أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الأخبـار الأمنيـة تسجّل أعلـى نسـب متابعـة في الصحـف: نقرأهـا للتنبّـه إلـى المخاطـر.. ولإسكـات العنـف الداخلـي

الثلاثاء 27 كانون الأول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 975 زائر

الأخبـار الأمنيـة تسجّل أعلـى نسـب متابعـة في الصحـف: نقرأهـا للتنبّـه إلـى المخاطـر.. ولإسكـات العنـف الداخلـي

تطرح تلك الملاحظة العديد من الأسئلة حول مدى اهتمام القارئ بتلك الأخبار، وما هي الدوافع النفسيّة والاجتماعيّة الكامنة وراء ذلك، وحول إمكانية ارتباط قراءة تلك الأخبار الأمنيّة بواقع أو بلد معيّن، وحول إمكانية تعميمها على مختلف المجتمعات.

حماية ذاتية.. وظروف قاهرة

يفيد أستاذ علم النفس الاجتماعي في «الجامعة الأميركيّة في بيروت» الدكتور شارل حرب بأن «الأخبار الأمنيّة تجذب القارئ لارتباطها بأمنه الخاص والشخصي، فالفرد في المجتمع يتنبّه للأخطار المحدّقة به وللتهديد الذي يواجهه من الخارج، حيث يندرج الشعور بالخوف والتهديد ضمن العواطف الإنسانيّة الستّة: السعادة، والغضب، والخوف، والمفاجأة، والحزن، والاشمئزاز. ويشكّل التنبّه للأخطار وتوقّي الحذر سمة بشريّة عامة للمحافظة على الحياة والبقاء».

وفي السياق، يضيف الزميل الدكتور عمر نشابة، وهو المتخصّص في العدالة الجنائيّة، أن «الأخبار الأمنية توفّر للقارئ معلومات عن محيطه وعن الإجراءات الوقائيّة التي يجب أن يتّخذها لحماية شخصه وعائلته. فعلى سبيل المثال، حين يعلم القارئ بأن منطقة معيّنة تشهد حوادث أمنيّة متكرّرة، يتفادى بالتالي التوجّه إلى تلك المنطقة». 

ويعيد نائب رئيس المجلس العالمي للعلاج النفسي، والخبير في علم نفس الجريمة البروفسور عباس مكي، اهتمام الأشخاص بقراءة الأخبار الأمنيّة إلى «عامل الوقاية وتجنّب خلق الدوافع أو الشروط التي تؤدّي إلى ارتكاب الجرائم أو الحوادث الأمنيّة، فحين يدرك القارئ الظروف التي آلت إلى ارتكاب حادث ما، يتجنّب بالتالي خلق الشروط ذاتها تحصيناً للنفس وللآخر».

ويلفت مكي إلى ارتفاع عدد الحوادث الأمنيّة والجنائيّة في عصرنا الحالي، في مختلف أنحاء العالم، لتنامي الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة: «فالفرد لا يولد عدائيّاً أو مجرماً، بل يصبح كذلك نتيجة شعوره بالظلم وبالظروف القاسيّة والقاهرة».

العنف والجنس والأحاسيس القوية

استناداً إلى الدراسات العالميّة، يشير نشابة إلى أن «الأخبار المتعلّقة بالجنس والعنف هي الأكثر إثارة، حيث إنها تخاطب أمن الشخص وشهواته. فكما ينجذب الشخص إلى مشاهدة أفلام العنف، يتلّهف القارئ إلى متابعة الأخبار الأمنيّة».

وفي قراءة نفسية لذلك، يشرح مكي، وهو مؤلّف كتاب «الخبير النفسي - الجنائي وتنامي الجرائم الأخلاقيّة المعاصرة»، أن «بعض الأفراد يهوون مشاهدة أفلام العنف أو قراءة الأخبار المتعلّقة بالجرائم أو بعمليات الاغتصاب أو السرقة لعيش الأحاسيس القويّة، والتعبير عن الاحتقان أو الكبت الداخلي. فقراءة الخبر الأمني تثير عند بعض الأشخاص متعة في استخراج مشاعر العنف الداخليّة وإسقاطها على الخارج، ما يولّد شعوراً عند القارئ بتنفيس الاحتقان المكبوت في الداخل».

ويقدّر نشابة أن «الجرائم التي تنضوي على عمل إجرامي وجنسي هي الأكثر قراءة، تليها جرائم القتل، والجرائم المتعلّقة بالجماعة أو الثأر، ثم عمليات السرقة والاعتداء على الأملاك العامة».

يتلهّف القرّاء إذاً لمتابعة حيثيات جرائم الجنس، بغية تجنّب المخاطر وأخذ الحيطة. ويضيف مكي أن «جرائم الجنس تجسّد أكثر من غيرها ما يعرف بالحالة النفسيّة السادو مازوشيّة. والساديّة هي تمتّع بعض الأشخاص بإيذاء أو إيلام الآخر في العلاقة الجنسيّة والمازوشيّة هي عدم بلوغ النشوة الجنسيّة إلا من خلال الشعور بالإيلام أو التعذيب. فمن خلال قراءة أخبار جرائم الجنس، يفرّغ بعض الأفراد عن مشاعرهم السادو المازوشيّة عبر عمليّة محاكاة نفسيّة لما يقرأونه».

بحسب حرب، يحضر دافع آخر لقراءة الأخبار الأمنيّة، ويقوم على «حشرية إجتماعيّة ومعرفيّة. فكما يتوّقف السائقون في الغالب للتفرّج على حادث سير، يهتمّ القارئ بمعرفة حيثيات تلك الأخبار لمعرفة المعتدين أو الضحايا، وإن كان أحدهم يمتّ بصلة قربى له».

خبر عالمي المتابعة

تثبت الحوادث الأمنيّة التي شهدتها دول العالم أن بعض الأشخاص يلجأون إلى قراءة الأخبار الأمنيّة لتطوير أدائهم الجنائي أو الوسائل والخطط المعتمدة في إرتكاب عملية سطو أو قتل. وعند التساؤل حول ما إذا كانت جميع المجتمعات تهتم بالقدر عينه بالأخبار الأمنيّة، يؤكّد مكي أن «تلك الظاهرة يمكن تعميمها على مختلف المجتمعات من دون مفارقة بين بيئة وأخرى، فالجميع معني بحماية أمنه الذاتي والجماعي».

في المقابل، يلفت نشابة إلى أن القارئ اللبناني يهتمّ بشكل خاص بالأخبار الأمنيّة المتعلّقة بظروف سياسيّة والتي تنذر بتصعيد أو برد فعل سياسي.

ويلحظ حرب اهتمام القارئ في لبنان بالأخبار الأمنيّة المرتبطة بالطوائف والمذاهب، «حيث يعتبر المواطن اللبناني بأن العوامل التي تهدّد أمن الطائفة تشكّل تهديداً لأمنه الذاتي والشخصي».

فوارق جندرية؟

هل من فارق جندري في متابعة تلك الأخبار؟ يجيب نشابة أن «الرجال يظهرون اهتماماً أكبر للحوادث الأمنيّة السياسيّة، بينما تبدي النساء اهتماماً بالحوادث التي تطال المرأة والطفل أو التي ترتكبها امرأة».

في المقابل، يقدّر حرب أن «الرجال يتابعون أكثر من النساء الأخبار الأمنيّة بصفة عامة، فوفق نتائج الدراسات العلميّة، يلجأ الرجل في الغالب إلى ممارسة العنف المباشر بينما تلجأ المرأة إلى العنف غير المباشر المرتكز على إلحاق الضرر بالآخر من خلال تلطيخ سمعته أو مكانته الاجتماعيّة».

ويعتبر مكي أن «الدوافع الكامنة وراء اهتمام الرجل بالأخبار الأمنيّة مختلفة عن المرأة، فالرجل يتابع الأخبار الأمنيّة لتوفير سبل الحمايّة وإسكات مخاوف عائلته، بينما تهتم المرأة بتلك الأخبار لفهم معاناة الآخرين ومشاركة آلامهم».

 

احترام الخصوصية

 

بحسب مكي، تشكّل ظاهرة متابعة الأخبار الأمنيّة «مؤشراً اجتماعياً جيداً يدلّ على وعي اجتماعي في معرفة خصائص المجتمع وكيفية استخدام المعلومات المتوفّرة لدرء المخاطر وتوفير الحماية الذاتيّة والجماعيّة». ولا يعتبر حرب أن «ظاهرة الاهتمام بالأخبار الأمنيّة مرضيّة بل يحيلها إلى حالة إنسانيّة واجتماعيّة طبيعيّة».

وعلى الرغم من أن الدراسات الأميركيّة حول علاقة الإعلام بالعدالة الجنائيّة تثبت أن القارئ أو المشاهد يرغب في معرفة الجاني أو المرتكب بأسرع وقت ممكن من دون أن يتمكّن من انتظار الأحكام القضائيّة، وذلك بغية إسكات مخاوفه وقلقه، يشدّد نشابة على «ضرورة احترام المبادئ الأساسيّة في نقل المعلومات كعدم التشهير ببعض الأشخاص قبل صدور الحكم القضائي بحقّهم، أو المسّ بكرامة الأحداث وبالخصوصيّة الفرديّة، أو نشر ونقل صور دمويّة». ويلحظ نشابة أن «بعض الوسائل الإعلاميّة في لبنان لا تتقيّد بتلك المعايير والضوابط وتلجأ إلى عرض الأحداث بشكل مسرحي ومضخّم لجذب المزيد من القراء أو المشاهدين». 

 

 

Script executed in 0.034985065460205