أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بعد نصف سنة على حكومة ميقاتي أولويّة الغالبيّة

الخميس 22 كانون الأول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,081 زائر

بعد نصف سنة على حكومة ميقاتي أولويّة الغالبيّة

ينقضي مع نهاية السنة الجارية نصف سنة تقريباً من عمر حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وقد باتت أمراً واقعاً للأفرقاء الذين يتحالفون داخلها، أو أولئك الذين يناصبونها العداء. على مرّ الأشهر المنصرمة، أرسلت حكومة ميقاتي إشارات عدة حيال طريقة مقاربتها الاستحقاقات الداخلية والخارجية، من غير أن تحظى بإجماع أفرقائها على تلك المقاربة، ولا على تقويم مشترك وواحد لأهداف الاستحقاقات ونتائجها.
أبرز إشاراتها:
1 ـــــ أنها ليست حكومة انتقالية، ولا رئيسها انتقالي في حقبة غامضة على نحو التجربة الأولى لميقاتي في رئاسة الحكومة عام 2005. جاء حينذاك لمهمة محددة في 90 يوماً هي إجراء انتخابات نيابية عامة وتأمين انتقال السلطة إلى قوى 14 آذار، ووضع رئاسة الحكومة والغالبية الحكومية، في ضوء الغالبية النيابية التي تنبثق من تلك الانتخابات، في يد هذا الفريق. اقترنت الموافقة على وجوده على رأس حكومة 2005 بتعهّده عدم الترشح للانتخابات. ورغم علاقته الوثيقة بالرئيس السوري بشّار الأسد وموافقة دمشق والرياض على إدارته المرحلة الانتقالية، نُظِرَ إلى ميقاتي على أنه رئيس حكومة محايد يخلف خروج الرئيس عمر كرامي وحلفائه من السلطة نهائياً، ويُعدّ هذه لانتقالها إلى مَن تتحوّل إليه خلافة الرئيس رفيق الحريري.
كان تأليف حكومته صورة مطابقة للمرحلة الانتقالية، لكن السلطة والشارع كانا في الواقع في يد قوى 14 آذار، وخصوصاً بعد خروج الجيش السوري من لبنان، أسابيع بعد تأليف حكومة ميقاتي في نيسان 2005.
حينذاك أعطى ميقاتي أول صدقيّة سياسية لعلاقته بالمجتمع الدولي، وتنفيذه تعهّداً كان قد قطعه له، وخصوصاً باريس وواشنطن اللتين كانتا عبر سفيريهما في بيروت، تديران انتقال السلطة من فريق إلى آخر. طبّق التزامه عدم الترشّح والإشراف على انتخابات نيابية لا تدخّل خارجياً فيها، وحصولها في الوقت الذي أصرّت عليه العاصمتان بلا إبطاء، ودعم التحقيق الدولي في اغتيال الحريري. بعد ست سنوات، عاد ميقاتي إلى رئاسة الحكومة رئيساً دائماً غير انتقالي، في مرحلة غير انتقالية، شريكاً رئيسياً في الائتلاف النيابي والحكومي المكوّن للغالبية الحالية.
2 ـــــ استقرار الغالبية النيابية التي تقودها قوى 8 آذار، ومقدرتها على تجاوز هذا الكمّ من التناقضات التي رافقت الحكومة الحالية منذ تأليفها، سواء بين أفرقاء قوى 8 آذار، أو بين حزب الله وميقاتي، أو بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس ميشال عون. وعلى وفرة المآخذ التي يبديها البعض في الدورة البطيئة لعمل الحكومة وإنجازاتها، نجح طرفاها الرئيسيان، ميقاتي وقوى 8 آذار، في ضمان استمرارها، والإيحاء كذلك بصواب الرهان على صمودها إلى انتخابات 2013 والإشراف على إجرائها. بل الذهاب إلى أبعد من ذلك بانتزاع هذا الفريق الأكثرية الجديدة، لأول مرة منذ عام 2005، في انتخابات نيابية لا تحت وطأة تقويض التحالفات بالقوة وقلب موازين القوى الداخلية.
والواضح أن الإنجاز الفعلي للائتلاف الحكومي كَمَنَ في المحافظة على الأكثرية النيابية الحالية. وتدين قوى 8 آذار بها لاثنين: رئيس الحكومة وحليفه رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط. كلاهما قادر على إهدار هذه الغالبية: الأول باستقالة حكومته، والثاني بخروجه من الأكثرية. بيد أنهما أكدا استمرار التحالف مع قوى 8 آذار، وهما يسلّمان في الوقت نفسه بوطأة الخلافات مع بعض أفرقاء الحكومة، وكذلك الافتراق في بعض الخيارات الاستراتيجية كالمسألة السورية والعلاقة مع نظام الأسد بين جنبلاط وحزب الله، والموقف من المحكمة الدولية بين ميقاتي وجنبلاط من جهة، وحزب الله والرئيس ميشال عون من جهة أخرى.
ولعلّ وزر التناقضات الناشبة داخل الحكومة يرسم صورة نموذجية عن حالها المفككة، وفي الوقت ذاته عن رعب أفرقائها من غرق مركب الغالبية:
ـــــ نفور دائم بين ميقاتي وعون، بينما يجهر رئيس الحكومة بانحيازه إلى رئيس الجمهورية.
ـــــ نفور مماثل بين جنبلاط وعون يجعلهما لا يلتقيان.
ـــــ تعويل ميقاتي على رئيس المجلس نبيه برّي ـــــ على أنه مفتي الحلول ـــــ لمواجهة مشكلاته مع حزب الله، في وقت تندر بدورها اجتماعاته بالأمين العام للحزب السيّد حسن نصر الله. وهما بالكاد اجتمعا ثلاث مرات منذ كانون الثاني، لكن من دون أن ينقطع التواصل غير المباشر بينهما.
ـــــ إلى هذا وذاك عدم الانسجام المشهود بين برّي وعون، والخصومة التي يمتزج الشخصي فيها بالسياسي بين سليمان وعون.
بل تجعل المفارقة ائتلاف سليمان ـــــ ميقاتي ـــــ جنبلاط أكثر تماسكاً من الفريق الآخر، ويظهر عون على خلاف وتنافر مع الجميع، باستثناء حزب الله. حتى شريكاه في تكتّل التغيير والإصلاح النائب سليمان فرنجية وحزب الطاشناق لم يوافقاه على الاستقالة من الحكومة عندما لوّح بها.
لكن ميقاتي وجنبلاط أدركا أيضاً مكمن ضعف حزب الله وقوته في الوقت نفسه، وهو تشبّثه بالمحافظة على الغالبية كأولوية مطلقة غير منازع عليها، ويخشى إهدارها، جعلته في آن يهضم بمشقة شوكة تمويل المحكمة الدولية، ويتحفّظ عن الوجهة التي اختارها جنبلاط لموقفه من أحداث سوريا ونظام الأسد، من دون أن يفتعل أزمة معه.
3 ـــــ تراجع وطأة الضغوط التي واجهتها حكومة ميقاتي عند تأليفها، سواء من المجتمع الدولي، الذي لم يتقبّل طريقة إطاحة حكومة الرئيس سعد الحريري وإخراج الأخير من السلطة، ولا تلك التي قلبت الأكثرية رأساً على عقب بانتقالها من فريق إلى آخر يتزعمه حزب الله.
بعض الضغوط التي انفجرت في وجه ميقاتي مصدرها تحريض الشارع السنّي عليه. مرة لقبوله بخلافة الحريري عندما أسقطه تنظيم شيعي هو حزب الله. وأخرى باتهامه بالتفريط بصلاحيات رئيس مجلس الوزراء. بمرور الأشهر الأخيرة، انكفأت ضغوط المجتمع الدولي على دفعات. أولاها أن حكومة ميقاتي لم تمسِ حكومة حزب الله، وآخرها تمويل المحكمة. بينما تفهّم المجتمع الدولي مبرّرات رئيس الحكومة في الابتعاد بلبنان عن الانخراط في حملة إسقاط النظام السوري. وكان آخر مَن أبرز تفهّم هذا الموقف مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى السفير جيفري فيلتمان في زيارته الأخيرة للبنان، عندما شجّع على المضيّ في سياسة النأي بالنفس كعامل استقرار داخلي لهذا البلد، تناوله فيلتمان أمام محدّثيه، وأكد رغبة إدارته في بقاء لبنان مستقراً، بعيداً عن التأثر بما يجري في سوريا.
انحسر كذلك تأليب الشارع السنّي عندما وضع ميقاتي الثلث + 1 في فريقه الحكومي، فحجب عن قوى 8 آذار الثلثين. وعندما أغضب شركاءه في الائتلاف حينما منع تصفية موظفين كبار جهروا بولائهم للحريري في الأمن والإدارة والقضاء. وعندما تشبّث بموقعه وصلاحياته الدستورية، فلم يسمح بالاعتداء عليها، ونفذ تعهّداته للمجتمع الدولي باستمرار التزام لبنان القرارات الدولية، وأخصّها تمويل المحكمة.

Script executed in 0.18687009811401