أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

محمود حدّاثا.. أمير شعراء الزجل في زمانه

الإثنين 26 كانون الأول , 2011 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 20,801 زائر

محمود حدّاثا.. أمير شعراء الزجل في زمانه

قال آية الله الشيخ محمد تقي الفقيه العاملي الحاريصي في كتابه حجر وطين مترجماً محمود حدّاثا :

توفي محمود قاسم المعروف بـمحمود حداثا سنة 1917م أو قبلها ، وكانت وفاته في حانين ، ودفن في مقبرتها ، ونبت على قبره شجرة رمان ، ولا تزال ، وبها يعرف قبره .

حدثنا بذلك سبطه علي زهر من بلدتنا حاريص ، والذي توفي حوالي سنة 1982 م .

محمود حداثا شاعر زجلي ( أي شاعر باللغة العامية العاملية ) بارع ، له إحاطة وخبرة يعرفها كل من سمع شطرا من شعره وتمعَّن فيه ، وله ولدان في حاريص وهما :

1- رشيد ، وقد توفي ولم يعقب الا ابنتين ولا تزالان في حاريص .

2- ونعيم ، وكان قد هاجر قديما في أيام الحرب سنة 1914م تقريبا ، وكان لنعيم ولد في حاريص واسمه سعيد نعيم ، وكان أكبر مني سنا ، وقد لحق أباه ولا نعرف ما جرى عليهما .

وكان سعيد يجيد النظم في طفولته ، وكان الناس يصغون اليه ويستملحون كلامه . وقيل : ان محمود حداثا سكن بلدة جويا في آخر أيامه ، وتزوج فيها ، وله ولدان فيها على ما قيل .

ونعيم كان ينازع أباه على إمرة الشعر ، وكان ينادم الشباب ، وأبوه ينادم الشيوخ ، ويحفظ لهما أهل السن مساجلة رائعة بمناسبة زواج المرحوم الشيخ محمود الفقيه ابن المرحوم الحاج حسن الفقيه عم الوالد ، وذلك عندما أراد والده اسكاته فلم يسكت ، فناداه قائلا فيما قاله :

غاب السبع ونام الضبع               وصار   الواوي   يتبرم

ومحمود حداثا أدْرَكَتْهُ حِرفَةُ الأدب ، فغضب على أهل حاريص وانتقل إلى حداثا ، فنسب إليها من باب السخرية ، وقيل إنه تزوج امرأة من حداثا ، وجعل يتردد عليها فسمي كذلك من باب الاستملاح والتنكيت .

ويحفظ الناس له من الملح والروائع والأمثال ما لا يحصى ، وأشهر قصائده قصيدته المذهبية التي نظمها في طيرشيحا سنة 1311 هجرية على ما قيل ، وذلك عندما تحدَّاه شاعر زجلي مسيحي معروف واسمه داوود ، وتمتاز القصيدة بالثقة بالنفس والولاء لأهل البيت (ع) وبقوة الحجة وبالأدب الساخر ، فانه لم يفرغ من جولته حتى أضحك الجميع على داوود .

ومن أروع ما يحفظ له قوله :

وان سبّني   النّذل  ماني   نذل   تانسبّ        وان عضّني الكلب كيف شوفتك بعضِّ الكلب    

ويقال ان هذين البيتين للعلامة الشيخ محمد علي عز الدين .

ويزعمون ان له مشتقات مستملحة ، كقوله في شخص حسن اللباس ، وضع في جيبه شيئا من البلوط ، فكان إذا قفز في الدبكة  أوهم الحاضرين أن في جيبه نقوداً من الفئة المعدنية التي تسمى بشَالِك ، فأمر بعض حاشيته وهو موسى الجرّيش (من حاريص) ان يلتصق به ويختبر له جيبه ، فإذا فيها بلوط . وكان محمود حدّاثا على الطرف الأيسر من الدبكة , والشخص على الحاشية ، فأنشأ ردته السّاخرة ، ولمَّح لما في جيبه ، حتى اضطره لترك الحاشية والخروج من الدبكة ( والدّبكة رقصة شعبية معروفة في بلادنا ) ومما قاله :

شيخ شَبّ مْشَكْلِكْ حَالَكْ               مشَكْلِكْ كِلْمِنْ من شِكْـــــلَك

شِكْلَك ما   بيشَكْلِكْنِـــي               ولا المنْشِكْلِــي بـيَـتْـشَكْــلَك

حاطِطْ بجِيابُو   بَــلُّوط                تَيْـقُوْلو   عِندو      بشَــالِك

ومن أروع ما يحفظ له ، انه كان مع حاشيته في بلدة من بلاد الدروز ، وكانت صنعته تبييض الأواني النحاسية ، وكان الجو ماطراً والبرد شديداً ، فجلس قرب جماعة يتقاولون الشعر ، ولم يشترك معهم ، ثم تفرقوا ولم يبق منهم الا شخصان ، فقال أحدهما :

صح وقت الضيق ما  لقينا رفيق       وناخت بوسط  الدرب  ناقاتنا

اجمع شتا كوانين من أربع سنين    ما بيجوش  قيراط  من  دمعاتنا

ثم قال مخاطباً محمود حداثا : أجِزْ يا بشاري ( بشاري : نسبة إلى بلاد بشارة).

فأجابه محمود حداثا على الفور :

اجمع شتا كوانين من أربع سنين    ما بيِجوش دمعة من دمع الحزين

قلب المتيَّم  دومْ  تسمعلوا  أنيــن    والعين  تبكي  عالمضَى  وِلْفَاتهـا

تبكي على عهدٍ مضى   وِلْفَاتهـا     بتذكر  رفيق  هالمضــي  وِلْفَاتها

والريمْ  اللِّي   غرتك   بِالْفَاتهــا      صوبك  كما   بيناتكم   بيناتنـــــا

فلما سمع كلامه قال له : ان صدق الظن أنت محمود حداثا ، فأنكر هو ذلك وغمزهم رفقاؤه فاحتفوا به وأقاموا له الولائم والمجالس .

ومعنى (وِلفاتها) في المصراع الاول : الفوت ، والمعنى ان العين تبكي على الذي فاتها من أيام الشباب أو من اللّحوق بالحبيب والسير معه .

ومعناها في الثاني : من الألفة ، والعامليون يسمون الصديق وِلْفَاً ، محرَّف عن الإلف والأليف ، وإذا كان مؤنثاً جمعوه على وِلْفَات ، فهي تبكي على عهد مضى مع ولفاتها ، يعني مع صديقاتها .

ومعناها في المصراع الثالث : الترك ، والمعنى : تبكي على الرفيق الذي مضى وتركها .

ومعناها في الرابع : الالتفات ، والصوب : الجهة ، والمعنى : ان الريمة التي غرتك بتلفّتها اليك أو إلى جهتك قد غرتنا قبلك ، فالذي جرى بينك وبينها ، جرى مثله بيننا وبينها .

وقيل ان فتاة جميلة رأته أيام شيخوخته فقالت ساخرة : هذا هو محمود حداثا!  فأجابها على الفور :

لا بد لك يا نرجس ما تيبسي             وما يعود للنَّفْس عاشمِّك قُبُول

ومن أروع مستهلاته , قوله في عرس ابن وجيه العلماء في زمانه , العلامة السيد حيدر مرتضى :      

يا زهرا فكي حدادك           بعرس ابن السيد حيدر

وحدثني الحاج عبد الله عز الدين ، الذي عمَّر نحو مئة وخمس سنوات ، وهو أحد وجهاء المنطقة : أن محمود حداثا قال فيما قاله في تلك المناسبة :

عيثا وحدّاثا وحاريص         فانوس   بلاد   بشارة

وأن أهل كفرا غضبوا لأنه لم يذكر بلدتهم ، وقيل أنهم خرجوا من المجتمع ، وقيا أنه بدل الشعر وقال :

عيثا وحاريص وكفرا         فانوس   بلاد  بشارة

وحدثنا المرحوم السيد محمد جواد الحسيني العاملي من بلدة معركة ، أن حمارة محمود حداثا ماتت ، وأنه في يوم سوق جويّا أقام لها مناحة ، فقام هو وحاشيته وأنشأ يقول وهم يردّون عليه :

يوم اسبوعك يا غبرا          ما ظل  ولا مخبيّي

والمخبيّة : هي المرأة المحجبة ، والمعنى : في يوم اسبوعك يا غبرا ، خرجت المحجبات للاشتراك في المصيبة ولبست ثياب الحزن .

فاجتمعت الجماهير ، فجعل كرام الناس يتبرعون له بالمال .

وحضر مرةً ديوان الشيخ الوالد ، وكان فيه جماعة من العلماء ، وكان يستمع إليهم ، وكانوا يتذاكرون في الجبر والتفويض والقضاء والقدر ، فلما فرغوا ، نظم محمود مقطوعة حل فيها مشكلة القضاء والقدر ، وأتمنى أن أجد  من يحفظها لأضعها في هذه الترجمة .

Script executed in 0.037968873977661