أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«الإخوان المسلمون» في أميركا والعالم العربي: هل تتبنى الجماعة الواحدة الأهداف نفسها؟

الأربعاء 28 كانون الأول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 895 زائر

«الإخوان المسلمون» في أميركا والعالم العربي: هل تتبنى الجماعة الواحدة الأهداف نفسها؟

في الواقع، حفل تاريخ «الجماعة»، عربياً وغربياً، بالكثير من الإنجازات السياسية والدينية، لكن نجاحها في التغلغل داخل أوروبا وأميركا، وحصولها على الدعم الغربي الرسمي، لم ينزع عنها صفة الغموض التي تلف طموحاتها وآليات تحركها، بل زادها تعقيداً وشبهة، في وقت تراكمت المفاهيم الخاطئة المتعلّقة بتاريخ «الإخوان» وحقيقة هذه المنظمة.

ما نعرفه، أو ما نعتقد أننا نعرفه، عن هذه الجماعة الإسلامية ازداد أهمية بعد سطوع نجمها في الثورات العربية. وفي وقت انشغل صناع القرار في العواصم الغربية، ببحث الدور الذي سيلعبه الإخوان المسلمون في الشرق الأوسط المتغيّر، حتى قبل أن يسقط نظام حسني مبارك في مصر، دأب المتابعون على رصد العلاقة بين «الإخوان» والغرب بتوجّس بالغ. وفي خضم هذا البحث، احتل «إخوان» أميركا وأوروبا حيّزاً مهماً، طال حقيقة علاقة هؤلاء بـ«إخوانهم» العرب والدور الذي يمكن أن تلعبه أميركا على هذا الخط. 

لورنزو فيدينو، باحث متخصّص في الإسلام والعنف السياسي في أوروبا وشمال أفريقيا، تابع هذا الموضوع على مدى سنوات عدة، وسجّله في كتابه الأخير الذي حمل عنوان «الإخوان المسلمون في الغرب». وقد أعاد فيدينو، الناشط في مؤسسات بحثية عدة منها «راند» و«بلفر» وجامعة «هارفرد»، مؤخراً طرح السؤال حول حقيقة الدور الذي يلعبه الإخوان المسلمون في الغرب، وهل له تأثير حقيقي على «إخوانهم» العرب، في تقرير مفصّل نشره معهد أبحاث السياسة الخارجية (Foreign Policy Research Institute) الأميركي. 

 

عبد الرحمن العمودي.. الأب المؤسس غربياً

 

تشكّل استعادة قصة عبد الرحمن العمودي خير مثال لتوضيح الدينامية التي تعمل من خلالها «الجماعة» في أوروبا. فقد وصل الشاب القادم من طبقة ميسورة في بلاده أريتيريا إلى أميركا في العام 1980 لمتابعة دراسته في جامعة «بوسطن». وبعد حصوله على الشهادة، انتقل العمودي إلى واشنطن حيث انخرط في مجموعة من المنظمات الإسلامية. وقد نجح لاحقاً في نسج شبكة واسعة من العلاقات مع مسؤولين رفيعي المستوى في المؤسسات السياسية الأميركية، حتى تمكن في العام 1990 من تأسيس المجلس الإسلامي الأميركي، وأصبح من الزوار الدائمين إلى البيت الأبيض، بعد أن ربطته علاقات وثيقة بالحزبين الجمهوري والديموقراطي.

حظي العمودي، الذي استطاع جذب العديد من الشبان الميسورين في أميركا إلى صفه، بدعم وزارة الدفاع التي ائتمنته على اختيار رجال الدين المسلمين الذين يتعامل معهم الجيش، كما أشاد مكتب التحقيقات الفدرالي بمنظمته باعتبارها الأكثر انتشاراً في الولايات المتحدة. في وقت عينته وزارة الخارجية سفيراً للنوايا الحسنة وطلبت منه السفر في جميع أنحاء العالم على اعتباره النموذج المثالي للتعريف بالمجتمع الإسلامي.

ولكن في العام 2003، قُبض على العمودي في مطار «هيثرو» في لندن وبحوزته 300 ألف دولار، أظهرت التحقيقات أنه استلمها من النظام الليبي في العام 1995 لدعم مؤامرة «غامضة» مرتبطة بتنظيم «القاعدة» لاغتيال ولي العهد السعودي الأمير عبد الله. كما أظهرت التحقيقات ارتباط العمودي بصفقات مالية عدة مع «حماس» ومنظمات دينية عربية أخرى. وهو يمضي اليوم حكماً بـ23 عاماً في السجن. لم يشكّل اعتقال العمودي صدمة كبيرة للمتابعين، فالعمودي لم يكن يتردّد في إظهار دعمه علناً لحماس و«حزب الله»، ولكن قضيته و«مجلسه الإسلامي» أثارا تساؤلات عدة. ففي العام 1996، زعم المجلس انه يضم 5 آلاف عضو من أصل سبعة ملايين مسلم أميركي، ومن هنا يُطرح السؤال: كيف يمكن لشخص تمثل مجموعته هذه النسبة الضئيلة من مسلمي أميركا أن يصبح المتحدث الرسمي باسمهم في واشنطن؟ 

في الواقع، جعل هذا السقوط «المرتفع» للعمودي من قضيته فريدة من نوعها. فهي أظهرت طبيعة عمل الإخوان المسلمين بشكل عام أولا، والدينامية التنظيمية للإخوان المسلمين في أميركا ثانياً، أما ثالثا، وهو الأهم، فكشفت أن أميركا تتعامل مع المجتمعات الإسلامية والإخوان المسلمين بشكل منفصل. 

 

الإخوان المسلمون.. من مصر إلى العالم

 

يُعدّ الإخوان المسلمون الجماعة الأقدم والأكثر نفوذاً من بين الجماعات الإسلامية الأخرى. تأسست في العام 1928 في مصر على يد حسن البنا، وتصدت للاستعمار الانكليزي بخطاب إسلامي، ناقض ذاك الغربي الذي تبنته الجماعات المقاومة للاحتلال في تلك الفترة. 

في البدايات، ارتكزت الجماعة في عقيدتها على التراث الديني لحلّ المشاكل المستجدة، لتنتقل لاحقاً إلى انتهاج طريقة عمل مغايرة، تحاكي الحركات السياسية الحديثة، لجهة انتشار الأفكار وحشد التأييد.

عند انطلاقتها، انحصر هدف «الجماعة» في أسلمة المجتمع من خلال التبشير، وقد احتل العنف جزءاً من المعادلة الأصلية التي تبنتها. فبين عامي 1930 و1940، لجأ «الإخوان» إلى العنف ضدّ أعدائهم، سواء كانوا من البريطانيين أو اليهود أو داخل المجتمع المصري. وذاقوا بدورهم كأس هذا العنف لاحقاً في العام 1960 عندما تعرضوا لقمع عنيف على يد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

وبعد أن أدرك معظم «الجماعة» أن العنف ضد عبد الناصر كان خيارا فاشلا، انحازوا إلى المعارضة غير العنيفة، سعيا لأسلمة المجتمع عبر التربية، كما انخرط بعضهم لاحقا في العملية السياسية.

غير أن جناحا أصغر، يقوده فكر سيد قطب الديني، اختار العنف. ويرى هذا الفصيل أن الأسلمة من أسفل كانت بطيئة للغاية، وسوف تعوقها قوى محلية وأجنبية. وقد ظلت فكرة قطب عن العنف المبرّر دينياً، تلهم أجيالا من الجهاديين في أنحاء العالم. وقد تأثر عدد من قيادات القاعدة في بداية حياتهم بالإخوان، ومن بين هؤلاء أسامة بن لادن، بيد أن أملهم خاب في المنظمة لاحقا.

من جهة ثانية، كان هناك جناح ثالث قد بدأ يتشكل في العام 1960 على يد مجموعة الإسلاميين المنفيين أو اللاجئين إلى الخارج، سواء في دول الخليج أو في أوروبا وأميركا.

واليوم، يعمل «الإخوان» وفقاً لمعايير مختلفة تراعي المحيط الذي يضمهم، إذ فشلت محاولات خلق هيكل عالمي أكثر رسمية، وبدلا من ذلك اتخذت الحركة عدة أشكال. فهي تعمل كحزب سياسي عندما يكون ذلك مسموحاً، مثلما في الأردن، وعندما يتم حظرها، كما في سوريا تبقى سرية، وفي الأراضي الفلسطينية، اتخذت شكلا مميزا وصارت مستقلة تحت عنوان «حركة حماس».

وتعمل كيانات «الإخوان» بصورة استقلالية على الرغم من أنها تتفاعل عبر شبكة من العلاقات الشخصية والمالية والأيديولوجية، ويسعى كل منها لتحقيق أهدافه على النحو الذي يراه مناسباً. ويربط بينها إيمان عميق بالإسلام كوسيلة للحياة، حتى أنها تأمل أن تتحول في الأجل الطويل إلى نظام سياسي، يستخدم أساليب مختلفة فى أماكن مختلفة.

وتستفيد «الجماعة» اليوم، بعد سنوات من النضال بلا هوادة الذي عززته مرونة الايديولوجيا وغزارة التمويل، من انتشار عالمي يضاعف نفوذها. وهي، وإن لم تضم في الغرب مناصرين كثراً، إلا أنها بفضل ما ذكر سابقاً نجحت في احتكار الخطاب الإسلامي الغربي وتسييره وفقاً لما يلائم مصلحتها، تفسيراً وعملاً. ومن الواضح أن ليس هناك من قوة تنافسها غربياً في مراكز صناعة القرار، والعمودي كان خير مثال على ذلك.

 

«الإخوان».. في أميركا 

 

يتمتع «الإخوان» في أميركا بشبكة عريضة من المؤسسات بدأت بنواة صغيرة في العام 1960 هي جمعية الطلاب المسلمين، وتطورت اليوم لتضم مؤسسات واسعة النفوذ أهمها «مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية» (كير) و«الجمعية الإسلامية لأميركا الشمالية» (إسنا). ولكل منظمة منها نشاطاتها الخاصة وموقعها الالكتروني ومؤتمرها السنوي وفروعها الإقليمية. ولكن وحدتها تظهر من خلال مصادرها المالية المشتركة ومجالس إدارتها المتشابكة. 

ويشكل قادة هذه المنظمات نخبة من الزعماء الأثرياء بمستويات تعليمية عالية، تجعلهم، وإن كانوا لا يتمتعون سوى بأتباع قلائل، واسعي النفوذ. ولكن ما سبب هذا الاحتكار للسلطة؟ قد ينطلق الجواب من أسباب ثلاثة: الأول هو المهارات التنظيمية التي تمتلكها الجماعة. الثاني هو عدم وجود مؤسسات منافسة تتمتع بالمؤهلات نفسها. أما السبب الثالث، فهو تمتعهم بشبكة علاقات واسعة ومصلحة متبادلة مع مراكز القرار الأميركية.

وفي هذا السياق، كشفت العديد من التحقيقات الصحافية وجود تعاون بين الإخوان والاستخبارات الأميركية يرجع إلي الخمسينيات من القرن الماضي، وهو تحالف سري تم بمقتضاه الاتفاق على قضايا متنوعة مثل القتال ضد الشيوعية وتهدئة بعض التوترات للأوروبيين المسلمين. وقد دعمت «سي آي إيه» علنا سعيد رمضان، صهر حسن البنا، وكانت تطلق عليه «عميل» الولايات المتحدة، كما ساعدته في الستينيات على الاستيلاء على أرض مسجد ميونيخ وطرد المسلمين المقيمين ليبني المسجد عليها، والذي يعد من أهم مراكز «الإخوان» التي تمارس عملها في أوروبا بفضل التمويل السعودي.

وفي هذا السياق، يحضر إلى الذهن الحديث عن موقف «إخوان» الغرب من «إخوانهم» العرب، حيث لا يمكن وضع الطرفين في سلة واحدة. فصحيح أن الجماعة في أميركا ترتبط تاريخياً وتنظيمياً بنظيرتها في الشرق الأوسط، كما بنظيرتها في أوروبا التي أسس ركائزها سعيد رمضان في الخمسينيات. ففي السنوات العشرين الأخيرة، عدّل «الإخوان المسلمون» في الغرب خططهم وأهدافهم، وانطلاقاً من كونهم منظمة براغماتية، أظهروا أنهم لن يسعوا لان يطبقوا بصورة عمياء ما أقره مؤسسهم في مصر. وبالتالي، لا شك بأن الفروع الغربية للجماعة تدعم وصول الإسلاميين مؤخراً إلى السلطة، كما تنسق معهم على جبهات عدة، إلا أن الأهداف الداخلية تختلف من بلد إلى آخر. 

الانقسام الأميركي حيال «الإخوان»: 

 

تفاؤل vs تشاؤم 

 

ينقسم الخبراء والمسؤولون الحكوميون في النظر إلى الإخوان المسلمين بين مدرستين. المدرسة الأولى يوصف أنصارها بالمتفائلين، وهم من يقفون في صف الحوار مع «الإخوان»، الذين يعتبرونهم السلاح الأمثل لمحاربة التطرف الإسلامي. وفي المقابل، فإن المدرسة الثانية تضم المتشائمين الذين يرون أن «الإخوان» ذئاب في ثياب حمل، فهم يشاطرون المتشددين جدول أعمالهم غير أنهم يتخفون وراء قناع الخطاب المزدوج.

ويستند «المتشائمون» إلى ما تكشفه وثائق محاكمة «مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية»، وهي مؤسسة خيرية مقرها ولاية تكساس أدينت في العام 2008 بتقديم أموال لحركة «حماس»، عن وجود شبكة عريضة للإخوان تربط «حماس» بـ«مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية» و«الجمعية الإسلامية لأميركا الشمالية»، على الرغم من أن المنظمتين تنفيان وجود مثل هذه العلاقة نفيا قاطعا. 

سؤال مهم يطرح في هذا الإطار: كيف ينبغي على الحكومة الأميركية أن تتصرف مع «الجماعة»؟ بداية، لا بدّ من الاعتراف بأن الموضوع معقد للغاية، لا سيما في التعامل مع حركة تمزج بين السياسة والدين، وتحديداً الدين الذي يخيف الغرب. وإذ يظهر «الإخوان» اعتدالاً مرغوباً لدى صناع القرار الغربيين، يتوجس كثيرون من خطابهم المزدوج. وأكثر من ذلك، لقد تحدثت الإدارة الأميركية عن أفكار راودت بعض العناصر من داخل وكالة الاستخبارات ووزارة الخارجية تقضي بالعمل مع «الإخوان» ضد «القاعدة»، وفق مبدأ «ضرب الحديد بالحديد».

ولكن فيما يقدم الإخوان المسلمون أنفسهم بديلاً معتدلاً للمجموعات السلفية الأكثر تطرفاً، يعتقد كثر أن الاختلاف يكمن في التكتيكات فقط. فرؤاهم حول المجتمع الإسلامي المثالي متماثلة، لكن السلفيين جامدون ويرفضون المساومة حول أفكارهم. أما الإخوان المسلمون، من جهة أخرى، فأكثر من راغبين في المساومة والمشاركة في النظام السياسي. 

من هنا ازدادت التحذيرات الأميركية من أن توصل كل من واشنطن و«الإخوان» للتعايش معا، لا يعني حدوث نجاحات كبيرة فى السياسة الخارجية. فربما يؤدي حصول الجماعة على بعض النفوذ إلى أن تصبح أكثر براغماتية، ولكن معارضة سياسة الولايات المتحدة في المنطقة تمثل حجر الزاوية فى أجندتها، ولن تساوم عليه، أقله علناً.

Script executed in 0.042158126831055