أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«الإنجاز» الأرثوذكسي ـ الماروني: نقل لبنان من 1860 إلى 1943

الإثنين 19 كانون الأول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 842 زائر

«الإنجاز» الأرثوذكسي ـ الماروني: نقل لبنان من 1860 إلى 1943

وإذا كانت هذه المادة تنص على أنه «إلى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، توزع المقاعد النيابية وفقاً للقواعد الآتية: بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، نسبياً بين طوائف كل من الفئتين ونسبياً بين المناطق»، فهذا يعني بحسب الفرزلي أن كل القوانين الانتخابية منذ الطائف حتى اليوم لم تراع هذه المادة. وبالتالي، فإن المسيحيين، أقله حتى العام 2005، لم يكونوا ممثلين في مجلس النواب، «بل يختار السنة والشيعة ممثليهم». 

منذ يوم الجمعة الماضي، اتخذ النقاش حول المشروع منحاً آخر. وبعدما كان ينظر إليه بوصفه المشروع الذي يؤشر إلى المستوى الذي وصلت إليه الطائفية والمذهبية في البلد، تحول في لقاء بكركي إلى مشروع متبنى من كل القادة الموارنة وعلى رأسهم بكركي وبطريركها بشارة الراعي. نقطة تحول سلطت الأضواء على الفرزلي. صارت مفكرته مليئة بالمواعيد. لقاءات إعلامية، محاضرات، ندوات، لقاءات لا تنضب مع السفراء والسياسيين. كلهم هدفهم واحد. من أين أتيت بهذا المشروع الذي ضرب على الوتر المسيحي فأعاد إحياءه؟ 

قلة من عارفي الفرزلي يستوعبون تحوله من مدافع شرس عن العلمانية إلى منظّر أول لمشروع انتخابي طائفي بحت. لا ينفي الفرزلي هذا التحول. هو يقر أنه أخطأ عندما ظن أن مصلحة المسيحيين تكمن في العلمانية. هذا لا يعني أنه وصل إلى حد التنكر لعروبته، صار يرى أن صحة التمثيل لا يمكن أن تتعارض مع العروبة، ولكن لا بد من قراءة مختلفة اليوم. وإذا كانت المنطقة تنوء تحت عنوان الصراع السني الشيعي «فلماذا على المسيحي أن يدفع الثمن»؟ يسأل الفرزلي. 

يعطي نائب رئيس مجلس النواب السابق لمشروعه أدواراً كبيرة، وانطلاقاً من مبدأ «داوني بالتي كانت هي الداء»، يرى أن المشروع هو الدواء الأكثر فاعلية لداء الطائفية: «إذا لم تستطع نزع فتيل الصراع المرضي بين الطوائف فحوله إلى تنافس حي ضمن هذه الطوائف». 

وصول المشروع إلى حد تبنيه من القيادات المسيحية مجتمعة يعني بحسب الفرزلي انه حقق النجاح المطلوب. وعلى الرغم من أنه بات يرى أن حظوظ تحوله إلى قانون أصبحت مرتفعة، إلا أنه يحرص على التأكيد أن الهدف أولاً وأخيراً ليس المشروع بحد ذاته بل تطبيق المناصفة الفعلية بين المسيحيين والمسلمين. وإذا كان يرى أن النسبية بشكلها الحالي لن تساهم إلا في تثبيت تهميش المسيحيين، فإنه يجزم أنه لن يعارض أي مشروع يحقق المناصفة، وهو العنوان الذي ركز عليه اجتماع بكركي الذي كلف لجنة مهمتها مناقشة باقي المكونات الوطنية انطلاقاً من الطرح الانتخابي لـ«اللقاء الارثوذكسي». يرحب الفرزلي بأي محاولة لتطوير المشروع بما يؤدي إلى النتيجة المرجوة. وهو يبدأ باقتراح يعتبره بمثابة المؤشر على جدية الالتزام بالمادة 24 من الدستور، داعياً إلى إيجاد «كوتا» للعلمانيين، أي أن يتحولوا عمليا الى طائفة من الطوائف اللبنانية. 

يعود الفرزلي ويؤكد أن المشروع المطروح هدفه معالجة مشكلة محددة، وبالتالي فهو يحمل الصفة المرحلية، التي تنتهي فور إعداد مشروع انتخابي على أساس لا طائفي. ولكن، لماذا لا يعد هذا المشروع الآن؟ 

«لأن أي قانون سيقر وفق التوازنات الحالية لن يكون إلا نتاجاً لها. وهذا يعني، بحسب الفرزلي، أن القرار بتنفيذ المادة 22 من الدستور (مجلس نواب على أساس وطني ومجلس شيوخ) لن يستطيع أي مجلس الإقدام عليه إلا إذا تمثلت فيه جميع الطوائف بشكل عادل». 

لم يعد الفرزلي وحده مضطراً للدفاع عن مشروع «اللقاء الارثوذكسي»، بعدما تحول إلى المشروع الأول للقاء الماروني. «لا عدائية، لا عزل، لا فدرالية»، ثلاثة عناوين يصر أحد المشاركين في لقاء بكركي، على تأكيدها، داعياً إلى إعطاء المشروع الفرصة اللازمة والحوار بشأنه قبل رفضه أو قبوله. 

في العلن، لم يعلن أي من الأحزاب رفضه للمشروع باستثناء تيار «المستقبل» الذي رأى فيه فدرالية مقنعة. ومع ذلك، يعول الفرزلي على أن هذا الموقف لن يدوم طويلاً على اعتبار أن الضرورات تبيح المحظورات، وهو (التيار الأزرق) لن يستطيع الدفاع عن رفضه كثيراً، لاسيما أنه سيكون محرجاً أمام الشارع المسيحي وتحديداً أمام حلفائه في «القوات اللبنانية» الذين تبنوا المشروع بالكامل لا بل كانوا أكثر المتحمسين له. 

من ناحية حركة «أمل» و«حزب الله»، لم يصدر حتى الآن أي موقف سلبي أم إيجابي، وهو ما عزز موقع «التيار الوطني الحر»، الذي يتغنى نوابه بالشراكة الحقيقية التي تجمعه بهما، بعكس حلفاء «القوات» الذين شنوا حملة عنيفة على القانون قبل أن تناقشه لجنة المتابعة معهم. 

ومع أن السكوت هو سيد الموقف، إلا أن أجواء «حزب الله» تشي بأنه يراعي موقف حليفه البرتقالي إلى حد كبير وهو كلف لجنة لدرس المشروع بجدية وإيجابية. 

وينقل نائب رئيس مجلس النواب السابق ايلي الفرزلي عن رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» السيد ابراهيم أمين السيد أن الأولوية في «حزب الله» هي للحفاظ على صيغة العيش المشترك. أما من ناحية رئيس مجلس النواب نبيه بري، صاحب مشروع إلغاء الطائفية السياسية بصورة متدرجة، فيتردد أنه لا «يهضم» فكرة انتخاب كل طائفة لنوابها، على الرغم من انه يوافق على نقطتين يتضمنهما المشروع، وهما «لبنان دائرة واحدة» و«النسبية». 

وحده وليد جنبلاط يبقى غير مستعد للقبول بأي قانون بعيد عن القضاء دائرة انتخابية وفق النظام الأكثري، إلا أنه في الوقت نفسه لن يكون أمامه حجة لمواجهة المشروع، الذي لا يمس بدوره باختيار نواب طائفته، ولكن يسحب منه ورقة اختيار النواب المسيحيين في دوائره. 

مشروع اللقاء الارثوذكسي الذي كان منذ أشهر مناسبة للتندر تحول بين ليلة وضحاها إلى المشروع الأكثر تداولاً وتقدماً على كل المشاريع، وسقوطه لن يكون بحسب الفرزلي، إلا رسالة شديدة السلبية، تحسم بقاء البلاد في ظل نظام الملل الذي كان سائداً أيام الدولة العثمانية فيما الفرصة سانحة للانتقال إلى ليلة الإستقلال عام 1943 حيث كانت صحة العيش المشترك واللحمة الوطنية واعدة. 

الحديث يدور بين عامي 1860 و1943. التطور كبير بين التاريخين والمرحلتين، لكن 70 عاماً تفصل الاستقلال عن العام 2012.


Script executed in 0.033057928085327