أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

باريس تستقبل ميقاتي «صديقاً»

الثلاثاء 27 كانون الأول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,316 زائر

باريس تستقبل ميقاتي «صديقاً»

في الأيام العشرة الأخيرة من الشهر المقبل، يزور رئيس الحكومة نجيب ميقاتي باريس في زيارة رسمية هي الأولى، رغم مشاركته في الأول من أيلول في «مؤتمر أصدقاء ليبيا»، واقتصار لقاءاته حينذاك على وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه. ومع أن موعد الزيارة لم يُحدّد بعد، ولا أُعدّ جدول أعمال المحادثات الرسمية التي تشمل الرئيس نيكولا ساركوزي ورئيس الحكومة فرنسوا فيون ورئيسي الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، فضلاً عن استقبال ميقاتي جوبيه في جناحه، إلا أنها تكتسب أكثر من أهمية خاصة بعد انقضاء سنة على تكليف ميقاتي تأليف الحكومة، وبعد ستة أشهر على تأليفها، لم تُوجّه إليه خلال هذه المدة ـــ القياسية في تقاليد علاقات البلدين ـــ دعوة إلى زيارة رسمية.
كان ميقاتي سمع من جوبيه في باريس، على هامش «مؤتمر أصدقاء ليبيا» أن أبواب العاصمة الفرنسية ستكون مفتوحة أمامه ما إن يُوقّع تمويل المحكمة الدولية. ثم نقل إليه في بيروت كلاماً مماثلاً: ما إن توقّع تمويل المحكمة حتى تصل الدعوة إليك صباح اليوم التالي. بعد أيام على توقيعه التمويل في 30 تشرين الثاني، تبلّغ الدعوة الرسمية. ويُرافق ميقاتي إلى باريس وفد وزاري، ويُنتظر توقيع اتفاقات تعاون ثنائي بين البلدين.
وتكمن أهمية الزيارة، تبعاً لجهات ديبلوماسية معنية، في الآتي:
1 ـــ تستقبل باريس ميقاتي في إطار انفتاحها عليه، وترحيبها بتوقيعه تمويل المحكمة الدولية. ووفق عبارة استخدمها مسؤولون فرنسيون، «سيكون الاستقبال من أصدقاء لصديق». بذلك يطغى البعد السياسي على المحادثات التي سيجريها هناك على الجوانب التقنية التي ترافق في الغالب الزيارات الرسمية. ستكون المناسبة الأولى كي يخوض رئيس الحكومة، للمرة الأولى، مع المسؤولين الفرنسيين في الوضع اللبناني وأحداث المنطقة وعلاقات البلدين، بعدما اقتصر التواصل لسنة خلت على قناة السفير في بيروت دوني بييتون.
ستكون الزيارة مناسبة أيضاً للتسليم بميقاتي زعيماً لطائفته، وممثّلاً لها في السلطة، دحضاً لشكوك تداولها بعض الغرب بعض الوقت، في الأشهر الأخيرة، إعراباً عن استيائه من طريقة إطاحة الرئيس سعد الحريري على أنه قائد وحيد لطائفته.
2 ـــ لا يخفي المسؤولون الفرنسيون أن التأخر المتعمّد في تمويل المحكمة كان عائقاً رئيسياً أمام توجيه الدعوة، نظراً إلى الأهمية التي توليها باريس لعلاقة لبنان بالمحكمة الدولية، سواء نظرت إليها على أنها قضية عدالة دولية تتوخى وضع حدّ للاغتيالات السياسية، أو انبثاقها من قرار لمجلس الأمن لبنان عضو فيه حالياً وفي الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي تحتّم التزامه قرارات الشرعية الدولية. أضف أن باريس تعزو إلى نفسها جزءاً من أبوّتها للجنة التحقيق الدولية، والمحكمة الدولية في وقت لاحق، نتيجة جهود حثيثة بذلتها في سبيل التوصّل إلى هذين الهدفين. وتذكّر بانطلاق عمل لجنة تقصّي الحقائق في ظلّ الحكومة الأولى لميقاتي عام 2005، وأظهر آنذاك تعاوناً واضحاً مع مهمتها.
تقول باريس، تبعاً للمسؤولين الفرنسيين، بحتمية توصّل المحكمة إلى الخاتمة المرتجاة، وهي كشف قتلة الرئيس رفيق الحريري، اعتقاداً منها بأن تحقيق العدالة يمثّل أحد العناصر الأساسية لضمان الاستقرار في لبنان.
3 ـــ على وفرة مآخذها على الطريقة التي اتّبعتها قوى 8 آذار في الانقلاب على حكومة الحريري وإخراجه من الحكم، وتكليف ميقاتي ترؤس الحكومة، لم تتخذ على مرّ الأشهر المنصرمة موقفاً سلبياً منه، ولا طابقت رأيها في حكومة الغالبية الحالية مع رأيها في رئيسها. ظلّت تتحدّث باستمرار عن «رئيس الحكومة» شأن تحدّثها عن رئيس الجمهورية ميشال سليمان، وتجاهلت الكلام عن الحكومة رغم استمرار اعتقادها بأن حزب الله يمارس ضغوطاً عليها. وهو سبب كاف كي يصار إلى دعم رئيسها.
وجدت باريس في ميقاتي، وفق المسؤولين الفرنسيين، رجل دولة يفي بوعوده وذا صدقية لا تنقصه اللباقة في كل حال، في إشارة إلى الطريقة التي أخرج بها تمويل المحكمة بلا ضجة، أو أزمة سياسية عاصفة في لبنان، كي يؤكد التزامه القرارات الدولية وأخصّها القرار 1757 القاضي بإنشاء المحكمة. وعندما يتحدّث المسؤولون الفرنسيون عنه، يشيرون إلى ديناميّته ومقدرته على الاستيعاب وتذليل المشكلات، ولا يرونه على صورة الحكومة التي يرأس. كذلك يبدون ارتياحهم إلى العلاقة التي جمعتهم به لأول مرة على رأس حكومة 2005 ، وتعاونه الوطيد مع السفير الفرنسي حينذاك برنار إيمييه.
4 ـــ لا يخفي المسؤولون الفرنسيون مقاربة واقعية للوضع اللبناني الحالي تحت وطأة أحداث سوريا والاضطرابات في المنطقة. يوحون أولاً بتجاوزهم إطاحة الحريري، ويلاحظون ثانياً أن وجود حكومة عاملة أفضل بكثير من حكومة تصريف أعمال. لكنهم يتوقفون عند الجانب الأكثر تبريراً للقبول أخيراً بما ترتّب على إسقاط الحكومة السابقة، وهو المحافظة على استقرار لبنان وتحييده عن النزاعات التي تضرب المنطقة.
يدفعهم ذلك، وهم يراقبون العلاقات اللبنانية ـــ السورية وحساسيتها وإصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه، إلى تركيز الاهتمام وتوجيه النصائح للمحافظة على الاستقرار. يحضّون على تحييد هذا البلد عن الاضطرابات في سوريا، ويخشون انعكاساتها عليه، و لا يتردّدون في التأكيد أن موقع لبنان هو في قلب الشرعية الدولية التي تحتّم عليه احترام أحكامها وقراراتها، وأخصّها المعاملة الإنسانية للاجئين السوريين الفارين من بلادهم عبر الحدود.
لم يكن من السهل على المسؤولين الفرنسيين تجاهل تصرّف أثار استياءهم عندما سلّم الجيش اللبناني قبل أشهر ثلاثة جنود سوريين فرّوا من سوريا إلى سلطات بلادهم. كلما ناقشوا هذا الشقّ في علاقة لبنان بما يحدث في سوريا تحدثوا بامتعاض عن تسليم الجنود السوريين الثلاثة. ينظرون بعين الرضى إلى سياسة النأي بالنفس التي اتخذتها الحكومة اللبنانية في تعاطيها مع قرارات الأمم المتحدة والجامعة العربية، ويتفهّمون دوافعها كثمن حتمي للحفاظ على الاستقرار الداخلي.

Script executed in 0.19299101829529