كان يعرف أنها تبكي لأنه قرّر الرحيل، لكنه رغب في إضحاكها. حفظت الجملة ورغبت في أن تصدّق أن نسبة الملوحة في الدموع تكشف سبب البكاء. صارت تقول العبارة ذاتها لكلّ من تراه باكياً أمامها، ولا سيما الأطفال من أقاربها. وهؤلاء كانوا يضحكونها أيضاً، صدّقوا ما قالته لهم وصاروا، حين يبكون أمامها، يسارعون إلى مسح دموعهم كي لا تقبّلهم، وتكتشف أن الأخيرة ليست إلا تمثيلياتهم الصغيرة لابتزاز أهاليهم.
تنظر إلى الهاتف القديم بين يديها. سنوات مرّت ولم تغيّره حرصاً على هذه الرسائل. كلّ واحدة منها تسرد حادثة. تضغط مجدداً على أزراره، وتعود إلى أولى رسائله. قصيدة أبو نواس «حامل الهوى تعب، يستخفّه الطرب/ تضحكين لاهية والمحبّ ينتحب». تضحك مجدداً. سرعان ما أصبحت كلمات هذه القصيدة لسان حالها هي.
حذّرها من ذلك. قال لها مراراً «لا تقعي في حبي، لا أريدك أن تتألمي. اكتفي بعيش الحب ولا تفكري بي». وحفظت جملته: «لا أحب أن أعرّف الحب، أحب أن أعيشه». صدّقته، وغرقت في قصة جميلة قلبت حياتها كلّها. تحوّلت تفاصيل يومها العاديّ إلى طقوس خاصة. الشمس لا تشرق قبل وصول تحية الصباح منه. والعمل لا يبدأ قبل تسلّم رسائله أو وروده. والقمر لا يضيء السماء الحالكة إلا إذا اجتمعا معاً لإلقاء التحية عليه.
أطاعته ولم تفكّر، لكنه كان يفعل. عمله ومستقبله ليسا هنا. هنا حبّه، ولكن هناك رزقته. قال لها ذلك بينما كان القمر يختبئ خلف الغيوم. لم ينتبه إلى ضوء القمر ينسحب عن جواز سفره الذي لم يفارقه ذلك المساء، وقد حصل على التأشيرة. قالت له: انظر إلى القمر كيف يختفي، لا تسمح له. كانت جدّية. أصرّت على الركوب في السيارة لتبدأ رحلة بحث عنه، طلبت منه مرافقتها، لكنه أصرّ على العودة إلى البيت لتوضيب الحقيبة.
اختفى القمر منذ ذلك المساء.