاً قانونياً واجتماعياً وجندرياً؟ وخصوصاً ما إذا كانت القرارات والإجراءات القضائية تمارس أي تمييز ضد هذه الفئات؟ وما هي الأشكال القضائية والإجرائية لهذا التمييز، إن وجد؟ وما هي أوجه الاختلاف والتشابه بين التجارب القضائية لكل من هذه المجموعات؟ وأي نتائج يمكن استخلاصها من هذه الاختلافات حيال الوصمات الاجتماعية في المجتمع اللبناني، وحيال مخاوفه ومحرماته؟»، وفق غمرون نفسه الذي ترأس الجلسة الأولى.
وعليه، يكرس فريق عمل «المفكرة القانونية» في لبنان مساراً مختلفاً في التعاطي مع القضايا الجدية التي يناضل المجتمع المدني، أو بعضه، من أجلها.
وقد ركز المؤتمر على الاتفاقيات الدولية، وعلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبناه لبنان في مقدمة دستوره، كأدوات يمكن للقاضي استعمالها للإفادة من هامش الاجتهاد القانوني المعطى له، لإصدار أحكام منصفة بحق الفئات المهمشة، ما يعيد الحديث إلى شخصية القاضي ومدى ثقافته الحقوقية المناصرة لقضايا المهمشين، ومدى استعداده لأداء دور مميز، من دون مخالفة القانون.
ونظراً لأهمية المواضيع التي يتناولها المؤتمر، والعمق المتبع في معالجة الإشكاليات المطروحة بحضور باحثين قانونيين ومحامين وقضاة وناشطين في مجال حقوق الإنسان، لا يمكن لمن حضر مؤتمر «المفكرة القانونية» أمس، إلّا أن يتساءل عن سبب غياب معظم الجمعيات التي تعمل مع الفئات المهمشة من لاجئين ومدمني مخدرات وعاملات في المنازل ومثليين ونساء يعملن في البغاء وكذلك النساء المعنفات، عن مؤتمر يبحث في جذور المشكلات والعوائق التي تحول دون إنصاف هؤلاء جميعاً، على الرغم من توجيه فريق «المفكرة» حوالى ألفي دعوة بالتمام والكمال.
فهل يقتصر عمل الجمعيات هنا على بعض الأنشطة والدراسات التي تؤمن استمرارية التمويل والعمل، أم أنها مدعوة إلى تعزيز معارف العاملين فيها مع الفئات المهمشة بالتحديد، وتعزيز مهاراتهم في مقارعة الجهات الرسمية على مختلف تصنيفاتها، وصولاً إلى الإرتقاء بالعمل نحو مستوى اعمق من الوعي وطريقة النضال نفسه.
تشريح دور القاضي
يأتي المؤتمر كتتويج للاهتمام المتزايد الذي سجله المجتمع المدني اللبناني والمنظمات الدولية، ليس فقط بالفئات المهمشة، وتحويل الحديث عن الانتهاكات التي ترتكب بحق أفرادها من «تابو» إلى مسألة ضرورية وحتمية، وصولاً إلى اعتراف المجتمع بها، ومعه بعض السلطات الرسمية، والساحة القضائية، إذ وضع دور القاضي بحد ذاته على بساط «التشريح»، بما يتيحه الهامش الممنوح له من اجتهاد.
كما أفسح المؤتمر خلال يومه الأول المساحة الكبرى للدراسات التي أنجزتها جمعيات ومنظمات مدنية حول الأحكام القضائية التي صدرت في قضايا تخص اللاجئين والمثليين ومدمني المخدرات والعاملات في المنازل، وكذلك العاملات في البغاء، من منطلق الإفادة من الوقائع، لوضع الأمور في نصابها المبني على القرائن والأدلة، وليس على الانطباعات.
وبذلك، لم يأت الكلام عبثياً، أو مطبوعاً بالاستنتاجات العفوية، عندما تحدثت ساره ونسه من جمعية «رواد فرونتيرز» والباحثة غيدة فرنجية، عن نماذج أحكام جاهزة تطال اللاجئين (غير الفلسطينيين) في لبنان، وكذلك العاملات في البغاء، بغض النظر عن خصوصية وضع كل حالة على حدة، بل استند الكلام إلى قراءات تحليلية في الأحكام والملفات القضائية التي تم سجبها من ادراج القضاء لإدراجها في الدراسات المنجزة.
وبالإضافة إلى الإضاءة على ممارسة الدولة وسلطاتها الأمنية للاحتجاز التعسفي للاجئين، ومن بينهم من نفذ الأحكام الصادرة بحقهم، توقفت ونسه عند محطات مضيئة تمكنت معها «رواد فرونتيرز» من كسب قضايا رفعتها ضد الحجز التعسفي. لكن، سرعان ما قضي على بعض تلك الإنجازات عندما رفض المعنيون في الأمن العام مثلاً، تنفيذ بعض هذه الأحكام، وإطلاق سراح المحتجزين، في تعارض واضح مع الأحكام القضائية. وأعطت ونسه مثلاً عن لاجئ حصل على أربعة إخلاءات سبيل، ومع ذلك، تم ترحيله بعد أربع سنوات من الاحتجاز التعسفي.
ولم توفر ونسه القضاة، حيث أشارت إلى صدور أحكام مختلفة لصالح اللاجئ، بحضور محام يدافع عنه، فيما صدرت أحكام أخرى سلبية، وأحياناً عن القاضي نفسه، في ظل عدم وجود محام للاجئ. وأشارت إلى أن «اللاجئ يخاف من رجل الأمن في غالبية الأحيان، فكيف بالقاضي؟ وهو يشعر بأنه لا يمكنه الكلام، وقد لا يعطى الحق بالكلام في بعض الحالات، عدا عن أنه يجهل حقوقه في معظم الأحيان».
المخدرات.. وحالة اللا-علاج
وفي معرض حديثه عن مدمني المخدرات والمثليين، كفئتين من المهمشين، توقف الناشط في حقوق الإنسان وأحد مؤسسي «المفكرة القانونية» المحامي نزار صاغية، عند دور القاضي وطريقة تعاطيه مع النصوص القانونية الموضوعة بين يديه.
وبما أن قانون المخدرات الصادر في العام 1998 نص على معاقبة المدمن بالسجن في حال رفضه الخضوع لآلية العلاج، وبالتالي ميّز المدمن عن الفئات الأخرى، وطرح نفسه «كوسيلة ضغط للعلاج وليس العقاب»، فقد رأى صاغية أن «القاضي هو الأساس هنا».
وعبَّر صاغية عن أسفه كون الدولة لم تنشئ مراكز للعلاج بإشراف وزارة الصحة، وبالتالي أصبح القاضي مضطراً للاختيار ما بين ترك المدمن بلا علاج، وبين معاقبته بلا نص، «كون القانون ينص على عدم المعاقبة في حال قبل المدمن بالعلاج». وعرض صاغية لإحدى الحالات التي خضع فيها المدمن للعلاج، ومع ذلك، رفض أحد القضاة الاعتراف بهذا العلاج الذي أثبته محامي المتهم، «كون العلاج لم يتم في احد المراكز التي يحددها القانون، والتي لم تنشئها الدولة اصلاً، إذاً هذه مسؤولية الدولة وليس المدمن». ورداً على بعض القضاة الذي دافعوا عن زملائهم وعن الهامش المتاح للقاضي بالتحرك، تمنى صاغية «لو أن قاض واحد ذيل قراره بملاحظة تفيد انه حكم مدمناً لأن الدولة لم تنشئ مراكز للعلاج»، متوقفاً عند تأثير ذلك في عمل المجتمع المدني والجمعيات في هذا الموضوع.
المثليون.. و«الطبيعة»
بالنسبة إلى المثليين جنسياً، والذين تجري ملاحقتهم قانونياً، تحدث صاغية عن عدم وجود نص قانوني يعاقب على ممارسة الجنس بين شخصين من الجندر نفسه، وإنما يعاقب القانون على «ممارسة الجنس خلافاً للطبيعة، وهو ما يعكس رأياً اجتماعياً مسبقاً يعبر عنه بنص قانوني وضع قبل حوالي ستين عاماً».
وما دام النص القانوني لا يحدد ما هو المخالف للطبيعة، تساءل صاغية عما «إذا كانت هذه مهمة القاضي، وما إذا كان يجوز له الخروج عن النص؟». وتوقف صاغية عند حكمين صادرين عن قاضيين «يمكن أن نلمس عبرهما محاولة للخروج عن النص في محاولة لفهم «طبيعة» المثلي وميوله، لكنها محاولات تبقى محدودة لا يمكن تعميمها على طريقة التعاطي مع هذه الفئة من المهمشين».
وتحدث صاغية عن الانتقائية في الملاحقة، وعما إذا كانت مبنية على أسس معينة إذ أنه يجري تطبيق القانون وفقاً للظروف، إذ يوجد إحصاء لحوالى خمسين حكماً بحق مثليين خلال السنوات الخمس الأخيرة، فيما وجد ألفا حكم بحق مدمنين.
وبالحديث عن الانتقائية، قال صاغية إن الموقوف بتهمة «المثلية» يعطي أسماء بعض الأماكن المعروفة بأنها تؤمن التقاء المثليين، ومع ذلك، لا يتم إقفال هذه الأماكن، وبالتالي، لا تتم ملاحقة كل حالات المثليين، وإنما حالات محددة. وتساءل صاغية «عما إذا كانت تلك الانتقائية مبنية على معيار حقوقي، أم تأتي في إطار «السترة» إلى حد معين، وهو ما يبقي فئة كبيرة من الناس في وضع هش، وكأن القيمة بحد ذاتها لا تعني احداً».
«المرأة السلعة»
في الإطار الحقوقي ذاته، دارت الجلسة الثانية (ترأسها الباحث القانوني كرم كرم) التي خصصت لـ«المرأة السلعة وروابط الاستغلال»، لتتخصص في الأحكام القضائية التي صدرت في قضايا العاملات في المنازل وعاملات الجنس.
وبعدما تحدث مدير منظمة «هيومن رايتس ووتش» في لبنان نديم حوري عن وجود حوالى مئتي ألف عاملة منزلية، «يوجد من بينهن 85 ألف عاملة من دون أوراق شرعية، ما يطرح فشل نظام الكفيل المعتمد في لبنان»، توقف عند الأرقام التي توصلت إليها الدراسة التي أجرتها المنظمة بالتعاون مع المحامي رولان طوق في العام الماضي. وأشار خوري إلى أن «العاملات هن خارج إطار قانون العمل (وإن كنّ محكومات وفق العقد الموحد)، ما يضعهن خارج معايير الحد الأدنى للأجور ودوام العمل وتعويض نهاية الخدمة». وقد شملت الدراسة 114 قضية، «من بينها 107 أحكام جزائية وسبعة أحكام مدنية، والباقي أمام مجلس العمل التحكيمي».
وتوقف حوري عند عقبات الوصول إلى العدالة في قضايا العاملات في المنازل، ومنها: عدم معرفة العاملات بحقوقهن وبكامل هوية رب العمل عند الادعاء عليه، ونظام الكفيل ونقص مراكز اللجوء الآمنة للعاملة، وكلفة الدعاوى وطول مدة المحاكمة، حيث تستغرق أي دعوى حوالى 24 شهراً تكون العاملة قد رحلت خلالها، مؤكداً انه «يتم البت بالدعوى اسرع عندما تكون من رب العمل على الخادمة وليس العكس».
وتفاجأ معدو الدراسة بكون معظم الدعاوى قد رفعت من قبل رب العمل على الخادمة (84 حكماً)، بينما لا يتجاوز عدد العاملات المدعيات على رب العمل العشرين حالة، وذلك بسبب الصعوبات التي تعترض العاملة المحكومة بنظام الكفيل، ومحدودية القدرة على الوقوف بوجهه.
وتبيّن الدراسة التساهل القائم في لبنان في معالجة دعاوى العاملات، «حيث لا يعاقب القانون على ضرب العاملة بشكل لا يتسبب بتعطيلها لأكثر من عشرة أيام، كأن الصفع والركل والضرب العادي ممارسات يحق لرب العمل الإقدام عليها».
إلا أن الأحكام الصادرة بحق التعنيف المؤذي، لا تبشر بكثير الخير أيضاً! إذ اقتصر الحكم في إحدى الحالات التي ضرب فيها رب عمل (وهو طبيب، للمناسبة) إحدى العاملات عنده، وأقدم على حرق عاملتين أخريين، على سجنه، ومن ثم استبدال السجن بغرامة لم تتجاوز 333 دولاراً أميركياً. في المقابل، حكمت المحاكم في سنغافورة على رب عمل ضرب خادمته بعشرين سنة سجناً، كما قضت بسجن سنغافوري آخر 12 عاماً لأنه احرق العاملة بالمكواة، بينما حكمت سيدة لبنانية بالسجن لمدة عام ونصف العام فقط، بعدما قتلت خادمتها.
وختاماً، عرضت الباحثة غيدة فرنجية دراسة أجريت على بعض الأحكام القضائية التي صدرت بحق عاملات جنس، ومسهلين للبغاء، من رجال ونساء، وهي دراسة أعدتها فرنجية والمحامي نزار صاغية في إطار دراسة شاملة تنجزها منظمة «كفى عنفا واستغلالا» حول البغاء في لبنان.
ويخصص اليوم الثاني من مؤتمر «المفكرة القانونية»، الذي يعقد في «سينما متروبوليس - صوفيل» في الأشرفية، أعماله اليوم لمعالجة عناوين «القاضي والمرأة المعنفة وحرمة البيت»، و«القضاة والمهمشون وقراءات في الأحكام»، و«لماذا تهتم الجمعيات بدراسة الملفات والأحكام القضائية؟».