أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

خمسة أشهر ميقاتية في السرايا: الوسطيون يربحون... فيولد «الثلاثي»

السبت 24 كانون الأول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,724 زائر

خمسة أشهر ميقاتية في السرايا: الوسطيون يربحون... فيولد «الثلاثي»

عملياً، هي تقف على خط الزلازل، معرّضة للاهتزاز في أي لحظة اختلال إقليمي. سوريالية مكوناتها، تبرئها من تهمة اللون الواحد التي يلصقها بها خصومها، لتثبت أنها أشبه بقوس قزح، يستحيل دمج ألوانه... والدليل صار على طاولة تجربة الخمسة أشهر من عمرها. 

لم يعد لزاماً استعراض الظروف الإقليمية والمحلية التي رافقت ولادة حكومة نجيب ميقاتي، إلاّ من باب الإشارة إلى أن اللحظة التي سُمي فيها القطب الطرابلسي سيّداً للسرايا الحكومية بـ68 صوتاً في مقابل 60 صوتاً لسعد الحريري، لم تكن تشبه أبداً لحظة خروج التركيبة الحكومية إلى النور. 

بين الموعدين، كان الشعب المصري يحتفل في ميدان التحرير بإسقاط نظام حسني مبارك. وبينهما أيضا، كانت الجارة السورية قد دخلت نفق الاحتجاجات في شارعها، فإذا بقيادتها تبدل أجندة أولوياتها واهتماماتها، وتترك «خاصرتها اللبنانية» تسير على هداها... 

في شهر تموز الماضي، بعد أكثر من ستة أشهر من المفاوضات، ساعة مع قوى الرابع عشر من آذار وساعات مع خصومها، كانت «حكومة كلنا للعمل» تقف أمام البرلمان اللبناني طالبة ثقته. تركيبة ثلاثينية، على قاعدة: ثلث معطل بيد تكتل ميشال سليمان - نجيب ميقاتي - وليد جنبلاط، سيحاول مع الوقت تحصين نفسه من شركائه الأكثريين أصحاب الـ19 صوتاً، من خلال «التنسيق المكتوم» على الطاولة الحكومية. في هذا الخندق، فرض «الحليف البرتقالي» نفسه «شريك الثلث» بحصّة عشرية، قد تكون الأكبر في السجل الحكومي للزعامات المسيحية. 

على الطاولة البيضاوية، تعددت القراءات والمصالح: ابن عاصمة الشمال لا يخطو خطوة إلا ويقيسها بميزان الشعبية، عينه على طرابلس أولاً، والجمهور السنيّ ثانياً. تناحر «الميشالين» يعلّق التعيينات الإدارية للمواقع المسيحية. «جنرال الرابية» يريد «الأمر له»، ويطلب من هذه الحكومة ما لم يحصل عليه من سابقاتها، مشاريع وانجازات تسيّل في صناديق الاقتراع في العام 2013. رؤية «حزب الله» الاستراتيجة تعفيه شرّ الغرق في الزواريب الحكومية، فيما حلفاؤه يجرونه إليه جرّاً. محرج في علاقاته بين قاطني البيت الحكومي، بين حرصه على وحدة الصف وتمسكه بمراعاة الخصوصيات المتناقضة، يترقب أحداث المنطقة وتحولاتها ويحاول 

تجنيب الحكومة خضّاتها... «البيك الجنبلاطي» يحاول الاستفادة من الوقت المستقطع غرفاً من معجن الوزارات، يناجي تارة «الربيع العربي» فيحاكي «فصله السوري» بمفردات التناغم معه، ويدغدغ شركاءه طوراً بلغة التضامن الحكومي، لكن همّه الأول والأخير قانون الانتخابات النيابية و«حلفاؤه المخلّصون». 

ثلاثة أنواع من المهام تُرسم عادة لكل حكومة: مشاريع اقتصادية - اجتماعية، ملفات سياسية وقرارات إدارية. في المجال الأول، تمنّن «الحكومة الميقاتية» نفسها بأنها سجّلت في وقت قياسي أكثر من إنجاز. خطّة الكهرباء باكورة أعمالها، خرجت إلى الضوء بعد مخاض عسير على الطاولة الوزارية كما تحت قبّة البرلمان، ويفترض أن دفتر شروط التعاقد مع الشركات العالمية سيوضع بداية العام المقبل لبدء التنفيذ. ترسيم الحدود البحرية للتنقيب عن النفط ثاني تلك الإنجازات التي تتفاخر الحكومة بتحقيقها، على أن تشكل ولادة الهيئة الناظمة، وفق أحد الوزراء، خلال الأسابيع المقبلة، اذا اعتمد مبدأ المداورة في رئاستها، صفارة دعوة الشركات المتخصصة للمشاركة في المناقصة. أما مشروع قانون الموازنة للعام 2012، فيأمل أهل الحكومة أن ينتهوا قريباً من إقراره بعدما سحب منه فتيل بند تمويل المحكمة الذي كان من الممكن أن يفجره... الا اذا داهم الوقت الجميع، فكان لا بد من قرار الصرف على القاعدة الاثني عشرية ليصبح مصير هذه الموازنة مثل كل موازنات السنوات الماضية. 

في المجال السياسي، تعترف الحكومة بأنها فشلت فشلاً ذريعاً في تذييل سجلها بأي «انتصار سياسي»، باستثناء مبادرة رئيس الحكومة القاضية بدفع حصة لبنان من تمويل المحكمة الدولية من «الجيب الخاص» للمصارف، على الرغم من اتخاذها أكثر من 1500 قرار، لكن معظمها من الصنف الإداري. فقانون الانتخابات النيابية الذي يفترض أنه سيكون الثمرة الإصلاحية للحكومة، وضع على طاولة التشريح التي يخشى أن يخرج منها مشوهاً، إذا لم يجمّد في برّادها. 

ويقول أحد الوزراء إن الحكومة تريد من هذا الاقتراح أن يخرج من «مصنعها» مكلّلاً بإجماع مكوناتها، لأنّ أي اعتراض من جانب فريق سلطوي سيعني حكماً سقوطه تحت مقصلة البرلمان، وهو ما تريد السلطة التنفيذية تجنبه، لأنها تريد أكل العنب... وهنا، يعتبر الوزير نفسه أن حظوظ اقتراح وزير الداخلية مروان شربل، بالإفلات من طوق الاعتراضات الجنبلاطية، لم تنتف يعد، لا سيما أن وزراء «جبهة النضال الوطني» لم يعارضوا بالمطلق المشروع بل كانوا في معظم الوقت مستمعين أكثر من متحدثين. وهناك من يقول إن اعتماد الاقتراح على تقسيمات لا تتسم بالكيدية من سيد «المختارة» ولا تقتص من زعامته، قد يدفع الأخير إلى السير بهذا المشروع، ولو أنه يفضل حتى اشعار آخر قانون الستين. 

يقرّ الوزير نفسه أن الجو الضاغط الذي مارسته قوى الرابع عشر من آذار على الحكومة، أدى نسبياً إلى تنفيس حماستها. تصوير التركيبة الميقاتية على أنها من لون واحد، انتقامية ومسيّرة بريموت كونترول «حزب الله»، فرمل الإصلاح الإداري الذي كانت تعد نفسها به. كل رجالات «العهد الأزرق» لا يزالون في مواقعهم لا تهزهم رياح الانقلاب السياسي الذي حصل في السرايا الكبيرة. هم يتمتعون بحصانة افتراضية حاكتها الادارة الخاطئة للأكثرية الجديدة، فيما عجز أصحاب القرار عن المسّ بهم، حتى لو رسب هؤلاء في اختبار الكفاءة او الولاء. وعليه، فإن الوضع القائم مرشح للتمديد. 

كما أن تعددية ألوان الحكومة، على عكس ما يروّج له خصومها، زادت من منسوب التوتر على طاولتها، وبطّأت من حركتها. يكفي استعراض جولات الكباش التي شهدتها خطّة الكهرباء، ومن بعدها ملف تمويل المحكمة الدولية، ومن ثم ملف تصحيح الأجور الذي كاد يزعزع تفاهم «مار مخايل» بين «التيار الوطني الحر» و«حزب الله»، للاستنتاج أن حكومة «كلنا للعمل»، عبارة عن بيت بمنازل كثيرة... علما بأن نهاية السنة شهدت تبدلا في المعطيات الحكومية، تمثل بتكريس «التحالف الثلاثي» (عون وبري ونصر الله) نفسه لاعبا اساسيا على طاولة التوازنات الحكومية ـ السياسية، بعدما بدا أن ثمة اهتزازا جعل الوسطيين يمسكون بكل حبال الوضع الحكومي. 

بعد أكثر من خمسة أشهر من عمر الحكومة، كُثرٌ لمعت نجومهم في سماء التركيبة الميقاتية، واستفادوا من الجلوس على مقاعد خدماتية، ليحسنوا «بروفيلهم» الوزاري: رئيس الحكومة هو الأول من دون منازع، عرف من أين تؤكل كتف الرئاسة الثالثة. يراكم حضوره بطريقة سلحفاتية. أثبت أنه حريريّ أكثر من سعد الحريري، وسني أكثر من مفتي الجمهورية، وسعودي وسوري وأميركي وتركي. لا يقبل بأي شيء مجانا، ولا يرفض أي شيء لمجرد الرفض، فإذا بوسطيته تجعله صمام أمان من حيث يدري أو لا يدري باعتراف السوريين والايرانيين والأميركيين الذين قرروا تسميته «رجل المرحلة». 

وائل أبو فاعور نجح في الإبهار والإعلام. صورة وزير الدولة لم تقربه الى الرأي العام. صورته من خلال مشاريعه في وزارة الشؤون الاجتماعية، وآخرها برنامج دعم الأسر الأكثر فقراً، جعلته يترك بصمة، وهو المقتنع منذ اليوم الأول لتأليف الوزارة بأن عمرها محدود، لذلك لسنا في زمن وضع الخطط بل في زمن تنفيذ ما أمكن من مشاريع، قبل أن تتعثر الحكومة بالاستقالة أو بالاعتكاف أو بتصريف الأعمال. 

حسين الحاج حسن تمكّن من الوقوف إلى جانب المزارعين في أكثر من محطة، وبيّضها بوجههم. شربل نحاس يساري بامتياز. «حبيب العمال» والمدافع الشرس عن حقوقهم، صار نجماً جماهيرياً بعدما دخل الوزارة على متن «الورقة والقلم». 

أما لقب الوزير الأكثر مشاكسة، فيتقاسمه جبران باسيل مع غازي العريضي. الأول، «طيف» الجنرال على الطاولة الميقاتية، أقام الدنيا ولم يقعدها إلا بعدما رأت خطته الكهربائية، النور، ولو بعد تقنين قسري. الثاني ربط عودته إلى بيت الطاعة الحكومي بفتح حنفية الزفت التي لم يقفلها إلا بعدما رزحت خزينة وزارته تحت «الدين». 

«هالة» علي حسن خليل ومحمد فنيش، السياسية، تطغى على دورهما الوزاري. أحمد كرامي صوت ميقاتي الطرابلسي الصارخ في برية الحكومة... بوجه الحلفاء قبل الخصوم. نقولا نحاس لسان رئيس الحكومة الاقتصادي. محمد الصفدي الغارق في مستنقع الأرقام، يبحث عن طوق نجاة طرابلسي الصنع. مروان شربل، على عكس سلفه، دخل «الصف» نصف برتقاليّ، وصار شبه سليمانيّ. يُقال إن الجفاء بينه وبين سيّد الرابية طاف على وجه الكوب بعدما وقف بالمرصاد لكل محاولات تطهير وزارته من الأزلام «الحريرية» و«المُرية». 

بعض الوزراء غابوا عن الشاشة، صوتاً وصورة: نائب رئيس الحكومة سمير مقبل مشغول باله ليلا ونهارا، على حقوق الطائفة الأرثوذكسية ومواقعها. فايز غصن لم يُستفز بأي موقف دفاعي نوعي، وإن كانت السيادة اللبنانية عرضة للاختراق جواً وبحراً وبراً. سجِل ناظم الخوري لا يزال نظيفاً على عكس البيئة. نقولا فتوش استكان منذ دخوله القفص الحكومي. وليد الداعوق وفّر له حظه فرصة الوقوف على المنبر أسبوعياً بشكل مختصر، وإلّا لما لمحنا «معاليه». علي قانصو لم يجد مساحة لشطحاته في السياسة. سليم كرم «غائب» حتى إشعار آخر. بانوس منجيان... الأكيد أن الشريحة الكبيرة من اللبنانيين لم تحفظ اسمه بعد، أو ملامح وجهه! 

قد تكون وزارة المهجرين أضافت إلى الجمهور الجنبلاطي «رزقة» إضافية، لكنها لم تمنح قيمتها المضافة إلى علاء الدين ترو. فقدان شكيب قرطباوي أدوات التغيير، يحول دون ترك بصماته في وزارة العدل، وإن كانت النيّة موجودة. أما عدنان منصور فقد يكون الوزير الأكثر عرضة للاختبار اليومي. حسان دياب سميّ وزير تكنوقراط، ولم يتزحزح قيد أنملة عن وضعيته. فادي عبّود يبحث عن أرقام قياسية لتحطيمها، لكن ليس من فئة الإنجازات. هو مع مشروع شربل نحاس للأجور بالسياسة لكنه ضده بالاقتصاد. أما فريج صابونجيان فيقولبها مع الصناعيين كما يريد «الفاخوري». 

بعض شباب الحكومة أصحاب التجربة الأولى أثبتوا شيئاً من جدارة منتظرة. منهم: فيصل كرامي يلقى أصداء إيجابية. الخصوصية التي يتحصن خلفها مروان خير الدين تحميه من ألغام الخلافات داخل الصف الواحد. نقولا صحناوي يحاول، بـ«القطارة» إصلاح ما أفسده زمن الخلوي ودهاليزه. لكن غابي ليون الذي دخل الحكومة «بدلاً عن ضائع»، عجز عن رسم هوية خاصة به. 

... وعلى الرغم من الخضات التي شهدتها الحكومة، إلا أنها تحارب كي تبقى محصّنة من هزات الخارج وارتداداته: توافق أهلها حول الخطوط السياسية العريضة يضخّ شرايينها ببعض المقويات. حاجة مكوناتها لبقاء هذه الحكومة حيّة ترزق على قاعدة «حكومة سيئة أفضل من لاحكومة»، كافية لتضع حدّاً لشطحات بعض القوى. وهنا يُقال إن هذا الكلام أدلى به العماد ميشال عون خلال اللقاء الرباعي الذي جمعه في الرابية مع شركائه في تكتل التغيير والإصلاح، سليمان فرنجية، طلال ارسلان، وهوفيك ميخيتاريان، ردّاً على تساؤل حول مدى جديّة الجنرال في السير بتهديده بالاستقالة من الحكومة. 

الأهم من ذلك أن العنوان الأبرز في لقاء الجنرال عون والسيد حسن نصر الله هو الموضوع الحكومي. مقاربة استراتيجية مفادها أن الحكومة ضرورة. الملاحظات على رئيس الحكومة وغيره لا تغير شيئا في واقع أن الحكومة مطلوبة ويجب أن تبقى، وأن الاساس اعادة النظر بالأداء. والمنطلق لذلك تثبيت السيبة الثلاثية.


Script executed in 0.18950605392456