أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عندما تُشغل المنطقة الكبار... ولا يعود لبنان في سلّم الأولويات

السبت 31 كانون الأول , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 971 زائر

عندما تُشغل المنطقة الكبار... ولا يعود لبنان في سلّم الأولويات

أقلعت أحداث العام 2011 مسرعة بتسمية نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة، بعد سحب البساط من تحت رجلي «نجل الشهيد»، ثم عادت وهمدت على وقع «الزلزال العربي»، من قلب الشام إلى المغرب العربي، لينعم بطفرة سياحية هبطت على «بلاد الأرز» هرباً من حمم براكين الاحتجاجات الشعبية. 

بقعة العشرة آلاف كيلومتر مربّع، التي استقطبت خلال السنوات الست الأخيرة، كلّ أنواع الزوار، ومقاماتهم، من عرب، فرس، أتراك، أوروبيين، وأميركيين، بدت خلال الأيام الثلاثمئة والخمسة وستين الأخيرة، شبه جزيرة معزولة عن «أشقائها». تتفاعل مع حراكهم، بالحد الأدنى من التواصل. لا تصفية حسابات على طاولتها. لا رسائل بريد عابرة لصناديقها. ولا أثر لانعكاس الاشتباكات المتنقلة من حولها. 

في أول أيام السنة المودّعة، كان وزيرا الخارجية القطري والتركي محمد بن جاسم وأحمد داود أوغلو في بيروت يحاولان بلورة بعض الأفكار علّها تبث الروح في «السين السين» التي احتضرت على فراش العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز في العاصمة الأميركية. أقفل الرجلان عائدين إلى بلديهما، بعدما سدّت بوجهيهما كلّ منافذ الحوار. ومعهما انكفأ «مشروع» دور تركي خجول، حاول التسلل إلى العاصمة اللبنانية، من خلال البوابة السورية. ومعهما أيضاً عادت الدوحة إلى الدوحة، التي لم تجد لها موقعاً في «حقل الألغام» اللبناني، تبحث لها عن فرص أكثر سهولة تبرز من خلالها عضلاتها الرخوة. 

عودة الباشوات 

يوم وصلت القوات التركية للمشاركة في عديد قوات الطوارئ الدولية، سلكت هذه الفرقة طريق البرّ عبر الأراضي السورية للوصول إلى الجنوب اللبناني. مشهد مفعم بالدلالات «المباركة» للخطوة التركية، والتي تؤكد أن أنقرة تدرك جيداً أن بيروت هي الحديقة الخلفية لدمشق، وأنه لا مجال للعب على الشطرنج اللبنانية إلا بإذن من «الملك» السوري. وهي تعلم جيداً أن التدخّل المباشر في الملعب اللبناني، أسوة باللاعبين الأساسيين، أي دمشق، طهران، والرياض، غير متيّسر. وهي لذلك، لم تهمل التنسيق مع القيادة السورية في كل شاردة وواردة قبل الإقدام على أي زيارة لمسوؤل تركي إلى العاصمة اللبنانية. 

فالقيادة التركية الجديدة، التي استفاقت على أحلام التوسع العثماني، مع وصول «حزب العدالة والتنمية» إلى رأس السلطة، تعرف أن حدود تحركها في بيروت ضيّق جداً. لا مفاتيح لها، ولا قنوات تسمح لها بتوسيع دائرة نفوذها. ثمة علاقات وثيقة تربطها ببعض الشخصيات اللبنانية، كرئيس الحكومة السابق سعد الحريري، أو رئيس الحكومة الحالي نجيب ميقاتي، أو حتى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، لكنها ليست كافية كي تبني مركز قوة أو استقطاب في العاصمة اللبنانية، كما يقول الخبير في الشؤون التركية الدكتور محمد نور الدين. 

لكن أنقرة التي قررت اختراق حدودها، واقتحام المستنقع اللبناني، لم تنجح في الإمساك بالكرة بيديها. بقيت دوماً في صفوف لاعبي الاحتياط. دور ثانوي يتمّ استدعاؤه عند الضرورة، أو في حال تعب «اللاعبين النجوم». ولذلك، عندما ارتدت العلاقة التركية - السورية ثوب التوتر، لا بل التلويح بالتدخل العسكري، وسدّت كل قنوات الحوار بين العاصمتين، أخرج الدور العثماني من البقعة اللبنانية كاملا. أصلاً التركيبة اللبنانية السلطوية القائمة، غير المؤيدة للسياسات التركية، لا تسمح بنفاذ «الباشاوات» إلى المربع اللبناني، وإن كان على رأسه من تربطته علاقات طيبة مع القيادة التركية... ولكن الأخيرة تدرك جيداً أن القرار السياسي صار في مكان آخر. 

حدث معبّر، كان كافياً لشرح الاستراتيجية التركية في المنطقة. قرار الحكومة التركية بوقف المشاركة في أسطول الحرية الثاني، له تفسير واحد: المطلوب تركيز كل أنظار المنطقة على المشهد السوري من دون سواه. تخشى أنقرة افتعال مشكل مع إسرائيل من شأنه أن يزيح الاهتمام عن الكادر الدمشقي، وذلك في سياق الضغوط التي تمارسها الجارة الشمالية على النظام البعثي. لذا من غير المفاجئ بنظر الدكتور نور الدين، أن ينكفئ الكثير من اللاعبين الإقليميين عن المسرح اللبناني، بعدما صارت الأولوية في موقع آخر، والمصلحة تقتضي عدم تفجير الداخل اللبناني في هذه المرحلة، بانتظار جلاء الغبار عن بلاد الأمويين. 

لكن تركيا لم تتمكن بعد من رسم دورها الإقليمي، وفق أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية الدكتور هلال خشان، وإن كان نموذجها في الحكم قد يعمّم على بعض الأنظمة العربية «المستحدثة»، ويحاول الأتراك إرسال الكثير من الإشارات إلى أكثر من بقعة تحيط بهم، من باب التأثير عليها، والتمدد إلى داخل حدودها. وعلى رغم أن انطلاقتهم «التوسّعية» بدت صاروخية، إلا أنهم عادوا وخففوا من وتيرة حماستهم لحظة أدركوا أن منسوب تدخلهم أسرع من رغبة مراكز القرار الدولي والتطورات الحاصلة. أما لبنانياً، فقد تعاطت أنقرة مع حيثيات هذا الملف بحذر، وفق خشان، وبطريقة محافظة خشية من إثارة الخلافات بوجهها. 

طرد قطر 

أما الدوحة التي لعبت دوراً أساسياً في «شلبنة» الاتفاق اللبناني - اللبناني واستضافة قادته، على أثر أحداث السابع من أيار 2008، فقد خرجت «طرداً» من «الجنّة اللبنانية»، بعد انحيازها المفضوح في تنفيذ أجندات خارجية، عبر قناة «الجزيرة»، وتأجيج مشروع الفتنة في سوريا. بالأساس، دور «إمارة الغاز» لم يكن يوماً خلاقاً كما يرى خشان، ومحدود الحركة والفاعلية. يتحرك بناء على رغبة الأطراف المعنية وليس فرضاً عليها. يبحث عن ثغرات في ملفات عالقة للنفاذ منها كطرف ثالث، من دون أن يرتقي هذا الدور إلى مرتبة القدرة على الحسم. وبعدما صارت الساحة اللبنانية حقل متفجرات، لم يجد القطري مكاناً له بين ألغامها، ففضل الانسحاب تكتيكيا، إلى حين موعد التسويات. 

بالخلاصة، خرج التركي وقبله القطري، فيما المصري غارق في ميدان تحريره، والسعودي يترقب مداه الحيوي في البحرين واليمن، والسوري يعدّ ضحايا احتجاجاته... وحده الإيراني، من لاعبي «البازل» اللبناني، مرتاح على وضعه. التهديدات الأوروبية، الأميركية، وفوقها الإسرائيلية، بقيت كلاماً في كلام.

«القيادة الفرعونية» تلملم جراحها وآثار ثورتها. أول التغييرات في سياستها الخارجية تمثل بالنأي بنفسها عن انقسامات الداخل اللبناني، كما يرى أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية د. طلال العتريسي، فحاولت أن تأخذ مسافة واحدة من كل مكونات التركيبة اللبنانية التي سبق لنظامها الساقط أن غطس في أوحالها، وشارك في بعض قراراتها المفصلية. 

سوريا ضعيفة... لكن حلفاءها أقوياء 

تسمية نجيب ميقاتي للرئاسة الثالثة أكثر من دليل على أن الكفة صارت طابشة لمصلحة حلفاء المحور السوري - الإيراني. فالسوري حاضر دوماً، ومذ أن وكّلته الممكلة العربية السعودية بإدارة الملف اللبناني، في تفاصيله. قد تكون من المرّات النادرة التي لا تجد فيها اللعبة التوافقية، على قاعدة الربح للجميع، موطئ قدم. في الخامس والعشرين من كانون الثاني الماضي، خسر فريق وانتصر آخر. 

لكن السوري لم يذق حلاوة الانتصار، وجرس الإنذار الداخلي ينبئه، بما لم يخطر بباله. بقعة زيت الاحتجاجات التي انطلقت من درعا، توسعت لتهدد الكثير من المدن ومناطق الأرياف. فيما حلفاؤه اللبنانيون، يمتهنون لعبة تدوير الزوايا وابتكار المعالجات، علّهم يتمكنون من إخراج التشكيلة الحكومية إلى النور. 

النتيجة، وبعد أكثر من ثمانية أشهر على اندلاع شرارة الأحداث السورية، لا يمكن إنكار تراجع النفوذ السوري في لبنان، كما يقول الدكتور هلال خشان. لا يعني ذلك أن القيادة البعثية لم تعد مؤثرة لبنانياً، ولكن مجرّد انشغالها بمسلسل العنف المتنقل بين منطقة وأخرى، سيؤدي ذلك حكماً إلى ابتعاد الدور السوري نسبياً عن «خاصرته الرخوة». 

حتى اللحظة، لا يمكن التنبؤ بمسار الوضع السوري، الغبار لا يزال كثيفاً. لا يمكن تقدير حجم الخسائر، أو الانتصارات. لمصلحة من ستكون، وعلى حساب من... 

بدوره يعتبر الدكتور العتريسي أن غياب التأثير السوري عن التركيبة اللبنانية، هو ما يميّز جردة العام المنصرم، وإن كان حلفاؤه اللبنانيون لا يزالون أقوياء وممسكين بمفاصل اللعبة، وذلك بفعل قوتهم الذاتية، إلا أنهم يدركون أن جارتهم الشقيقة تعاني ضعفاً في بنيتها الإقليمية. وقد بدا هذا الوهن في النصف الثاني من العام جلياً، على الرغم من كلّ مظاهر الاستقبالات السياسية التي كثّف من صورها الرئيس السوري بشار الأسد. 

وحده الإيراني يترقب الأحداث على الساحة العربية مرتاح البال، إن لم نقل محسّناً وضعه الإقليمي كما يرى العتريسي. يقطف جوائز نفوذه في العراق، ويحاول الدفاع عن قلعته السورية، فيما حلفاؤه اللبنانيون يمكسون بالدفة ولا خوف جديّاً عليهم. أغلبية حكومية تترك القرار بيدهم. وخصوم «تيتّموا» بعد غياب «الزعيم» و«رعاته»... 

ولكن في المقابل، فإن المحور الخصم، أي السعودية وحلفاءها، لم يحاولوا تعويض هذا الانكفاء من خلال طحشة في العمق اللبناني. وبالعكس فإن الرياض أعادت تموضعها، وسحبت «ممثلها الأول» أي سعد الحريري من «بيت الوسط»، من باب تهدئة اللعب على المسرح اللبناني، خوفاً من أي خربطة. اختارت دور الإطفائي خلال هذه الفترة. لماذا؟ 

يجيب خشان، إن «بلاد الأرز» كانت دوماً أشبه بصندوق بريد لتبادل الرسائل الإقليمية. لكن المعادلة القائمة اليوم مغايرة: يعجز هذا البلد الصغير عن حلّ إشكالات المنطقة الكبيرة. الزلزال أكبر من أن تستوعبه التعقيدات اللبنانية. تم تلزيمه للوصاية السورية كي يرتاح العرب من همومه، ولكن إشعاله اليوم لا يفيدهم أبداً... ولهذا ينعم لبنان بهدوء استثنائي، مخالف لمسار محيطه. 

يكفي رصد تراجع الاهتمام الدولي والعربي بالمحكمة الدولية، للتأكد من أن ثمة قراراً خارجياً بخفض منسوب التشنج اللبناني، على اعتبار أن رفع سقفها سيزيد من حماوة التوتر المحلي، في وقت لا يبدو فيه اللاعبون الإقليمون على استعداد للتفرغ للبنان، أقله خلال هذه المرحلة الضبابية. 

للتراجع السعودي أسباب كثيرة، منها ما هو مرتبط بداخل المملكة، وبالخوف من انتقال عدوى اللااستقرار، ومنها ما هو متصل بحليفها اللبناني، «وريث الحريرية» الذي أكثر من عداواته، كما يرى خشان، وبرهن عن قلّة حكمة سياسية وجهل في ألف باء السياسة اللبنانية المعقدة. وهذا ما يفسر برأيه انكفاء ظاهرة «الحريرية السياسية» لمصلحة «الميقاتية السياسية» وذلك بقرار سعودي واضح لا لبس فيه. 

يزيد العتريسي على هذه الرزمة من الأسباب، البراغماتية السعودية في التعامل مع الواقع اللبناني: الرياض قررت التعاون مع نجيب ميقاتي كأمر واقع، ما أدى إلى تجميد «ثورة الأرز» إلى حين يخلق الله ما لا نعلم... أضف إلى الارتباك الحاصل داخل القيادة السعودية لجهة تعاملها مع الأحداث اللبنانية، ما يبرر انطواء خطابها. 

واشنطن: إلى القوقاز درّ 

وعلى ضفاف هذه التراجع، لا يمكن إنكار أبداً «التموضع السياسي» في مقاربة الإدارة الأميركية للمنطقة، والذي انتهى بانسحاب عسكري مفصلي من العراق. في أعقاب وصوله إلى البيت الأبيض، بدا باراك أوباما متحمّساً لتحريك عملية السلام في الشرق الأوسط، لكنه سرعان ما فرمل اندفاعته بفعل الصعوبات التي واجتهه. ومع أفول العام 2011، تبدو اهتمامات واشنطن، بحسب هلال خشان، متجهة إلى بقعة أخرى من العالم، إلى القوقاز تحديداً، ما يعني حكماً إعادة النظر بكل أدائها على الخريطة الشرق أوسطية. 

وهذا ما يفسّر برأي خشان، اكتفاء المسؤولين الأميركيين خلال الأشهر المنصرمة، بتوجيه النصائح والعظات لحلفائهم اللبنانيين، وكأنّ هناك توجّهاً لفك ارتباط لبنان عن محيطه، لذا هم تعاطوا معهم بنوع من الانكفاء، وبدا كأنهم لا يملكون رؤية واضحة للملف اللبناني، بانتظار هدوء عاصفة التغيير في العالم العربي. 

وعليه يمكن الاستحلاص أنه، في حالة نادرة من تاريخه السياسي، بدا لبنان كمركب متروك لمصيره، في بحر المنطقة الهائج. لم يعد أولوية بالنسبة إلى دوائر القرار، أو حتى اللاعبين الإقليميين، الذين انشغلوا بأزقة شوارعهم أو مداهم الحيوي. لا يمكن القول إنه تم تحييد لبنان، بقدر ما يجوز وصف الوضع على أنه «انقلاب في سلّم الأولويات».


Script executed in 0.04200005531311