أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الراعي في مواجهة الشياطين

الخميس 15 آذار , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,009 زائر

الراعي في مواجهة الشياطين

مكرم عبيد 

(زعيم سياسي قبطي مصري 1889 ـ 1961) 

حمل البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي صليبه ومشى، إلى قطر والأردن، وكان يتمنى لو يبدأ زيارته للأبرشيات العربية في سوريا، قلب العروبة وحاضنة الموارنة منذ أكثر من 1600 سنة، أي منذ تنسك فيها مارون ودفن في براد، قرب حلب، ثم أسس يوحنا مارون الطائفة التي يفخر البطريرك الراعي بعروبتها، وقد شملت رسالتها أنطاكية وسائر المشرق العربي الذي تعتز كنيسة البطريرك بانتسابها إليه. ولقد أكد ذلك خلال زيارته الأسبوع الماضي للأردن بقوله: «إن الكنيسة المارونية عربية ومسكونية، وقد لعبت دوراً مهماً في نهضة الشعوب العربية وحضارتها». وأضاف: «نحن لا نجد ذاتنا إلا داخل هذا العالم العربي». 

وكان البطريرك الماروني انطلق في نظرته إلى «الربيع العربي» الذي صادف وانطلاق حبريته اثر استقالة البطريرك الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير العام الماضي وانتخابه خلفاً له، 


من تخوفه من تغيير الأنظمة بواسطة العنف وما يرافقه من قتل وتدمير، ووصول حكام إسلاميين متشددين إلى السلطة، الأمر الذي قد يهدد وضع المسيحيين في تلك الدول، مستشهداً بالعنف الذي اجتاح العراق منذ الغزو الأميركي له عام 2003 والذي سقط جراءه مئات ألوف الضحايا، كما أدى إلى هجرة قرابة نصف المسيحيين العراقيين، بعدما كان مسيحي، هو طارق عزيز، قد شغل لسنوات منصب نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية. 

وبسحب هذه النظرية، أي نبذ العنف ورفض التغيير السياسي بالقتل والحديد والنار، على ما يجري منذ سنة في سوريا، قامت القيامة على الراعي همساً داخل فريق 14 آذار، خصوصاً من جانب «تيار المستقبل» الذي كان انتقد تصريحاته الباريسية التي ضمّنها توجساً من وصول إسلاميين متشددين إلى الحكم في سوريا، وانعكاس ذلك على الوجود المسيحي الذي اكتوى بنار «الحروب العبثية في لبنان» التي أدت إلى هجرة قرابة نصف المسيحيين، مما شكل نقطة سوداء في تاريخ الموارنة، إذ غامر فريق منهم في تلك الحروب التي انتهت بهزيمة عسكرية وخراب كبير. 

وإذ اكتفى «المستقبل» بصوت خفيض، تحاشياً لإثارة نعرات طائفية سنية ـ مارونية، بادر زعيم ماروني بارز، هو سمير جعجع رئيس الهيئة التنفيذية في حزب «القوات اللبنانية» إلى رفع الصوت والتصدي لبطريرك طائفته في سابقة لا مثيل لها من حيث اللهجة والأسلوب. إذ لم يحصل أن سمح ماروني لنفسه بأن يخوّن البطريرك ويحطّ من قدره علناً وأمام الدول والطوائف الأخرى، كما فعل جعجع، وذلك رداً على موقف الراعي من العنف والقتل والتدمير، في ليبيا كما في سوريا، حين قال لوكالة «رويترز» التي سألته رأيه في «الربيع العربي»: «كيف يكون ربيعاً عربياً ويُقتل الناس كل يوم؟، باسم ماذا؟ التغيير؟ الديموقراطية؟». وفي انتقاد غير مباشر للسياسة الغربية، ولا سيما الأميركية المنحازة إلى إسرائيل، وللديموقراطية التي أتى بها الأميركيون على مدافع الدبابات إلى العراق، قال البطريرك: «يتحدثون عن العراق والديموقراطية ومليون مسيحي من أصل مليون ونصف هاجروا من العراق. أين الديموقراطية في العراق؟». 

وفي موازاة الديموقراطية الزائفة في العراق رأى الراعي ان علمانية النظام السوري، وعدم دعوته إلى دولة إسلامية، يجعلان هذا النظام، على سيئاته الكثيرة، «الأقرب إلى الديموقراطية» من تلك الحركات التي تعمل لتغيير الأنظمة الديكتاتورية بالحرب والدمار والقتل مما يحوّل الربيع إلى شتاء. رافضاً أن يُلقى مسيحيو سوريا ـ وهذا حقه بل واجبه الإنساني قبل الديني ـ في أتون «العنف والدمار والقوة والسلاح»، مكرراً دعوته إلى الحوار وإيجاد تسويات سياسية. 

وثمة من أشار إلى ان جعجع ربما أثارته إشارة البطريرك في تصريحه الأردني إلى «تجربة الحرب اللبنانية العبثية التي لم ينتج عنها إلا الضحايا والعذاب»، والتي كان جعجع شريكاً فيها ومسؤولاً عما آلت إليه هزيمة فريقه عسكرياً من إذعان المسيحيين لإرادات عربية ودولية فُرضت عليهم صيغة في الطائف همّشت دورهم وألحقتهم بالطوائف الأخرى. وقد أظهرت الهجمة التي تعرض لها البطريرك منذ انتخابه وثباته على مواقفه، سواء من الهوية العربية للبنان الذي عاش على أكذوبة «الوجه العربي»، كما ورد في دستور 1926، مدة 63 سنة، قبل أن يتكرس في دستور الطائف عربياً كامل الأوصاف ـ والانتماء، أظهرت ان الرجل يعرف ما يريد: تطبيق الإرشاد الرسولي بالتضامن مع العالم العربي وقضيته المركزية فلسطين. والمجاهرة بعروبة لبنان والكنيسة المارونية معاً، وتنظيف تاريخ الموارنة وتحسين صورتهم التي شوهتها الحروب العبثية وما رافقها من قتل ونهب وخطف وتدمير لا يتمناها الراعي للعدو فكيف بالأخ السوري القريب والشريك؟! 

ولا يرى الراعي ان في العالمين العربي والغربي من يستطيع ان يوفّر ضمانات للأقليات في الشرق الأوسط، خصوصاً للمسيحيين الذين يرفض البطريرك اعتبارهم «جالية أجنبية» لأنهم أهل البلاد وجزء مهم من نسيجها الوطني، مؤكداً تمسكهم بأرضهم وبالتضامن مع أهلهم. وقد أيّده في ذلك مجلس المطارنة الموارنة بقوله «ان مستقبل الشعوب لا يقرره العنف، بل الروابط العميقة التي تشد أواصر الوحدة وتؤسس نظماً سياسية تليق بالإنسان وبكرامته». 

وبعيداً من التشفي وروح الانتقام، أبدى البطريرك تعاطفه مع الشعب السوري ووجعه «لأن المسامير دخلت أيادينا كلنا، ونتمنى ألا يعيش أي بلد ما اختبرناه نحن في لبنان»، وقال: «أنا أدعو وسأدعو مع كل أصحاب الإرادة الطيبة إلى حل الأمور بالحوار والمؤتمرات والتفاهم والتسويات». 

ففي النهاية، الراعي رجل دين ورع ولا عجب إن أثار حفيظة الشياطين! 

[email protected]


Script executed in 0.19996213912964