الحلقة الأولى بدأت على المستوى الأميركي، وذلك أثناء زيارة الراعي لواشنطن مطلع تشرين الثاني الماضي. يومها أعلن البيت الأبيض مقاطعته للبطريرك. وأرسل من يشرح لأوساطه أن هذه المقاطعة رسالة أولى على طريق الحصار الشامل، إلا إذا ...
لم يتراجع غبطته. فكانت حلقة الحصار الثانية قبل أسبوع، على المستوى الإقليمي. فبعد الفتوى السعودية بهدم الكنائس، وبعد تبلور الظواهر الأصولية التكفيرية والعنفية في كل دول «الربيع العربي»، فجأة خرج شيخ الأزهر عن فلسفة وثائقه «الربيعية»، وأعلن مقاطعته البطريرك الماروني في القاهرة.
ورغم حلقة الحصار الثانية، تابع البطريرك، ولم ينثن. فبات واضحاً للمعسكر المتربص به، أن الحصار على المستويين الأميركي والإقليمي لا يكفي. بل لا بد من استكماله بمستوى محلي داخلي لبناني. فصدرت التعليمات بمقاطعة قداس البشارة وذكرى التولية، لتكتمل السلسلة.
لكن السؤال الضروري في هذا السياق هو: ما الذي يجمع بين المستويات الثلاثة؟ ما الذي يجمع بين الفريق المسيحي ــــ الحريري لبنانياً، وبين المؤسسة الدينية الرسمية إقليمياً، وبين مؤسسة القرار الأميركي غربياً؟ علماً بأنه في الشكل والظاهر، ثمة تباينات كثيرة وكبيرة بين نوازع الجهات الثلاث وميولها، كما بين خلفياتها وتطلعاتها.
أدبيات الإجابة عن هذا السؤال باتت أكثر من أن تحصى أو تحصر. وفي محصلتها أن ما يجمع الثلاثة هو هذا المشروع الصهيو ــــ إسلاموي، الذي تبنته واشنطن منذ مدة. وهو مشروع يؤمن مصالح كل منهم: واشنطن تأخذ النفط. وإسرائيل تأخذ الأمن والاعتراف وعجز أي قوة مجاورة أو قريبة عن مواجهتها. والإسلاميون يأخذون السلطة، من ضمن تلك الضوابط. وفي هذا المجال تبدو الإشارة ضرورية الى الكتاب الصادر أخيراً تحت عنوان «قطر وإسرائيل، ملف العلاقات السرية»، والذي وضعه سامي ريفيل، أول رئيس لمكتب تمثيل المصالح الإسرائيلية في الدوحة، تعميماً للفائدة ...
أما السؤال الثاني المتولد من الأول، فهو وسط هذه الإمكانات المالية والمادية والإعلامية والدبلوماسية الهائلة، لماذا لا يزال أهل ذلك المشروع يرون في سيد بكركي خطراً عليه وعليهم؟
ربما للأسباب الثلاثة نفسها التي اقتضت مستويات محاصرته الثلاثة. فعلى المستوى اللبناني، يدرك أصحاب المشروع الصهيو ــــ إسلاموي مدى ثقل البطريرك وتأثيره في المشهد السياسي اللبناني. يكفيهم استطلاع أجرته قبل أيام جهة موثوقة، أظهر أن نحو 80 في المئة من المسيحيين في لبنان يؤيدون توجهات الراعي. تصوروا لو أن هذا الاستطلاع تجسد في الاستحقاق النيابي بعد نحو عام، تحت عنوان «لوائح البطريرك»، على الساحة الرمادية الوحيدة في الصراع اللبناني. إن احتمالاً كهذا كاف لقلب موازين القوى في لبنان، مع ما لذلك من انعكاسات إقليمية لا يجهلها أحد.
أما على المستوى الإقليمي، فثمة انطباع راسخ بأن مسألة الحرية في الشرق مرتبطة عضوياً وجوهرياً بمسألة الأقليات. منذ قيام مفهوم «المسألة الشرقية»، ما يعني أنه لا مجال لطرح شعار الحرية والديموقراطية، فيما الأقليات رافضة لأسلوب الطرح أو طريقة تحققه. والأقليات في المنطقة ترمز إليها بكركي، منذ قيام كيان لبنان، ومنذ رد ذلك الأسقف الإيراني على فؤاد أفرام البستاني، حين سأله المؤرخ اللبناني في الستينات عن أحوال مسيحيي إيران، فأجابه: كما تكون بكركي نكون نحن ... من هنا استحالة التسويق لربيع حريات في الشرق، والأقليات خارجه رافضون، وبكركي خصوصاً معترضة على التركيبة الملفقة والمزورة والمفبركة.
يبقى على المستوى العالمي أن صوت بكركي هو من صوت روما. وصوت روما فاعل في كل الغرب، أكثر بكثير مما توهم ستالين عشية يالطا، فضلاً عن أن الرأي العام العالمي الذي تخاطبه واشنطن، يدرك في ذاكرته الجماعية ترابط صورة الأسقف مع صورة المناضلين الفعليين من أجل الحرية الحقيقية. هكذا في بولونيا مع فيشنسكي وغليمب وبوبيلوسكو الشهيد. وهكذا في البيرو مع روميرو، وفي جنوب أفريقيا مع توتو، وفي تيمور الشرقية مع بيلو ... فإذا كان الأسقف معارضاً، سيتساءل الرأي العام الغربي عما إذا كانت لعبة واشنطن مجرد مسرحية مخابراتية، على طريقة تشيلي، أو 11 أيلول الأول، كما سماه نعوم تشومسكي.
لكل هذه الأسباب مطلوب إسكات الراعي. ولإسكاته كل شيء مشروع، من الحصار حتى الاغتيال ... ولو سياسياً.