أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ثمانون أبو الياس

الثلاثاء 28 شباط , 2012 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,365 زائر

ثمانون أبو الياس

«شرايين مياه» أبو الياس ليست بخير، أما شرايين دمه فبألف خير. وما دام جسده يصلح لـ«الاستخدام»، فسيكون مرشحاً للانتخابات النيابية التي تصالح مع جميع أفرقائها في المتن ليكون على «مسافة واحدة» منهم جميعاً، مع اقتراب موعد لعبته المستمرة منذ نصف قرن

غسان سعود

تدخل ثمانون عاماً الصالون بخطى بطيئة، ملتحفة عباءة ثقيلة. منذ نحو ثلاث سنوات لا يفارق المرض النائب ميشال المر؛ كأنه البعد عن الرئيس إميل لحود أو … القرب من الرئيس ميشال سليمان. يُحمّل أبو الياس بعضَ الزوار، ولا سيما رئيسي بلديتي الدكوانة والجديدة ـــ البوشرية ـــ السد، مسؤولية الزكام الذي لا يكاد يشفى منه حتى ينقلاه إليه مجدداً. يشرح أن الرشح عابر مهما طال مكثه. أما المرض المقيم فالتهاب في ما يسميه «شبكة شرايين المياه» التي لا علاقة لها أبداً، حسب معلومات المر الصحية، بشرايين الدم. وقد عاد قبل ثمانية أيام فقط من باريس حيث أجرى بعضاً من الفحوص التي يواظب عليها منذ ثلاث سنوات، مستعيناً بأطباء صديقه غسان تويني. و«لا خطر».

 

أبو الياس الذي تعلم من النظام السوري الكثير، احتاج إلى الرئيس حافظ الأسد شخصياً ليقنعه بأن «الصحة والحياة من الله». فقط عندما رأى المر صديقه الراحل يتصبّر على وفاة ابنه باسل مردّداً أن «الصحة والحياة من الله»، اقتنع.

هذا كله رداً على السؤال الأول عن صحته الذي لم يعد يُطرح كمجرد مجاملة تمهيدية للحوار. هو أساسي بالنسبة إلى السؤال الثاني حول نيته الترشح للانتخابات النيابية المقبلة. والجواب: «نعم أنا مرشح. ما دمت صالحاً للاستخدام، فأنا مرشح».

يقدم المر أوراق اعتماده للناخبين المتنيين بوصفه مرشحاً مستقلاً: «لا مع 14 آذار ولا مع 8». وفي حسابات أبو الياس «الصالحة للاستخدام» تبلغ قوته الانتخابية 25 ألف صوت! يفصّل، في نحو عشرين دقيقة، ما يمكن اختصاره بالآتي: في انتخابات 2005، حصل تحالف القوات ـــ الكتائب ـــ نسيب لحود على نحو 25 ألف صوت، مقابل حصول لائحة عون المدعومة من المر على أكثر من 50 ألف صوت. لاحقاً، في انتخابات 2009، بمجرد انتقال أبو الياس إلى تحالف الكتائب والقوات، حصدت لائحتهم المشتركة نحو 45 ألف صوت، الأمر الذي يتيح للمر الاستنتاج أن العشرين ألف صوت الإضافية التي حصدتهما لائحة 14 آذار ما هي إلا كتلته الانتخابية، دون أن يلاحظ حصد لائحة عون من دون المر كما معه نحو خمسين ألف صوت، وأن الفارق الانتخابي بين لوائح التيار وخصومه تقلص في كسروان وجبيل وبعبدا ومختلف الدوائر الأخرى، من دون المر أيضاً.

في الدردشة، يؤكد النائب المتني الأعتق أن ماكينته بخير. يروي أنه قبل عام 1998، وقد كان في ظهيرة أيامه الذهبية، اكتشف أن الكتائبي يقصد بيت الكتائب في بسكنتا حين يحتاج إلى خدمة، والقومي يقصد مركز حزبه، أما غير الحزبيين فلا مبنى يلجأون إليه، فقرر إحياء «ما كان يعرف بالبلديات». أقنع على طريقته من يعنيهم الأمر وفعلها: «فرضت الشرعية نفسها كممر إجباري ووحيد للخدمات الأساسية في البلدات، وكنت أنا الشرعية». اليوم تجد، بحسب المر دائماً، 100 مواطن على الأكثر في بيت بسكنتا الكتائبي وخمسيناً في مركز القومي، لكنك تجد ألفين في مركز البلدية. «لهم الأحزاب ولي البلدية». في حسابات المر، لا تزال 99% من بلديات المتن مريّة، لا عونية ولا كتائبية. والبلديات ليست للتصفيق في المهرجانات الخطابية فقط: «كل بلدية هي ماكينة انتخابية مستقلة». أما «الدعاية العونية» عن محاصرة أبو الياس في إدارات الدولة فـ«مغرضة»، لأن «الـ infrastructure (البنية التحتية) في الكهرباء والمياه و«وزارة التلفون» انعملت يوم كنت أنا وزير. وكميون الزفت الذي أستحي أن أطلبه من (وزير الأشغال العامة والنقل غازي) العريضي أدفع ثمنه نقداً لطالبيه».

أبو الياس في نظر أبو الياس بخير صحياً وانتخابياً إذاً. نصل إلى علاقاته السياسية. ففوزه، وحده، بمقعده مستحيل ما دام معه ـــ بحسب قوله ـــ ربع الناخبين المتنيين لا أكثر. التنسيق مع حلفائه المفترضين، الكتائب والقوات: «مقطوع. نلتقي في المناسبات الاجتماعية وبعض اللقاءات المتنية. لهم طريقة عملهم ولي ماكينتي التي خاضت ضدهم معارك انتخابية جدية في مختلف البلدات العام الماضي، ولا يمكنني بطبيعة الحال أن أضغط على جماعتي ليحنّوا عليهم خدماتياً، بعدما حاولوا إقصاءهم في الانتخابات البلدية الأخيرة».

لم يكن المر يعرف أن ابن الخنشارة ومستشار الياس المر السابق ملحم رياشي انتقل من «العمارة» إلى معراب، حيث عيّن مسؤولاً إعلامياً في القوات اللبنانية، ولم يبلغه تداول بعض الأوساط المتنية (على طريقة الشائعة) اسم رياشي كأحد المرشحين المشتركين للمر الابن والقوات عن المقعد الكاثوليكي في المتن. وهنا يقول المر إن ابنه جزم له بأنه لم يطّلع مسبقاً على الخبر الذي نشرته الجمهورية بشأن ترشحه بالتنسيق معه عن مقعده في الانتخابات المقبلة، وإن الياس عاد من باريس إلى المتن فوراً بهدف تأنيب المسؤول عن نشر الخبر، في ظل توقع بعض المقربين من العمارة أن يترك وزير الدفاع السابق (المر الابن) للرئيس سعد الحريري أو غيره مهمة إقناع وزير الدفاع الأسبق (المر الأب) بإفساح المجال أمام الياس للترشح هذه المرة، كما حصل عام ألفين حين طلب الياس من عمه، يومها، الرئيس إميل لحود إبلاغ والده أنه يودّ ابدال أبو الياس بـ الياس في وزارة الداخلية. حتى حصول ذلك، يواظب أبو الياس على التأكيد أن «الياس لا يعمل للنيابة، ولا يملك على صعيد التواصل مع المواطنين عدة النجاح في المعارك النيابية».

ومن الحلفاء إلى الخصوم، يبدو حرص المر على التفاهم أكبر. الانتخابات الحاضرة في كل ثاني أوكسيد كربون يتنفسه أبو الياس لم تحضر في لقائه الأخير مع حزب الطاشناق. كان اللقاء «محطة عاطفية»: «أنا طبّقت الثمانين عاماً، منها أكثر من خمسين في العمل السياسي. الثابت الوحيد خلال مسيرتي كان التحالف مع الطاشناق». قال إثر الزيارة أمام الكاميرات إنه عاتب الطاشناق في الداخل، و«الصحيح أن العتب كان متبادلاً». قال إن ضغوطاً مورست على الطاشناق الذين يأخذون دائماً بالاعتبار وجود نحو 250 ألف أرمني في سوريا، والصحيح «اعترفت بضغوط كبيرة مورست عليّ أيضاً لأقبل بتشكيل اللائحة كما تشكّلت في الانتخابات الماضية». يهزأ المر بمرشح على لائحته لم ينل عشرين صوتاً في بلدته، ومرشح آخر يخسر لو ترشح للمخترة في بلدته، واصفاً أحد المرشحين الحزبيين ومرشحاً آخر من بلدة كبيرة بالـ«شراشيح». زيارة الطاشناق بالجملة توّجت زيارات كثيرة بالمفرق، كان هدفها إعلان تصالح العمارة وبرج جمود: «لم تُبحث فيها قضايا انتخابية، ولم ينقل خلالها الطاشناقيون أي رسالة، سواء من حزب الله أو من العماد ميشال عون»، بحسب المر. وفي روايته أن «الاتصالات وبرقيات التهنئة ـــ نعم برقيات التهنئة ـــ انهمرت عليه من أبناء المتن، نظراً إلى ما في هذه المصالحة من أثر إيجابي ينعم به جميع المتنيين بلا استثناء».

 

 

نصل إلى العلاقة مع عون. يكشف المر أن تصالحه مع الطاشناق سبقته مصالحة مع الجنرال. يروي حرفياً قصة مثيرة: إثر دخول عون المستشفى قبل نحو ستة أشهر ليوم واحد، سارعتُ إلى المرور مع أحد المرافقين بمتجر للورود كي أشتري له باقة، ومررت بمنزله ـــ فهو جاري ـــ لأضعها على الحاجز، بعدما كتبت له على الكارت «سلامتك جنرال». لكن العنصر الأمني استوقفني وسارع إلى الاتصال بعون لإعلامه بمروري. فما كان من عون إلا أن خرج بثياب المرض وركض حتى الحاجز وشدّني لأدخل، متعهّداً بألا يؤخرني أكثر من عشر دقائق. لكن الأحاديث أخذتنا نحو ساعتين، وحين فاتحني في موضوع الانتخابات، استأذنت قائلاً إن البحث الانتخابي مضيعة للوقت قبيل معرفة ما سترسو عليه الأوضاع في سوريا، لا سيما يا جنرال أننا حالفنا سوريا صحيح، لكننا لم نذهب مثلك إلى حدّ نقل مار مارون إلى حلب».

في روايته، يقول المر إنه لم يتصل بالجنرال ليعلمه بحضوره حتى لا يأتي عون بالكاميرات، ثم يقول إنه لم يكن يريد النزول وكان سيكتفي بإعطاء الحاجز الورود، ولا يلتفت إلى وجود «اختراع» اسمه «ديليفيري». لا هم، المهم أن أبو الياس بطرائفه وسرداته وبطولاته التي لا تنتهي بخير، والكثير من تركيباته لا تزال صالحة للاستخدام.

يعلم أبو الياس أنه لن يُستقبل بالحفاوة نفسها، سواء في بيت الرئيس سعد الحريري في وسط بيروت أو في بكفيا إن كان تحالفه مع قوى 14 آذار هو وسيلته الوحيدة للوصول إلى المجلس النيابي، كما هي الأمور اليوم. أما تواصله مع الطاشناق وعون وتلميحه إلى إمكان التفاهم معهما انتخابياً، فسيجعلان قوى 14 آذار تركض خلفه مجدداً لتسترضيه بما هو أحسن ممّا يقدمه عون له. هكذا هو أبو الياس.

 

أكثر من ثلث المتن عونيّ

 

في استطلاع أعدته الشهر الماضي شركة «ستاتيستكس ليبانون» لصاحبها ربيع الهبر الذي تصنفه معظم القوى السياسية في خانة الأقرب إلى قوى 14 آذار منه إلى التيار الوطني الحر، تبين في العينة التي ضمت 1000 مستطلع أن التيار الوطني الحر يحظى بتأييد 33.30% من المستطلعين، الطاشناق 8.50% والحزب السوري القومي الاجتماعي 3%. في المقابل، أيد 18.50% من المستطلعين الكتائب، 11.50% القوات اللبنانية و5% النائب ميشال المر. ليتبين بالتالي أن حجم القوات بات ضعفي حجم المر (وفق عينة الهبر طبعاً)، وهي تقترب شيئاً فشيئاً من حجم الكتائب. وبالانتقال من الأحزاب إلى المرشحين، يتبين التقارب الشديد بين إبراهيم كنعان الذي يحل أولاً بـ 53.76 نقطة وسامي الجميّل بـ 51.28 نقطة، اللذين يبتعدان بنحو عشر نقاط عن أقرب المرشحين الموارنة الآخرين، مثل نبيل نقولا الذي يحل ثالثاً بـ 42.16 نقطة وسليم سلهب رابعاً مع 41.66 نقطة. ورداً على سؤال بشأن أول سياسي متني يخطر على بال المستطلعين حين يفكروا في منطقتهم، سمى 22.50% منهم كنعان، 19.17% الجميّل، 6.40% فقط ميشال المر مقابل 2.70% الياس المر. واللافت هو قول 13.50% من المستطلعين إنه لا أحد يخطر على بالهم. وفي السياق نفسه، رأى 14.70% من المستطلعين أنه لا أحد من سياسيي المتن يعبّر عن آرائهم، رداً على سؤال آخر. أما الأهم والأخطر بالنسبة إلى أبو الياس، فيرد في جواب السؤال المتعلق بالشخصية المتنية التي يتوجهون إليها حين يحتاجون إلى خدمة؛ إذ أجاب 46.20% من المستطلعين بأن ليس لديهم من يتوجهون إليه، 10.10% أكدوا أنهم لا يطلبون شيئاً، 9.20% يتوجهون إلى النائب إبراهيم كنعان، 8.70% يقصدون المر و7.6% عند الجميّل.

 

الاستيلاء على «دولة (الرئيس) ميشال المر»

 

رغم النفوذ التاريخي لحزب الكتائب في المتن الشمالي، الذي تحوّل في العقدين الماضيين إلى المعقل الأساسي والخزان الشعبي الأول للتيار الوطني الحر أيضاً، عرف النائب ميشال المر كيف يبني لنفسه حيثية كبيرة في هذه الدائرة. عونيّو المر الذين أيدوا الخيارات السياسية للتيار الوطني الحر، لكنهم آثروا الاستمرار في تأييد المر للحصول على الخدمات والتسهيلات التي توفرها «العمارة» لناخبيها، وكتائبيو المر الذين وازنوا أيضاً بين مواقف الكتائب السياسية وحاجاتهم الخدماتية، يتحوّلون يوماً تلو آخر إلى عونيي عون وكتائبيي الكتائب. لم يعد لدى المر في إدارات الدولة أكثر بكثير مما لدى التيار والكتائب.

ليس أبشع من أن يفقد الساحر أمام جمهور عريض قدرته على إخراج الأرانب من قبعته، أو أن ينتظر الجمهور إخراجه بجعة، فإذا به يخرج لهم فأراً. لعل عدم تتبع المعجبين بأسطورة ميشال المر لأخبار نفوذه أفضل لهم. يفقد تجفيف نبع خدمات المر في إدارات الدولة النائب ميشال المر قدراته السحرية. ولعل الأبشع من ذلك أن تنام عقدين من الزمن دولة الرئيس ميشال المر لتستيقظ في الثمانين من عمرك النائب ميشال المر حاف. نعم، لم تعد «دولة الرئيس» تعني المر. يمكن المر أن يلتفت في صالون عزاء إلى أشخاص يتحدثون عن «دولة الرئيس»، مفترضاً أنهم يقصدونه فيكتشف أنهم يتحدثون عن الرئيس فؤاد السنيورة أو الرئيس نجيب ميقاتي أو حتى اللواء عصام أبو جمرة. لم تعد «دولة ميشال المر» قائمة. ولم يعد اسم المر يرعب. يرفض المر اليوم الاعتراف بتراجع نفوذه، لكن من يتجول بين البلديات وبعض الإدارات الرسمية المتنية يتبيّن له بسرعة أن ثمة عصيّاً برتقالية وخضراء تعترض دواليب ماكينته الانتخابية القائمة على أقنومي العصا والجزرة، أو الترهيب والترغيب. يمضي بعض رؤساء المجالس البلدية المحسوبين على المر معظم وقتهم متنقلين اليوم بين منازل النواب العونيين ومكاتب وزرائهم. صحيح أنهم يمرون عصراً بـ«العمارة» ليستهزئوا بسذاجة بعض هؤلاء النواب، إلا أنهم يدركون أن طريقهم إلى الخدمات ما عادت تمر في «العمارة» إلا عند تفاقم زحمة الأوتوستراد فيضطرون أن يسلكوا طرقات المتن الداخلية. ها قد شملت تشكيلات وزارة الداخلية للمفتشين على البلديات أولئك المقربين من أبو الياس، فيما أبعدت تشكيلات قوى الأمن معظم المحسوبين على المر. والمتن ينتظر أن تحمل إليه التعيينات الجديدة ـــــ التي يحاول عون احتكارها مسيحياً ـــــ قائمقاماً جديداً ورؤساء مصالح وهيئات إدارية للمستشفيات وغيرها.

ثمة في المتن مجموعة صحون: واحد للكتائب، واحد للعونيين، واحد للقوات واحد للطاشناق وواحد للمر. الصحن الأرمني حرّ إلى درجة لا يجرؤ معها أحد على مجرد التفكير بالأكل منه. أكلت القوات صحن النائب الراحل نسيب لحود وبعض صحن الكتائب؛ وبين صحني العونيين والمر، أسهل لها الأكل من صحن المر. التيار الوطني الحر يعلم أن الأكل من صحن المر أسهل بكثير من الأكل من الصحون الثلاثة الأخرى. الكتائب تعتقد الأمر نفسه. ثمة هجوم إذاً على صحن المر الشعبي.

ومن مصائب المر، إضافة إلى محاصرته خدماتياً، تقدم الأطراف الثلاثة المناوئة له تنظيمياً. فبعدما كانت ماكينة المر شبه الوحيدة المنظمة، تتقدم الماكينات الحزبية الثلاث اليوم تلو الآخر لتتجاوز ماكينته، طامحة إلى مماثلة ماكينة الطاشناق الانتخابية.

أما الأسوأ فهو افتقاد المر قدرته الإعلامية والإعلانية على تسويق «خبرياته»، وآخرها «قدوم الطاشناق إلى عمارة شلهوب للاعتذار»، مثلها مثل «هرولة الجنرال لاستقباله بثياب المرض»، وقبلهما «طلب الرئيس ميشال سليمان منه التوسط مع ابنه إلياس لمصالحتهما».

زيارة الطاشناق الأخيرة للمر أوحت أن «العمارة» لا تزال الأساس لأي حركة سياسية في المتن، لكن النقاشات الجانبية على هامش الزيارة وأرقام الدراسات الإحصائية توحي بأن ثمة معركة تستعر اليوم، في انتظار معركة الانتخابات النيابية، عنوانها الاستيلاء على «دولة ميشال المر».

 

في العمارة: الداخل مولود والخارج مفقود

 

 

في ساعة واحدة، يتكلم النائب ميشال المر على كل قضايا المتن ولبنان وسوريا والعالم العربي وكينشاسا. لكنه يحتاج إلى أكثر من ساعتين لفش خلقه من توزير سليم جريصاتي. لا شيء يؤلم أبو الياس أكثر ممن يتهمهم بالأكل من صحنه، ثم البصق فيه. يبدأ بجريصاتي الذي عمل في مكاتب المر طويلاً، «قبل أن يطوّل شعره ويحسّن فرنسيته»، ثم ينتقل إلى آخرين. يستوقفه طويلاً المدير العام السابق لوزارة العمل، رتيب صليبا، والمدير العام السابق للدفاع المدني، درويش حبيقة. كانا من حجارة الزاوية في عمارة شلهوب، صارا من حجارة الزاوية في الهجوم على «العمارة». يعجز زعيم زعماء المتن عن استيعاب خروجهما عن طاعته. كيف يعقل!: «في بتغرين كلها، لا تجد غير فيلّات رتيب صليبا وولديه، ثم يتهمونني أنا بالفساد». سيرتهما توتره. يروي بانفعال عن ثرواتهما اليوم، مقارنةً بأوضاعهما قبيل تغطيتهما بنفوذه، لينتهي بالقول إن «العمارة» من دون هؤلاء أنظف بكثير منها في حضورهم. رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لهيئة إدارة السير والمركبات، فرج الله سرور، كان في «العمارة» وخرج. المدير العام لوزارة الأشغال العامة، فادي النمار، أيضاً. مأمور نفوس بكفيا يزبك صليبا. ثلاثة عمداء على الأقل في قوى الأمن الداخلي. عميد على الأقل في استخبارات الجيش. ثلاثة ضباط في الجيش برتبة رائد. وموظفون آخرون كثر في الداخلية والمال والاتصالات والطاقة والمياه والأشغال العامة كان المر وليّ نعمتهم الوحيد، فصار المر واحداً من أولياء نعمهم. لكن، ألا يفقد كل ذلك «العمارة» زخماً ونفوذاً وعلاقات؟ بلى طبعاً، لكن المر يرفض الاعتراف. في رأيه: «الداخل إلى العمارة مولود والخارج مفقود».


Script executed in 0.193678855896