أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

دوحة عرمون: أدغال اسمنتية فوق بقايا النهر

الخميس 02 شباط , 2012 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,632 زائر

دوحة عرمون: أدغال اسمنتية فوق بقايا النهر

هناك في أحشاء «منطقة الواوية» كانوا يرمون جثث المغدورين في بدايات القتال الأهلي. كانت عرمون مكاناً على صورة ما يكونه المكان بين الجبل والمدينة عادةً: منطقة «واوية». انتهت الحرب وفقدت الأحراج خصوصيتها. تراجعت الأشجار لصالح الإسمنت، ونام الموتى بسلام في الأدغال الباطونية الجديدة. ثمة حقائق أساسيّة في «دوحة عرمون». أولاها أن لا «دوحة» فيها كما يوحي اسمها. في اللغة، الدوحة هي الشجرة العظيمة ذات الفروع المفرَّعة. تكفي جولة في المنطقة، لاكتشاف انقراض مثل هذه الأشجار، التي كانت، على الأرجح، سبباً للتسمية.


يعزز تلك الفرضيّة الاسم العقاري للمنطقة: «دوحة الشويفات». المهم أن ثمة إجماعاً على وجود دوحةٍ فيها، لكنها ضائعة بين بلديتين.

في ثمانينيات القرن الفائت كان هناك ثمانية قصور فقط. قصور غالبيتها لأثرياء بيروتيين، هربوا، خلال فترات متعاقبة بعد الاستقلال، من حرارة المدينة إلى المنطقة الغابة، كما يتذكر نجل ساكني أحد القصور. لكن الحرارة استعرت، تزامناً مع اشتداد الحرب. هكذا تفتحت العين على عرمون وبدأ الغزو. قبل الغزو، كان هناك قاطن مميز وحيد في المنطقة، هو المفتي حسن خالد. وقد استقبل منزله اجتماعاً شهيراً، في 25 كانون الثاني 1976. حدث ذلك بعد اقتحام الميليشيات المسيحية المتطرّفة مخيم الضبية، وتهجير أهالي منطقة الكرنتينا والمسلخ والدامور والجيّة. آنذاك استقال الرئيس رشيد كرامي، لكن رفض استقالته أبقى الحكومة على حالها، ريثما تتغير الظروف. قرار الرفض جاء في اجتماع عرمون من منزل خالد تحديداً، الذي كان مرتبطاً المنطقة وقتذاك. في ذلك المنزل ــ المنطقة، اجتمع رشيد كرامي، صائب سلام، عبد الله اليافي، السيد موسى الصدر، والوفد السوري المؤلف من نائب الرئيس السوري الأسبق، عبد الحليم خدّام واللواء ناجي جميل واللواء حكمت الشهابي، وأعلنوا رفض استقالة كرامي. لا شيء يوحي أن المنطقة كان متنازعاً عليها أثناء الحرب، فكل شيء حدث بعد الحرب.

وفقاً لزهرة حمود، التي سكنت المنطقة في 1993، فإن تلك كانت حقبة الاستيطان في الدوحة. جذبها عاملان رئيسان. بالدرجة الأولى لم تكن الغابة قد تحولت إلى «غيتو» بعد. كانت منطقة متاحة للجميع، إذ نجت بفعل التقسيم الجغرافي من الفرز الطائفي، الذي لم تضع «الجمهورية الثانية» حداً له. وبالدرجة الثانية «كان المشهد ساحراً». كان ثمة نهر يمتد بين الدوحتين، في بشامون وعرمون، ويفيض شتاءً، خارقاً الوديان التي نمت فوقها المباني الهشة. لا يمكن إصلاح هذه المباني اليوم، التي بنيت على غفلة من الدولة، برأي حمود، لأن لا تعريف واضحاً في لبنان في ما يخص «الأقسام المشتركة». بعض السكان يريدون الترميم وبعضهم لا يبالي. وبحثاً عن المهتمين، وجدنا أبو محمد، أحد سكان تلك المجمعات الضخمة، القادمين من بيروت. فكر الرجل في «تطيين» الأعمدة. فكر في المئة ألف التي «حصّلها» من لجنة البناية، واتفق مع عامل سوري على «ترميم المبنى». على الأقل، حاول أبو محمد، بعدما لاحظ «الصدأ في حديد أعمدة الدعم». يريحه أن هناك «أعمدة كثيرة». تعارضه جارة خائفة، تعتقد أن انهيار عمود واحد كفيل بانهيار كل شيء. الآخرون يعيشون على نظرية واحدة: لماذا يقع هذا المبنى الذي نقطنه لا غيره؟ يثقون بالأرض الصخرية، وعلى هذه القاعدة، ليسوا بحاجةٍ إلى مهندسين. ويقول مصدر بلدي متابع، إن البلدية تعطي الرخص شرط أن لا يتخطى المبنى المشيّد الأربعة طوابق. على الرغم من ذلك، يلاحظ وجود مبان كثيرة بخمسة طوابق. والسبب، أن أصحاب هذه المباني يتذرّعون بالمرأب. يقيمون طبقة إضافية، يسكنها ناس، لكنهم يسمونها «كاراج». يركن إليها الناس لا السيارات رغم ذلك يقولون إنها مرأب. يطمئن مقاول معروف في المنطقة، أن «العمار جيد ولم يحدث على عجلة كما يظن بعض السكان الخائفين»، مستنداً إلى حادثة «الهزة الأرضيّة في 1997». ويشرح، أن العمار الحديث، صار يعتمد حجراً بسماكة 20 سنتيمتراً بدلاً من 10، إذ صار سعر الشقة 200 ألف دولار بدلاً من 30 ألفاً في التسعينيات. حسناً، لكن الأهالي خائفون.

في محصلة لهذا كله، أوصد النهر بردم بقايا عشرات الورش. ردم المباني المخيفة ذاتها، الذي يتكتل في خراج منطقة «الحوادث»، موقفاً هدير النهر المنقرض. كانت زهرة تسمع خريراً وترى نهراً، حتى أنها لا تذكر كيف اختفى. قضمه الردم تدريجياً، وشهدت التسعينيات، فترة عمار رهيبة، كما يقول المقاول. في منتصف العقد الأخير أعلن اختفاء النهار مرحلة جديدة. يعترف المقاول بأن الأمر «قضي بالتسويات مع الدولة»، خصوصاً أن «معظم سكان التسعينيات بيروتيون وفلسطينيون». للتأكيد على كلامه يذكر: «منذ بضعة أعوام فقط غادر شاكر البرجاوي هذا المنزل». يقول آخرون إن أسباب مغادرة البرجاوي «ملتبسة». فهو غادر عقب أحداث السابع من أيّار. كانت أحداثاً مفصلية، رسمت هوية المنطقة الجديدة. وفي هذا الإطار، يقول وليد مغربي، إن العقد الأخير شهد «فوضى رهيبة». فجأة قضم الاسمنت الجبل واختفى النهار. صار وضع المباني مخيفاً، فقد ترهلت. وحين يودعنا، يكتشف أن المصعد معطّل. لا يعمل من الطابق الخامس منذ شهور ولا يريدون إصلاحه. يستنتج هنا: «هذه حال المصعد فكيف هي حال المبنى». لكن ذلك كله شيء، و«التحولات الديموغرافية» شيء آخر.

لم يبدأ الفرز الديموغرافي بعد أحداث السابع من أيّار، لكنه بلغ أقصى مراحله، في الأشهر اللاحقة. كانت العلاقة ممتازة بين سكان القرية الناشئة، لكنها تبدّلت. صحيح أن الفلسطينيين يحسبون لحزب الله «حكمته» ولا يتذمرون من وجوده، بل يلجأون إلى مسؤوليه لحلّ أي نزاعات فردية مباغتة في المنطقة، على كثرتها، لكن ثمة فرزاً. المباني التي انتهت قبل 2000، هي المباني المختلطة مذهبياً وديموغرافياً.

واليوم، تمدد الفرز كبقعة زيت صبغت أرجاء الدوحة السابقة. حارة القبة تمتاز بحضور مستقبلي واسع معزز بوجود سكان فلسطينيين كانوا من أوائل القادمين إلى المنطقة. صعوداً باتجاه «البيادر» يتغير الوضع. تنعكس هوية المنطقة، إذ إن المنطقة هنا، يطغى عليها طابع «حزب الله». وبعد شركة الكهرباء، كما يعرّف أهل المنطقة عن أطراف عرمون، يتمترس الاشتراكيون.

يقول صاحب دكان في حارة القبة، قرب المسجد العمري، إن «السماسرة يعرفون ماذا يفعلون». عندما يأتي زبون إلى المنطقة، يوجهونه إلى التجمع السكني الأقرب إليه مذهبياً. كرسوا هذه القاعدة السلبية، حتى صار «كل واحد يشتري من اللي إلو». ويعقب: على هذا المنوال، السنة يقطنون عند «العيتاني» والشيعة عند «آل حيدر»، الفلسطينيون يتمترسون في مجمعات «العباسي»، والدروز موجودون أصلاً بعد شركة الكهرباء، يراقبون التحولات السكانية... و«ينأون بأنفسهم» عن التدخل فيها!


أربع طبقات ومرأب


نظراً للتداخل الواضح بين «الدوحتين» في عرمون والشويفات، فإن ما يسمى عُرفاً بعرمون قد يخضع رسمياً لبلدية الشويفات، علماً أنّ هذه المساحات لا يستهان بها، وقد تضم مجمعات سكانيّة ضخمة تضم آلاف السكان. وعلى عكس الشائع، لفت مواطنون كثر إلى أن بلديّة الشويفات تهتم بأراض «لا أصوات انتخابيّة فيها»، مقدّرين الأمر، لكنهم، في الوقت عينه سألوا عن المشكلة الأم: الردم.

يؤكد رئيس بلديّة الشويفات، ملحم السوقي، في حديث مع «الأخبار»، أنّ «قراراً بلدياً اتخذ منذ الأيام الأولى لانتخاب المجلس الجديد بإيقاف كل عمليّات الردم في الدوحة». وفي موضوع المباني، يلفت إلى أن البلدية شكلت لجنة خبراء، تفحص المباني، وقد تأكدت من مبنيين في خلدة حتى الآن، أحدهما «قادر على العيش 50 عاماً» وآخر ينتظر تقرير المهندسين، مشجعاً الأهالي التابعة مبانيهم للشويفات عقارياً، بتقديم شكوى إلى البلدية «فور شعورهم بالحاجة إلى ذلك». وفي سياق منفصل، يؤكد السوقي أن البلديّة تتقيّد بشروط «التنظيم المدني» لجهة تحديد عدد طوابق المباني في المنطقة بأربعة ومرأب.


Script executed in 0.14374113082886