أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الجميّل ينأى بنفسه

الإثنين 27 شباط , 2012 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,234 زائر

الجميّل ينأى بنفسه

منذ اندلعت الأزمة السورية، ميّز الرئيس أمين الجميّل موقفه منها عن حلفائه في قوى 14 آذار. لا يزال في صلبها، ولا يعود إلى أمانتها العامة. لا يجاري الحلفاء في التدخّل في الشؤون السورية. لا أحد يعرف كيف تنتهي، ومتى. مَن يربح، وبماذا يختلف رابحها عن الخاسر


نقولا ناصيف

الرئيس أمين الجميّل أحد قلّة من الجالسين إلى طاولة قوى 14 آذار، لا يعرفون سوريا فحسب، بل أيضاً عقل الحكم والحاكم فيها. أحد قلّة من هؤلاء لم يجتمع باللواء غازي كنعان إلا عندما كان يرافق نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدّام إلى قصر بعبدا أو المقرّ الصيفي للرئاسة في بكفيا. لم يعرف، كرؤساء آخرين، عنجر لأنه لم يقصد دمشق براً. عندما كان يحضر كنعان إلى قصر بعبدا لتنسيق قمّة في دمشق أو زيارة خدّام بيروت، كان يركن سيارته في مرأب السيارات خارج حرم القصر، ولا يدخله بها ليوقفها عند المدخل. من المرأب ينقله ميني باص إلى المدخل الرئيسي.


أوجب هذا الإجراء حينذاك انفجار سيارة داخل مقرّ السفارة الفرنسية في شارع كليمنصو عام 1980، بتفخيخها من دون معرفة صاحبتها الموظفة في السفارة، فحصد الانفجار عشرات الضحايا. انتقلت عدوى الخشية إلى قصر بعبدا، فمُنعت السيارات ردحاً من الزمن من بلوغ المدخل الرئيسي. شمل المنع أيضاً كنعان الذي شكا، فنقلت الشكوى إلى الرئيس.

الجميّل أحد قلّة من حلفائه في قوى 14 آذار جلس مع الرئيس حافظ الأسد 12 قمّة. انتهت القمّة الـ11 في سيارة الأسد في مطار دمشق وهو يودّع الرئيس اللبناني الذي رفض الاتفاق الثلاثي في 13 كانون الثاني 1986. ثم كانت القمّة الـ12 بعد قطيعة طويلة بين الرئيسين، كان قد قال خدام على أثر القمة الـ11 إنه لا أخرى بعدها: لا قمّة ثانية عشرة ولا قمّة ثالثة عشرة. لكن الجميّل ذهب إلى دمشق في 21 أيلول 1988 لمقابلة الأسد وإنقاذ الاستحقاق الرئاسي من شغور حتمي في الساعات التالية بمحاولة الاتفاق على ترشيح مخايل ضاهر، فأخفق المسعى. بعد مغادرته الرئاسة، تهاتف الجميّل مع الرئيس السوري مرتين، وظلّ خيط رفيع يجمع بينهما، إلى أن أرغمه حليفه الحالي، قائد القوات اللبنانية سمير جعجع، على مغادرة لبنان في 9 تشرين الأول 1988.

ذات يوم، بعد إلغاء اتفاق 17 أيار 1983، قال خدّام عن الجميّل إنه أحسن رئيس عرفه لبنان. قال، طبعاً، كلاماً مشابهاً في كل رئيس حليف لسوريا، وقال نقيضه في كل رئيس ناوأها. لم يختلف مع سوريا إلا اثنان هما الجميّل، ومن قبله الرئيس الياس سركيس. لكليهما نجاح مشترك هو أنهما لم يسمحا لسوريا بالسيطرة على مجلس النواب والجيش والرئاسة، ولم يضعا في جواريرها ورقة تنازلات سياسية مكلفة. لم يوافقا على أمن سوريا من أمن لبنان، كي لا يمنحاها الذريعة الكافية لوضع اليد.

من أجل ذلك، وسواه، يعرف الجميّل سوريا أكثر من كل الجالسين إلى الطاولة في قوى 14 آذار. كان الرئيس سعد الحريري حينذاك صغير السنّ، وجعجع خصماً لسوريا ولكنه ذهب إلى القرداحة للتعزية بباسل نجل الرئيس، وأكد له وهو يعزيه ـــ في كلام مناف لأوانه ـــ أنه لا يزال على خلاف معه، فغضب في سرادق العزاء خدّام وكنعان منظّم الانتقال على الطريق الساحلية، وحفظا العبارة لجعجع الذي لم يحتك مرة بعقل الرئيس أو نائبه، واستقبل كنعان مرتين في غدراس، وأرسل محاورين إلى سوريا في أوقات متفاوتة كنادر سكر وزاهي البستاني وجورج كسّاب. الرئيس فؤاد السنيورة لم يعرف حتى عام 2005 مسؤولاً سورياً، واكتفى بما كان يسمعه من الرئيس رفيق الحريري عنهم. النائب وليد جنبلاط، متوسّطاً قوى 8 آذار و14 آذار، عرف السوريين لأول مرة في أيار 1977 بعد اغتيال والده كمال جنبلاط. لم يدمج التحالف بالاختلاف إلا متأخراً، مرحلة تلو أخرى. حالَفَ السوريين حتى الثمالة، وكرههم حتى الثمالة. عرفهم جميعاً عندما تبادل وإياهم الخذلان في الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ثم تضامنه معهم ومكوثه في بيته في دمشق، ثم وقوفهم هم إلى جانبه في حرب الجبل وصولاً إلى أول افتراق عام 1998، ثم تدريجاً عامي 2000 و2004. ثم العودة إليهم عام 2010، ثم المناداة بعد سنة بإسقاط النظام. كالجميّل، عرف جنبلاط عقل الحكم والحاكم في سوريا، وعقل رجالهما. ولكنه يشقّ الآن طريقاً مختلفة عن الرئيس السابق للجمهورية. أكثر نزوعاً إلى المجازفة. الرياضة المألوفة في بيت المختارة.

ومن أجل ذلك أيضاً، يختلف موقف الجميّل من المسألة السورية اليوم، بفارق لافت، بسبب اختلاف موقعه في العلاقة المزمنة مع السوريين. في عزّ التحالف عامي 1976 و1978، ثم الخلاف الدموي الطويل، ثم الولاية الرئاسية التي جعلته يحاورهم وهو ينزع الشرعية عن جيشهم في لبنان، ثم يرفض عودته إلى بيروت، ويستعين بوساطتهم للحوار ولا يقبل بفرضهم تسوية غير متكافئة، ويفتح في الساعات الأخيرة من الولاية باباً على الحلّ.

عندما يتحدّث عن «الثورة السورية»، يحرص على تأكيد موقفه المتمايز عن حلفائه في المعارضة، وعلى الإصرار على موقعه في هذا الائتلاف. يقول: «هذا رأيي أنا وليس رأي قوى 14 آذار. رأيي العلني الذي قلته في احتفال البيال. وهو الموقف نفسه الذي قلته في طرابلس عندما أكدت أنه إذا كان أمن لبنان من أمن سوريا، فما نريد الإصرار عليه هو ألا يكون اللاأمن في سوريا لاأمناً في لبنان».

يضيف: «التقينا في قوى 14 آذار على السيادة والحرية، ووقفنا في وجه سوريا بسبب انتهاكها السيادة. ما عدا ذلك 14 آذار ليست حركة اندماجية. التقت على أهداف واضحة لا نزال رأس حربتها للدفاع عن المبادئ والقيم. سبق أن اختلفنا مع حلفائنا كالقوات اللبنانية وتيّار المستقبل في بعض المواضيع، لكن ذلك عزّز اتفاقنا على المسائل الجوهرية وثبّت التحالف».

يلاحظ الرئيس السابق أن موقفه من «الثورة السورية» يلاقي جدلاً في أوساط حلفائه. منذ اندلعت أحداث سوريا كان بين هؤلاء مَن يريد الدخول فوراً طرفاً في المواجهة مع النظام السوري، من دون الاكتفاء بتأييد المعارضة السورية. يتجاهل الجميّل انتقادات الداخل حيال وجهة نظره.

يقول: «آمل ألا يزايد أحد علينا. لا أحد دفع ثمن بربرية النظام السوري كحزبنا وعائلتنا، سواء باغتيال بشير أو ابنته مايا قبل ذلك. كل الخيوط قادت إلى مسؤولية سوريا عن اغتيالهما، وهي حقيقة ثابتة. وكذلك اغتيال ابني بيار الذي ربما قاد أحد خيوطه إلى سوريا، مع أنه لا معلومات لدينا في ذلك. لا يزايدنّ أحد علينا حيال الموقف من النظام السوري. لا أحد، كنحن، ناضل من أجل الحرية والديموقراطية. وهو سبب أولي وكاف كي نتضامن ونقف إلى جانب الثورة السورية في المناداة، بعفوية سياسية ووجدانية، أننا معها في النضال في سبيل الحرية والديموقراطية. مع ذلك، أعتقد بأن مصلحة لبنان تحتّم علينا التوقف عند قواعد ثلاث أجدها ضرورية في التعاطي مع ما يجري في سوريا وتحديد الموقف اللبناني منه:

أولاها، لأن التدويل طاول الثورة السورية إلى حدّ تداخلت فيها الدول الكبرى والتأثيرات الإقليمية والدولية، فإن أي تدخّل لبناني فيها يُكلّف لبنان أثماناً باهظة. تحت وطأة تلك التدخلات نذهب في بساطة دعس الخيل.

ثانيتها، اللبنانيون منقسمون على الموقف ممّا يجري في سوريا. فريق مع النظام وفريق مع المعارضة والثورة. وأي محاولة لإقحام لبنان في قلب الصراع السوري ـــ السوري تحمل تداعيات ما يحدث هناك إلى داخل لبنان، وتجعل ساحتنا مسرحاً لها، مع ما يعني ذلك من اقتتال في الشارع وأحداث أمنية كان اللبنانيون قد خبروها طويلاً في حقب عدة، ونوجد بذلك مشكلات إضافية لما نشكو منه، وخصوصاً في قضية أكبر بكثير من قدرتنا على التأثير فيها.

ثالثتها، نريد من أحداث سوريا ومن تأكيد عدم تدخّلنا في الشؤون السورية، مناسبة تاريخية وأمثولة من أجل إقناع السوريين بألا يتدخّلوا في شؤوننا ويتركونا وشأننا. لا نريد الاكتفاء بعدم رغبتنا، بل بإرادتنا بعدم التدخّل بأي شكل من الأشكال في ما يجري في الشأن السوري. إذ ذاك نكون قد وجّهنا إلى السوريين رسالة واضحة وصريحة هي رفضنا تدخّلهم في شؤوننا في السراء والضراء، انطلاقاً من عدم تدخّلنا في مشكلاتهم في ما يحدث الآن. بذلك لا نكتفي بتجريدهم من الذريعة، بل نشجّعهم على مقاربة جديدة للعلاقات اللبنانية ـــ السورية لم يعرفوها من قبل. إلا أن المشكلات التي يواجهونها اليوم في الداخل، من شأنها ـــ وموقفنا منها ـــ أن تفسح في المجال أمام المقاربة الجديدة هذه».

يضيف الرئيس السابق للجمهورية إن «أحداً لا يسعه من الآن معرفة السبيل الذي ستسلكه الثورة السورية. مَن سيبقى منها ومَن سيرحل. مَن يربح ومَن يخسر. بالتأكيد إذا ساعدنا طرفاً في هذا الصراع، مَن تراه يستطيع أن يؤكد لنا أنه سيكون هو في السلطة بعد انتهاء هذه الأحداث يوماً ما، أو في أحسن الأحوال لن نعود إلى المشكلات التي كنا نعاني منها مع سوريا، ليس الآن في المدى القريب، ولا في سني الحرب، بل أيضاً، لمَن يريد أن يعود إلى التاريخ، منذ مطلع الأربعينات بإقفال الحدود أو الاعتداء على أراضينا أو التشكيك في استقلالنا أو طعن سيادتنا. خلافنا مع أي فريق سيخرج منتصراً من الثورة السورية لن يكون في نتائجه أحسن حالاً من خلافنا مع مَن حكموا سوريا في العقود المنصرمة وعانينا منهم الأمرّين، واحتججنا على تدخّلهم في شؤوننا الداخلية وتعرّضهم لاستقلالنا، وأرغمنا على مقاومتهم. الخوض في المستنقع السوري الراهن لا يشفي غليل أي أحد ممّن تضرّروا لسنوات طويلة من النظام السوري، وشراسة تعاونه معنا دولة وقوى وأحزاباً ومواطنين».

وكيف يرسم حدود التضامن مع المعارضة السورية، يقول الجميّل: «حدود التضامن هي الشعارات التي ترفعها الثورة السورية، والدفاع عنها في المحافل الدولية، وخصوصاً في الأمم المتحدة، في سبيل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان والجماعات وحسن الجوار، وكذلك وقف القمع ونبذ العنف والاقتتال الدموي».

وهل يعتقد بأن موقفه هذا يتقاطع مع السياسة التي تنتهجها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في النأي بالنفس، ويرفضها حلفاؤه في قوى 14 آذار، يجيب الرئيس السابق للجمهورية: «هذا موقفي في الأساس. مشت فيه الحكومة عال. الدوافع المبدئية والمنطق يحملانني على هذا الموقف. لا أحبّذ استخدام عبارة النأي بالنفس، بل الحياد الإيجابي الذي يؤول فعلاً إلى تحييد الساحة اللبنانية عن انقسامات حادة تتولد من نزاعات ذات أبعاد استراتيجية، لا قِبَلَ لنا على مجاراتها أو الدخول طرفاً فيها، ونحن نعرف ما نعرف عن خلافاتنا الداخلية وتباين الآراء ووجهات النظر. ليس من باب المفارقة أن العداء لإسرائيل يجمع بيننا، وكذلك الموقف من الصراع العربي ـــ الإسرائيلي، ويُفضي إلى توحيد رؤيتنا وتعزيز مناعة وحدتنا الوطنية. القياس نفسه في ما يتصل بصراع المحاور والأنظمة العربية والإقليمية والدولية كي لا تورّطنا في أزمات نحن في غنى عنها. من هنا طرحنا الحياد الإيجابي. الموقف من سوريا يشكّل اليوم جزءاً لا يتجزأ منه. آمل ألا يتذاكى أحد. مَن يرد وحدة البلد والأمن والاستقرار يبتعد عن سياسة المحاور».


Script executed in 0.17370414733887