أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تفاهم مار مخايل: ضرورات التعبئة الجماهيرية.. تفرض المحظورات!

الأربعاء 28 كانون الأول , 2011 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,668 زائر

تفاهم مار مخايل: ضرورات التعبئة الجماهيرية.. تفرض المحظورات!

وقف «السيد» في ذكرى عاشوراء، يصول ويجول في مواقفه بين حروب الخارج ومعارك الداخل، متوقفاً عند شكوى حليفه ليقول بوضوح لا لبس فيه: ندعو الى تفعيل العمل الحكومي ونؤكد على صوابية مطالب «تكتل التغيير والاصلاح» وعلى رئيس الحكومة الاستجابة لهذه المطالب. لم تمض ساعات قليلة، حتى وجد «الفريق البرتقالي» نفسه وحيداً في مركب الحكومة المثقوب، لا من ينجده ولا من يسعفه في مشروعه التغييري. 

وحده عذْرُ عدم التنسيق المسبق تبرّع بالإجابة عن سيل من التساؤلات: هل هي بداية انهيار التفاهم «البرتقالي» ـ «الأصفر»؟ هل هي النقطة التي قصمت ظهر تراكمات عمرها من عمر الحكومة الميقاتية وربما قبلها؟ هل انتهى زمن الغنج والدلال؟ هل هي الشيخوخة المبكرة؟ هل هي الحاجة إلى تحديث آليات التنسيق؟ هل صار حمل التفاهم ثقيلاً على كتفي «التيار الوطني الحر»؟ أم أن لكل مرحلة مقالها؟ هل ضرورات التعبئة الجماهيرية ستفرض المحظورات؟ 

خلف تلك الحجة، التي لم ترو غليل الباحثين في ثنايا العلاقة الثنائية، تكثفت غيوم من الانتقادات المبطّنة، التي تصل تارة مسامع حارة حريك، وطوراً تُحمّل مسؤوليتها إلى الرابية، لكنها غالباً ما تعجز عن الارتقاء إلى مرتبة الملاحظات الطبيعية التي تجد عادة آليات تتولى معالجتها أو تذليلها. 

الصورة تجمع «السيد» و«الجنرال» فجأة خلال الأسبوع الماضي، وذلك بعد مضي أكثر من نصف سنة على آخر لقاء جمعهما خلال «معركة تأليف الحكومة الميقاتية». لا تقل أهمية الصورة شكلا عن مضمونها. استدرجها عمليا الانقسام الوزاري الذي شهدته طاولة نجيب ميقاتي بين موقعَي «تفاهم مار مخايل». كانت كافية لا بل ضرورية، لتضخ بعض الأوكسيجين في شرايين العلاقة التي ستنهي في شباط المقبل عامها السادس، وفق «السجل الرسمي» لرعية مار مخايل. 

التجربة الأولى من نوعها، التي لم يتجرأ أي فريق مسيحي على خوضها، ولم يراهن أحد، لا سيما ممن هم في صف الخصومة، على صمودها، ولدت بين جمهورين متمايزين: لم يكن صعباً على بيئة الحزب الأصفر أن «تهضم» الوثيقة، هي أصلاً لا تكن الكراهية للجنرال، ولذلك لم تبلع «التحالف الرباعي»، المخالف لطبيعتها، إلا بفعل دواء «التكليف». أما بيئة «التيار» فلم تعتد الإمساك بيد «الآخر». فكيف اذا كان هذا «الآخر» حزباً دينياً ارتبط اسمه وصيته بالسلاح... وعلى الرغم من ذلك، فإن ما حققه الجنرال لم يسبقه إليه زعيم مسيحي في تاريخ المسيحيين والكيان اللبناني. نقل أكثرية الجمهور المسيحي، لحظة كان يمثل الأكثرية المسيحية، من ضفّة الخصومة، إلى برّ التحالف مع «حزب الله». 

قالوا مرّة إنّ مجرد تعرّض «حزب المقاومة» لانتكاسة أمنية أو سياسية، سيدفع قيادة الرابية إلى إدارة ظهرها فوراً. وها هي حرب تموز (لم يكن قد مضى على التفاهم أكثر من خمسة أشهر) تقدم دليلاً ملموساً على التحام عضويّ بين الفريقين سيظل «ديناً إلى يوم الدين». وقالوا مرّة أخرى إن تخلي الحزب عن ترشيح «العماد» لرئاسة الجمهورية سيُحرج الأخير ليُخرجه من مربّع التفاهم، إلى فضاء الانفصال. وإذ بالاستحقاق الرئاسي يصل إلى قائد الجيش ميشال سليمان، يمر ولو بغصة، ولكن من دون أي آثار جانبية على علاقة أهل التفاهم ولو أن ميشال عون كان يأمل من 7 أيار أن يكون انقلابا كاملا، بالمعنى السياسي والسلطوي... 

محطات مفصلية كرّست عمق هذا التحالف الذي يقول «صنّاعه» إنهما خططا مع كتابة أسطره الأولى لنسج تفاهم استراتيجي، أبعد من التفاصيل اليومية وشياطينها. فهل ستفعل حكومة الأغلبية النيابية ما عجزت عنه الامتحانات السياسية السابقة؟ 

جلس الحليفان سوياً الى طاولة نجيب ميقاتي، وفي ذهن كل منهما أولويات مختلفة. يحسبها «التيار الوطني الحر» على أنها فرصة تاريخية لا بدّ من استثمارها حتى «آخر الكوب». يريد من هذه التركيبة «الاستثنائية» أن تساعده على تعويض ما فاته من أصوات تسرّبت خلال السنوات الأخيرة من جيوبه إلى مجاري الخصوم. هذه الفئة التي تُعرف بـ«المترددين»، هي التي قفزت خلال الانتخابات النيابية الأخيرة من مقلب إلى آخر. هي التي يُقال إن بعضها صوّت في الانتخابات على قاعدة معاقبة الجنرال على خياره التحالفيّ مع «حزب الله». 

يدرك «البرتقاليون» أن عصب جمهورهم يتفاعل على وتر الشعار الإصلاحي. على قدر ما يتصلّبون في تقديم جرعات إصلاحية، على قدر ما يلتصق بهم المؤيدون. وهو مستعد لخوض حروب يومية بوجه الجميع تكريساً لنهجه التغييري في مواجهة الفساد. 

وعلى مائدة الحكومة التي يعتبر «حزب الله» أنه ساند حليفه «البرتقالي» في مطالبه حتى حرفها الأخير، مجمّداً الولادة لأكثر من خمسة أشهر، تفتّحت الجراح. في كواليس «العونيين» يبرز «النق» من بين ثنايا الممارسات الحكومية، وكلام من نوع: حارة حريك تتعامل مع نجيب ميقاتي وكأن سعد الحريري لا يزال في السرايا الكبيرة. تتجنّب التصادم مع أي من مكونات السلطة التنفيذية حفاظاً على ماء التواصل. وفي الجعبة الكثير من النماذج: مع خطّة الكهرباء، دوّر «حزب الله» الزوايا على حساب مشروع حليفه. مع التعيينات الإدارية، أحس «التيار» أن المياه تجري من تحت قدميه فيما هو عالق أمام حائط الخلاف مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان. كان يفترض بنظره تجميدها في انتظار حلّ الاشكالية المسيحية. في ملف تصحيح الأجور، تنسيق مشبوه عزل الوزراء «البرتقاليين»، و«إذا كان الحزب على دراية بهذا التنسيق فتلك مصيبة، وإن كان لا يدري وسار به، فتلك مصيبة أكبر»... إلى أن أصلح التفاهم الثلاثي ما أفسده التصويت الحكومي وخاصة تصويت الثنائي الشيعي بوجه التصويت البرتقالي. 

همّ «حزب الله» الأول والأخير مذ أن «جلبه» القرار الاتهامي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى «قفص الاتهام الافتراضي»، يتركّز على احتواء أي خلاف سنيّ - شيعي. 

بعد السابع من أيار، اضطر الحزب لابتلاع «انتصاره» وتقديم أول تنازل بسبب خشيته من فتنة قد تطل برأسها، وقدّم الرئاسة الأولى على طبق التوافق، فيما كانت «القاعدة العونية» تنتــظر ترجمة لمصلحتها تتوج الانقلاب السياسي وتحمل قائدها إلى القصر الجمــهوري لأن الفرصة لن تتكرر مرة ثانية... 

لا يخشى «التيار» على جمهوره «البرتقالي» من ترغيب الخصوم ولا ترهيبهم. هؤلاء الناس مخلصون لـ«القائد». المشكلة تكمن في الـ30% من الرأي العام المسيحي، المتقلّب على جمر المواقف غير المقنعة. خلال النقاشات المشتركة بين الفريقين الأصفر والبرتقالي، كان التركيز على هذه الفئة: المطلوب تحسين الأداء، والتخفيف من الهفوات، لجذب الشريحة الأكبر من هذه الفئة المترددة. 

بدءاً بسبابة «السيد»، لغة التهديد والوعيد، التعابير المستخدمة، المظاهر العسكرية، وصولاً إلى البرامج التلفزيونية والإطلالات الإعلامية... استفاض الفريقان في عرض التفاصيل «الملتبسة» بهدف تكثيف طلات النماذج التي تشبه بتواضعها السيد نصر الله، واستبعاد النماذج التي قد تثير النقزة في نفوس الجمهور المسيحي. 

ولكن الكلام في الصالونات شيء، والأداء على الأرض شيء آخر. يشعر الجمهور العوني أن «الحزب» بات يتعاطى معه على أنه تحصيل حاصل، في الجيب، لا خوف من ردة فعله. استخلص من تجربة الحكومة الميقاتية أن حليفه الأصفر لا يكترث لنهجه في محاربة الفساد، لا يصبغه بنفس الأهمية التي يوليها «التيار». لا يساعده على استرداد «الجمهور الضائع»، ولا يقدّر عواقب بعض التصرفات غير المقبولة مسيحياً: سقوط الضابط سامر حنا شهيداً صفعة مؤلمة لـ«التيار» عشية فتح صناديق الاقتراع في العام 2009. شبكة ترشيش للاتصالات تعطي الخصوم مادة سهلة للتصويب. مواجهة المجتمع الدولي بسبب المحكمة كادت تكون باهظة الثمن لولا التخريجة الميقاتية. «صرماية» نواف الموسوي قادرة على رفد سامي الجميل بكل مقومات الشعبية وتحويله إلى بطل بين ليلة وضحاها... 

الأولوية هي لمشروع الحزب الاستراتيجي، حتى لو اتخذ في بعض المرات بعداً أمنياً مثيراً للجدل، وللإحراج. هو بحاجة لكل الجالسين معه الى طاولة مجلس الوزراء. أما «التيار» فليس بحاجة إلا إلى جمهور، ويبدو أن الأخير صار يتأفف من أكلاف التفاهم. يراقب «التيار» إمعان الحزب في تصرفات تزيد من «نقمة» الفئة المترددة... وصار الخوف على تأثر جمهور «اللحم الحيّ»، أي البقعة البرتقالية. هي بدورها صارت تزين الأمور بميزان التفاصيل: الحزب ربح معنا بالجملة فيما يضيّق علينا الربح بالمفرق. فهل بات من الأفضل البحث عن تحالف جديد يعطي كل ذي حق حقه؟ 

وبالفعل، فإن «الحزب» لا يعاني من عقدة نقص جماهيرية قد تصيب حليفه البرتقالي: لا يجوز مقارنة أرقام 2005 و2009، لكل لحظة تفسيرها. كانت الأولى عاطفية بامتياز، عرف وليد جنبلاط كيف يوصّفها. الثانية عقلانية تعبّر عن خيار سياسي واضح، أفرزته صناديق «الحرب الكونية» التي أثبتت أن شعبية «التيار» جبل لا يهزه ريح. 

بالمبدأ، تعترف قيادة الحزب بارتكاب بعض «الهفوات»، غير المقصودة من جانبها، والتي تسعى إلى معالجتها، لأنها لا ترغب بإحراج حليفها وإنما بإكمال صورته، «فنحن من البشر ولسنا مثاليين». ولكن يبقى الأهم بالنسبة إليها هي نظرة «الجنرال» وقراءته لمسار التفاهم، غامزة من قناة التفلت الحزبي في هرمية «التيار» والذي يحول في بعض الأحيان دون وصول الصورة الصحيحة عن دقائق الأمور وحقائقها إلى كل الكوادر: جنرال الرابية يعرف جيداً أن الحزب مؤيد لنهجه الإصلاحي، ويعلم جيداً أن السياسة في لبنان هي القدرة على جمع التناقضات في مربع واحد ملّون طائفياً. وبالتالي فإن اتهام الحزب بالإجحاف في التعامل مع حليفه المسيحي، فيه ظلم لأن القرار ليس بيد الضاحية الجنوبية. 

يقر قياديون في الحزب بوجود مناطق فراغ في فهم الأمور، يستطيع الآخرون من خلالها التسلل لبث أجواء سلبية عن العلاقة: ليس كل ما يُرى هو الجوهر، فبعض القشور قد تطفو على الوجه. «التيار» هو الحليف الأول حتى لو اضطر الحزب لوضع القفازات في تعامله مع الآخرين. لسنا بحاجة الى تقديم براءة ذمة، ويكفي الإشارة إلى أنه في خطة الكهرباء، مارس الحزب الضغوط كي ترى النور، وفي مسألة تصحيح الأجور ظُلم لكنه لم ينطق بكلمة.

ولا يتوقف الحزب عند سرد بعض «المظاهر العسكرية» التي «يشكو» التيار من عدم قدرته على تبريرها في شارعه أو الترويج لها. كما لا يقيس الأمور بميزان الربح والخسارة بينه وبين «البرتقاليين»: يكفي استعادة بعض خطب الجنرال التي بدا فيها مقاوماً أكثر من المقاومة ومدافعاً عن حقوقها أكثر من ناسها، كي لا نشعر بالخوف على جمهور التيار. لو صحيح أن ارتباط هؤلاء الناس بالقيادة العونية ضعيف، يستدعي التنبه له، وأن أداء الحزب مسيء للجمهور «البرتقالي»، لما ذهب قائده بعيداً في مواقفه، وكان حرياً به التخفيف من هذا «الدوز»... 

على عتبة انتهاء عامه السادس، يترك التفاهم الارتياح في ذهن «حزب الله»: لقد أعطى ثماره على أكثر من مستوى، ولا يزال عمره طويلاً، ولا يزال المستقبل أمامه مفتوحاً على مصراعيه، لأنه يقف على أرض صلبة. المهم أنه لم يُمس في جوهره، وبعض الاشكالات المطروحة بسبب عدم التنسيق على طاولة مجلس الوزراء قابلة للحل، لا سيما بعد الاتفاق الأخير القاضي بإجراء مراجعة مشتركة قبل دخول الجلسة الحكومية. 

أما في الملعب البرتقالي فإن الجمهور يقف عند الكوع، ويعدد «الخطايا». وفي أجندته ثمة قضايا كثيرة تنتظر معالجتها ضمن إطار التفاهم: عودة اللاجئين إلى إسرائيل، حل قضية المفقودين في السجون السورية، النهج الإصلاحي... والأهم من ذلك الاستفادة من موقع السلطة، سواء عن طريق فتح حنفية الخدمات أو الدخول الفعلي الى جنة الادارات والمؤسسات العامة. 

يدرك العونيون أن نسبة عالية من الجمهور المسيحي المتردد تتأثر الى حد كبير بالخدمات. هي الفئة التي كانت توالي في زمن الوصاية، قيادات مسيحية كانت سورية حتى العظم لكنها كانت كريمة جدا بالخدمات، ولعل المتن الشمالي وبعض التجارب النيابية في كسروان ومناطق أخرى خير دليل على صوابية هذا الاستنتاج. هؤلاء استفادوا من مواقعهم وتغلغل أزلامهم في الادارة من أجل توفير الخدمات، وعندما طويت الحقية السورية، صاروا جزءا من حقبة جديدة غلبوا خلالها ولاءهم لسعد الحريري واستفادوا كثيرا من تجربة التربع على عرش السلطة على مدى خمس سنوات متواصلة. 

لقد كان مبررا أن يعاقب العونيون على مدى خمس سنوات، بما في ذلك أثناء مشاركتهم من موقع الأقلية في حكومتي فؤاد السنورة (2008) وسعد الحريري (2009 ـ 2010)، لكن هل يعقل أن تستمر حالة المعاقبة اليوم، بينما هناك من يهمس في أذنهم ليل نهار أنكم تشكلون ثلث الحكومة وهذه فرصة لن تتكرر لغيركم مسيحيا، بينما المردود صفر حتى الآن. 

على التفاهم أن يقدم جوابا مقنعا للعونيين، حتى يقنعوا أنفسهم قبل أن يقنعوا جمهورهم، وهذا الأمر يتطلب مقاربة استراتيجية من ركني التفاهم لمجموعة عناوين سياسية، فضلا عن الالتفات الى البيت البرتقالي الداخلي.. وللأمر حكاية أخرى صار من المملّ تكرارها!


Script executed in 0.031723022460938