أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

باراغوانث يتغاضى في تقريره السنوي عن مخالفات من صنع بيلمار

الثلاثاء 20 آذار , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,574 زائر

باراغوانث يتغاضى في تقريره السنوي عن مخالفات من صنع بيلمار

استند باراغوانث في تقريره المؤلف من 53 صفحة «فولسكاب»، وتحديداً في الأقسام (باء) و( جيم) و(دال)، إلى صفحات تلقّاها من رئيس قلم المحكمة الهولندي هيرمان فون هيبل، المدعي العام بطبيعة الحال دانيال بيلمار وفريق عمله قبل انتهاء مهامه رسمياً، ورئيس مكتب الدفاع المحامي الفرنسي فرانسوا رو على التوالي، ممّا يعني أنّ الأخطاء الواردة في متن التقرير لا يتحمّل مسؤوليتها منفرداً، بل تقع المسؤولية على الوحدة التي زوّدته بها فتلقّفها ونشرها من دون أن يدقّق فيها، وهذا يعني أنّ المسؤولية مضاعفة. 

 

تمرّد بيلمار

 

يستفيض باراغوانث في الجزء الثاني المخصّص للحديث عن الأنشطة الرئيسية للمحكمة (الصفحة 13)، في الكلام على ما فعلته المحكمة في ما تسمّيه «قضيّة عيّاش وآخرين»، أو بالأحرى القرار الاتهامي الصادر بحقّ أربعة أشخاص من «حزب الله»، وطرائق محاكمتهم إمّا بتوقيفهم وسوقهم مخفورين إلى المحكمة في لاهاي، أو عبر استخدام نظام المؤتمرات المتلفزة، وهو نظام لن يغشّ قيادة «حزب الله» فتسمح باللجوء إليه ، لأنّه إقرار ضمني وقبول بالمحاكمة التي يعتبرها «غير شريفة»، علماً أنّ الحزب وكما قال أمينه العام السيّد حسن نصر الله، يرفض التعامل مع المحكمة، فضلاً عن أنّ القبول بهذا الأسلوب يبرر خطاب منتقديه على خلفية اتهامه بحماية المتهمّين وصبّ المزيد من الزيت على نار القضيّة المشتعلة أساساً.

فجأة تطرّق باراغوانث بخجل إلى قضيّة ملاحقة اللواء الركن جميل السيّد للمدعي العام دانيال بيلمار، وبالتالي من حلّ مكانه مواطنه نورمان فاريل بشأن تسليمه إفادات شهود الزور والمفترين جنائياً. وتستمرّ هذه الدعوى قائمة بوجه فاريل لأنّها موجهة ضدّ المدعي العام بصفته هذه وليست شخصية، أيّ إنّ المقصود ليس بيلمار شخصياً بل عمله وإخفاؤه لشهادات المضلّلين الذين يعرفهم عن كثب.

وما شدّ في قول باراغوانث هو اختصاره الشديد في الحديث عن هذه القضيّة التي تحمل الرقم واحد في قائمة جلسات المحاكمات العلنية التي قامت بها المحكمة منذ ولادتها، فهو قال بالحرف الواحد: «وأُحْرز خلال السنة الماضية أيضاً، تقدّم في قضيّة (جميل) السيّد التي لا تزال قائمة».

لم يشرح باراغوانث للرأي العام كيف أنّ بيلمار أو لنقل مكتب المدعي العام، يتمرّد على قرارات قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين والمحكمة التي تلزمه بتسليم المستندات المطلوبة، ولم يذكر كيف يمكن للمحكمة أن تتصدّى لعملية الفرار البيلمارية هذه من مواجهة الحقيقة، فهل لأنّ الأمر يتجاوز أشخاص شهود الزور الصغار ليشمل شهوداً مخفيين كباراً، أو أنّه يتعدّى حصر المسؤولية الجرمية بهم إلى من ساقهم بنَيْر المال والإغراءات إلى التحقيق لتضليله وتشويهه؟.

لم يشأ باراغوانث أن يعرّي فعلة المدعي العام المخالفة للقانون، ولكن أنّى له أن يقنع شريحة لا بأس بها من اللبنانيين بأنّ محكمة يتمرّد عليها مدع عام يمكنها أن تكسب تأييد وثقة هذه الشريحة؟ أليس الأولى وضع حدّ للمدعي العام ولتصرّفاته المسيئة لسمعة المحكمة من أجل إقناع جمهور كبير من المهتمّين بأنّها تعمل بصدق ونزاهة بعيداً عن أيّة مواربة أو تمويه أو تشويه؟ وإذا كانت المحكمة تتطلّع إلى مكافحة الإفلات من العقاب، فلماذا تترك المدعي العام يفلت من حقيقة تسليم السيّد المستندات، مهدراً المزيد من الوقت؟ وهل المدعي العام أقوى من المحكمة حتّى يبدو أنّه لا يعير قراراتها أيّ اهتمام جدّي؟.

 

التشهير وانتهاك قرينة البراءة

 

يقول باراغوانث في الفقرة الثالثة وتحت عنوان: «قضيّة المدعي العام ضدّ عيّاش وآخرين» (الصفحة 14)، بأنّ قرار الاتهام «ظلّ سرّياً في بداية الأمر لتسهيل البحث عن المتهمّين والقبض عليهم، غير أنّ قاضي الإجراءات التمهيدية قرّر، في أعقاب إيداع طلب من المدعي العام، وتيسيراً لنشر مذكّرات التوقيف بواسطة الانتربول، رفع السرّية عن جزء من قرار الاتهام في 28 تموز 2011».

في هذا الكلام، مغالطة فظيعة وتغاض غير مقبول عن الانتهاك الكبير الذي تمّ لسرّية قرار الاتهام ولمبدأ قرينة البراءة، إذ جرى تسريب أسماء المتهمّين الأربعة من مكتب المدعي العام الدولي قصداً، قبل لحظات من تسليم وفد من المحكمة المدعي العام التمييزي اللبناني القاضي سعيد ميرزا نسخة من هذا القرار، وذلك في الاجتماع الذي عقد بين الطرفين في مكتب ميرزا في الطبقة الرابعة من قصر عدل بيروت في 30 حزيران 2011، فكيف يقول باراغوانث إنّ القرار ظلّ سرّياً لغاية تموز؟ ولماذا لم تحقّق المحكمة في أسباب هذا التسريب الرامي إلى التشهير والبلبلة وإثارة النعرات المذهبية والطائفية في لبنان؟ وألا يعتبر هذا العمل تحقيراً للمحكمة من قبل فاعليه والقائمين به ومن يقف خلفهم، ممّا يقتضي معه محاكمتهم عليه؟ أليس تجاوز المحكمة لهذا الخرق يعني إقرارها الضمني برضاها على مبدأ خرق تمتع المتهم بغضّ النظر عن صحّة التهمة أو عدم صحّتها وجدواها، بقرينة البراءة؟ وهل أجرت المحكمة تحقيقاً في هذا التسريب وماذا كانت نتيجته؟ وإنْ لم تفعل فلماذا؟.

يعرف باراغوانث أو تناهى إلى سمعه أو قرأ، أنّ صحفاً ومجلاّت أجنبية كانت قد نشرت مقتطفات من القرار الاتهامي وبعض أسماء المتهمّين الأربعة قبل صدور القرار نفسه رسمياً، فهل هذا النشر المخالف للقانون هو من طبيعة عمل المحكمة؟ وهل هو يحفظ سمعة المحكمة؟ وألا يعتبر المدعي العام مسؤولاً عنه هو شخصياً، أو أحد من العاملين في مكتبه؟. ماذا فعلت المحكمة في هذه المسألة؟ وإذا لم يتمّ التطرّق إليها في التقرير السنوي وضمن فترته الزمنية، فهل يعقل أن تقاربه المحكمة في تقارير أخرى؟. إنّ الجواب على السؤال الأخير محسوم، وهو أنّ التغاضي عن هذا الانتهاك يعني السعي إلى طمره ودفنه وعدم فتح العيون عليه في أيّ وقت في المستقبل، ولكنّ هذا الأمر لا يخدم أهداف المحكمة على الإطلاق.

يقول باراغوانث (الصفحة 19)، إنّ موظّفي الغرف عملوا «بنشاط لمعالجة الطعون في الإجراءات التأديبية الداخلية»، ولم يكمل ليزيل الالتباس الذي تفصّله هذه الجملة، فما هو سبب هذه الإجراءات في الأساس، وبمن اتخذت؟ وهل طاولت من تعمّد تسريب المعلومات من مكتب بيلمار لمجلّة «دير شبيغل» الألمانية على سبيل المثال لا الحصر؟ وماذا كانت نتائج هذه الطعون؟.

 

التمويل

 

يسرد باراغوانث في الصفحة 31 أسماء الدول الـ 26 التي قدّمت مساهمات مالية لدعم قيام المحكمة وإيقافها على قدميها واستمراريتها، والغريب أنّه يسقط منها اسمي الكويت والسعودية، فهل رفضتا الإسهام مادياً في ميزانية المحكمة بعدما كانتا من عداد الدول المموّلة وتحديداً الكويت كما ورد في التقرير السنوي الثاني الموقّع من رئيس المحكمة السابق القاضي أنطونيو كاسيزي والصادر في العام 2011؟.

ثمّة عبارة لافتة للنظر يقول فيها باراغوانث ما يلي: «تلقّت المحكمة منذ إنشائها مساهمات من 26 بلداً، إمّا في شكل تبرّعات، أو في شكل دعم عيني»، ثمّ يذكر أسماء الدول المساهمة بالإضافة إلى لبنان، ولا يرد فيها لا اسم الكويت ولا السعودية ولا أيّة دولة عربية أخرى، علماً أنّ السعودية قالت في خبر نشر عنها في وسائل الإعلام اللبنانية في الأوّل من شهر نيسان 2011، بعد نشر كاسيزي تقريره المذكور وعدم ورود اسمها ضمن لائحة الدول المموّلة، أنّها دفعت حصّتها للمحكمة، حيث قيل في الخبر إنّ وزارة الخارجية اللبنانية تبلّغت أنّ السعودية دفعت عشرة ملايين دولار أميركي لموازنة المحكمة، فأين هي الحقيقة؟.

في الصفحة 36 من التقرير، يقول بيلمار في الشقّ المتعلّق بعمل مكتبه والذي حرص باراغوانث على القول بأنّه من إعداد المدعي العام «استمرّ التحليل الدقيق لكمّ هائل من المعلومات المجمّعة، من مصادر مختلفة من أجل تحديد خيوط مفيدة، ما أدّى إلى كشف أدلّة قيّمة لدى متابعة هذه الخيوط بتحقيقات ميدانية، ولم يكن إحراز هذا التقدّم ممكناً لولا ما قدّمه لبنان ودول أخرى من تعاون ومساعدة مستمّرين في إطار التحقيق»، وذلك في معرض حديثه عن محاكمة المطلوبين بقضيّة «عيّاش وآخرين»، وتحديد هويّة أشخاص آخرين مسؤولين عن اعتداء 14 شباط 2005.

فهل حصل بيلمار على معلومات من إسرائيل؟ ومن يقصد بالمصادر المختلفة؟ وهل راعى مثلاً أنّ هناك دولاً كثيرة وفي طليعتها الولايات المتحدة تعادي المقاومة و«حزب الله»، مع الإشارة إلى أنّ أيّة معلومات مستقاة من أميركا تصبّ في مصلحة إسرائيل بطبيعة الحال بحكم العلاقة الوثيقة بينهما؟.


Script executed in 0.18002581596375