لكن مشكلة توفير الراتب الشهري لا تبدو مطروحة لدى زميله يوسف، بسبب الحال المادية الجيدة لوالده التاجر، حيث يحضر نفسه لاستلام مسؤولية المؤسسة التجارية التي تملكها العائلة، وكل ما يريده من الحضور إلى المدرسة هو مجرد «ملء» أوقات الفراغ لديه، بعدما تم طرده من مدارس أخرى، لينتهي به المطاف في «متوسطة الهرمل». ولا يتردد زميلهما حسين في التأكيد أن الهدف الوحيد لانتسابه إلى المدرسة هو «الحصول على مجرد ورقة» (إفادة)، تخوله التقدم إلى أي وظيفة والفوز بها، لأن والده يستطيع شراءها مهما كان ثمنها و«كل شيء في لبنان يتم بالواسطة».
إنها بعض جوانب من حوار دار في اليوم الأول للعام الدراسي الحالي، بين تلامذة الصف السابع الأساسي والمدرس الذي أمضى العدد الأكبر من سنوات عمله في المدرسة، يوضح قائلا: «لا تتوقف إدارة المدرسة كثيرا عند الحال السلوكية لأي تلميذ يتقدم بطلب الانتساب اليها»، يضيف: «يعود السبب في ذلك إلى أن العدد المطلوب من التلامذة لاستمرارها مفتوحة، يتقلص عاما بعد آخر، وبات يقارب السبعين تلميذا في بناء يستوعب أكثر من خمسمئة تلميذ، وبالرغم من تجهيز إحدى غرفها لتعليم الكومبيوتر وأخرى للمختبر، وان كانت بعض غرف صفوفها تحتاج للصيانة العامة، بسبب إهمالها وتخلع أبوابها التي باتت عرضة لتلاعب الرياح بها، بعدما غادرها آخر التلامذة قبل أعوام بدون أن يحل محلهم آخرون».
ويخلص الناظر العام الجديد في «متوسطة الهرمل الرسمية الأولى» فؤاد علوه بعد توليه المهمة قبل نحو شهر، إلى أن «كل مدرسة رسمية في منطقة الهرمل تكاد تتحول إلى مدرسة «محسوبة» على هذه العشيرة أو تلك العائلة، وراح مستواها التعليمي يتقلص تدريجا، بعدما بات الاهتمام «الحكومي» بالتعليم الرسمي شبه معدوم، باستثناء تأمين الرواتب للمدرسين، وإيجارات بعض المدارس، وسلف لا تصل إلى صناديقها في الوقت المناسب منذ سنوات، ما يجعلها في عجز وإرباك دائمين مع انطلاقة كل سنة دراسية». يضيف علوه «الأمر وصل الى حد استخدام النفوذ والواسطة من قبل بعض الأهالي لتسجيل أبنائهم في المدرسة، بغض النظر عن المستوى الأكاديمي، أو السلوك الذي يؤهلهم لذلك، وهو ما يجعل عادات وسلوك التلامذة الفاشلين دراسياً والمشاغبين سلوكيا يطغى على زملائهم الآخرين، وشرعت تلك الظاهرة تتضاعف في ظل الفقر المتزايد والتحلل الذي يغزو المجتمع اللبناني عموماً، وريفه الفقير على وجه الخصوص، والذي يكاد الدور الفعلي للدولة فيه يكون معدوما في مواجهة ظواهر الفقر المدقع والتفكك والفوضى التي تهدد المجتمع اللبناني». ويدل العدد المحدود لتلامذة «متوسطة الهرمل الأولى» على مدى التراجع الذي أصاب المدارس الرسمية في القضاء، بفعل الإهمال الرسمي من جهة والروتين والمشاكل الإدارية التي تواجهها من جهة أخرى، وعلى التدهور الخطير الذي وصل اليه مستوى التعليم الرسمي في الهرمل، والذي يطاول العدد الأكبر من مدارس القضاء، وإن كان يختلف نسبيا بين مدرسة وأخرى، بفعل الجهود والمتابعة التي قد تبذلها الإدارة والكادر التعليمي في هذه المدرسة أو تلك. وقد بات ذلك شرطا وحيدا للحفاظ على الحد الأدنى من إنتاجية ومستوى للمدرسة الرسمية. وأمكن تحقيقه في «متوسطة الهرمل الثالثة»، الذي وصل عدد تلامذتها الى أربعمئة وستين تلميذاً، والتي لا يملك كادرها الإداري والتعليمي أي أفضلية غير متوفرة في المدارس الرسمية الأخرى، سوى بعض التصميم والمبادرة وكادرها التعليمي الذي جاء ضمن القانون الصادر بالتزامن مع افتتاحها قبل نحو عشر سنوات، واشترط حصول أي مدرس جديد سواء للتعاقد أو الدخول بالملاك على الإجازة الجامعية، بأن تكون غالبيته الساحقة من حملة الإجازة الجامعية. وهو ما يشير اليه ناظرها العام عبد الله علام، الذي يرى أن ما ساعد أيضا في الحفاظ على الحد الأدنى من الإنتاجية في المدرسة، كان الدور الداعم الذي تقوم به لجنة الأهل والتي لم تتأخر في التجاوب مع أي حاجة تجدها إدارة المدرسة ضرورية، وتصل إلى حدّ الحضور إلى المدرسة والوقوف في مواجهة التخريب والدعوات العشوائية للإضراب، التي يقوم بها بعض الأفراد في ظل حال الفوضى الأمنية التي تعيشها المنطقة.
ويتناول علام التأخير المتمادي لوزارة التربية في تأمين المبالغ المطلوبة لتغذية صناديق المدارس بعد إعفاء تلامذة مرحلة التعليم الأساسي من رسوم التسجيل، ما يجعل المدرسة في حالة دائمة من الإفلاس المالي والعجز عن تأمين ثمن المحروقات، في منطقة تتميز ببردها القارس خلال فصل الشتاء، والذي يمتد لأشهر عدة، فضلا عن الحاجة للصيانة الضرورية للمبنى والتجهيزات الموجودة أو شراء تجهيزات جديدة والحراسة والنثريات واللوازم المدرسية.
ويعمل مدير «مدرسة الهرمل النموذجية» (قطاع مشترك بين وزارة التربية وإحدى الجمعيات الخاصة) هادي عاصي، التي تضم أربعمئة تلميذا وفق المثل الشعبي «عسكري دبر راسك»، من أجل معالجة المشاكل التي تواجهه، عندما يجد نفسه وحيدا في مواجهة مشكلة شائكة، تتطلب حلاً سريعا. ويصل عاصي إلى استخدام ذلك المثل كخلاصة لتجربته الإدارية وعلاقته بوزارة التربية، «التي ثبت لديه أن دورها بفعل الروتين الإداري القاتل، أصبح إضفاء المزيد من التعقيد على حلّ ومعالجة المشاكل التي تواجهها المدرسة الرسمية»، وحيث يصبح دور أي مدير كي يتمكن من إطلاق العملية التربوية في مدرسته أن يلجأ للمبادرة الشخصية وابتداع الحلول بنفسه لمعالجة المشكلات التي تواجهه.
ولفت عاصي إلى أنه، على سبيل المثال، لم يقم بزيارة «المنطقة التربوية» في البقاع، سوى لمرة واحدة منذ بداية العام الدراسي الحالي وحتى تاريخه، من أجل تقديم دراسة الحاجات الخاصة بالمدرسة للمعلمين، ويرجح أن تكون الزيارة الوحيدة خلال العام الحالي، لأن تكرارها في الأغلب لن يكون مجديا من أجل حلّ أي مشكلة تواجه المدرسة. ويضيف عاصي: «كثيرا ما أقوم شخصيا بشراء الكتب والقرطاسية والملابس المدرسية، لعدد كبير من التلامذة من حسابي الخاص، لأن دور الغالبية الساحقة من أهالي التلامذة، يتمثل بإرسال أبنائهم إلى المدرسة فقط، من دون تأمين الحدّ الأدنى من حاجاتهم الضرورية، بما في ذلك التهرب حتى من شراء القرطاسية ودفع رسم التسجيل والرسم الخاص بمجلس الأهل والذي يتراوح بين 50 و 70 ألف ليرة لبنانية فقط عن التلميذ الواحد. ويؤكد أن «الدور الرئيسي لوزارة التربية يكاد ينحصر في إرسال المزيد من المدرسين المتعاقدين، الذين لا حاجة للمدرسة بهم، إرضاء لهذا النائب أو ذاك الزعيم السياسي، الذي يقدم لائحته لوزارة التربية التي عليها أن تؤمن لهم مدارس يتعاقدون فيها، دون الاستناد إلى أي ضوابط أكاديمية، أو حاجات حقيقية، ويجد المديرون أنفسهم في الكثير من الأحيان أمام مشكلة تأمين عدد من ساعات التعاقد لهذا المدرس «المدعوم» أو ذاك، التـــي قد تصل إلى الساعتين أو الثلاث ساعات في الأسبوع الواحد، ما يشكل إرباكا كبيرا للإدارة لأنه يتطلب منها إعـــداد برامج جديدة، بعد أن تكون قد مضت أشهر عـــدة على بداية العام الدراسي، بل كثيراً ما يتم إرسال متـــعاقدين إلى المدارس قبل شهر من انتهاء العام الدراسي، وبهــدف وحيد فقط هو حجز مكان لهم للعام الدراسي المقبل».
ويوضح العضو في مجلس روابط التعليم الاساسي الرسمي علي المصري أن لائحة المشاكل التي تعصف بالتعليم الرسمي في لبنان تطول، بدءا بالأبنية غير المناسبة وشبه إفلاس صناديق المدارس، ومرورا بنقل المعلمين الذي لا يأخذ بعين الاعتبار الحاجات الحقيقية للمدارس، وعدم إعطاء المعلمين الحد الادنى لحقوقهم التي تسمح لهم بالعيش الكريم، وانتهاء بعدم توفير التقنيات المطلوبة لتطبيق المناهج التعليمية الجديدة، والتي باتت بحاجة لتعديل قبل أن تطبق. ويرى المصري أن ذلك يحصل «بسبب الإهمال المتمادي للتعليم الرسمي، من قبل الحكومات المتعاقبة، والذي بات في تراجع مستمر، ما جعل الأكثرية الساحقة من اللبنانيين تحجم عن تسجيل أبنائها في المدارس الحكومية، باستثناء الطبقات التي تعيش بالقرب أو تحت خط الفقر، والتي ليس لديها من خيار آخر لتعليم أبنائها غير ذلك الخيار «المر». ويعتبر المصري أن تلك المشكلات «تبدو أكثر حدة في منطقة كالهرمل، تتميز ببعدها الجغرافي عن العاصمة بيروت، والحرمان المزمن والتهميش الذي تعانيه منذ عقود طويلة بالرغم من أنه يوجد فيها 20 مدرسة ابتدائية ومتوسطة، تضم ما يزيد على ثلاثة آلاف تلميذ، وأربعمئة مدرس، وكذلك ثلاث ثانويات رسمية تضم أكثر من ألف تلميذ و130 معلماً، ومهنيتين رسميتين تضمان ما يقارب 850 تلميذا وثلاثمئة معلم، والتي جعلت المدرسة الرسمية فيها حاجة ماسة خصوصا إنها من المناطق الأكثر فقراً في لبنان، وترك مدارسها الرسمية رهن المبادرة والكفاءة الإدارية والأكاديمية التي يتميز بها الجهازان الإداري والتعليمي في كل مدرسة، ومستوى تعاون الطرفين في معالجة تلك المشاكل، وهي عناصر نادرا ما تكون جميعها متوفرة في مدرسة معينة، بسبب الجمود الذي يصيب دور وزارة التربية، التي تتحول تدريجا إلى مجرد إدارة لتأمين بعـــض الأمور اللوجـــستية، بدلا من أن تكون السلطة المعنية بوضع وتنفيذ خـــطة متواصلة ودائمة للنهوض بالمدرسة الرسمية، بما يجعلـــها في تطور دائم، وعلى صلة بكل ما هو تربوي وعلــمي وأكـــاديمي حـــديث واعــتماد لمبدأ الثواب والعقاب».