أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

أكثر من ثلث اللبنانيين يعانون امراضاً غالبيتها مستعصية

الأربعاء 28 آذار , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,457 زائر

أكثر من ثلث اللبنانيين يعانون امراضاً غالبيتها مستعصية

جوسلين واكيم - البلد

 

من يدخل الى المستشفيات في لبنان سواء كانت خاصة ام رسمية يلاحظ ان المرضى يقفون في الصف في انتظار سرير شاغر فيما اقسام الطوارئ تعج بالمرضى. اما الصيدليات فحدث ولا حرج الكل يحمل اكياسا مليئة بالأدوية ما يدفعنا الى الوقوف لتسليط الضوء حول الوضع الصحي لدى اللبنانيين.

 

الفقر والكثير من الأمراض أمران متلازمان في أغلب الحالات. فالفقر يحتم سوء التغذية ويتسبب في تدهور الظروف المعيشية، وما سوى هذا وذاك من عوامل أخرى كثيرة تشكل مرتعا خصبا لمختلف الأمراض. ولكن هذا لا يعني طبعا أن كل الفقراء في وضع صحي غير سليم وأن جميع الآخرين يتمتعون بالصحة الجيدة. ومهما كانت الحال، فتسليط الضوء على الحالة الاجتماعية الاقتصادية socio-economic status التي يعيشها المواطن اللبناني، أي على ذلك المقياس المُركّب من الدخل والمهنة والتعليم والظروف السكنية، يُظهر بوضوح أن الحالة الصحية لفئات المجتمع المختلفة تتناسب مع الوضع الاجتماعي الاقتصادي لهذه الفئات، أي ان الحالة الصحية تكون أكثر تدهورا كلما كانت هذه الفئات في وضع اجتماعي اقتصادي أدنى.

 

 يوضّح الطبيب والاختصاصي في الطب الداخلي الدكتور منير قسيس في حديث لـصحيفة "صدى البلد" ان "عوامل عدّة تقف وراء ارتفاع نسبة الامراض عند الشعب اللبناني ابرزها الـ stress او الاجهاد والذي له علاقة مباشرة بالجهاز العصبي للانسان ان كان من ناحية القلب او السكري... لعوامل الضغط النفسي تأثير مباشر على الصحة وهي موجودة بشكل شائع في لبنان نظرا للظروف المتردية التي يعيشها المواطن. هناك ايضا عوامل بيئية وطبيعية فالتغير المناخي والتقلب في درجات الحرارة (اليوم تكون 8 درجات في اليوم التالي تصبح 18) ما يسبب الامراض اذ ان الفيروس يحب تغيير الطقس.

 

  فضلا عن التلوث الناتج عن دخان المصانع والتدخين في الاماكن العامة والصرف الصحي غير المتواجد بشكل سليم في البلد. كما للعوامل الصحية والمادية تأثير ايضا على صحة الانسان فهناك عدد كبير من اللبنانيين غير قادرين على القيام بفحوصات دورية للقلب او السكري وغيرها وبالتالي فإن القلة المادية تؤدي الى تفاقم الامراض، وقلة حملات التوعية من قبل المجتمع المدني والدولة والهيئات الصحية تلعب ايضا دورها في الموضوع ".

 

 ويضيف قسيس "من ناحية الامن الغذائي ليس هنالك مراقبة او جهاز رقابي فعال، كذلك هنالك غياب للصحة المدرسية الموجودة في القوانين ولكن ليس على ارض الواقع فعدد كبير من المدارس ليس فيها طبيب وخصوصا المدارس الرسمية". وعند سؤاله عن نسبة زيادة الامراض عند اللبنانيين يجيب "نسبة الامراض مرتفعة سواء عند الاولاد او كبار السن. 13 الى 15% هي نسبة المرض عند الناس وهي 20% زيادة عن الـ 13 % في لبنان اي تقريبا 40000 شخص في لبنان مصابون بأمراض متنوعة (قلب، سكري، ربو...) زيادة عن العدد المتوقع".

 

 كيف يمكن للمواطن ان لا يمرض، وهو يعيش في حالة قلق دائم على مصيره ومصير اولاده... فالاسعار والفواتير سواء كانت مرتبطة بالمياه والكهرباء والمواد الغذائية والنفطية والعقارية تضاعفت والامن الغذائي اثبت مؤخرا انه معدوم بعد سلسلة اكتشاف اللحوم والاسماك والمواد الغذائية والادوية الفاسدة... ليضاف اليها عدم استقبال المستشفيات لمرضى الضمان... وتشير الإحصاءات في لبنان، إلى أن حوالي 50% من اللبنانيين غير مشمولين بالتأمينات الصحية، باستثناء ما تقدمه لهم وزارة الصحة العامة من خدمات.

 

 وهذا ما يؤكده الاختصاصي في امراض القلب الدكتور خليل هارون بقوله "لا شك ان الاوضاع الاقتصادية والوضع الايكولوجي البيئي، وقلة التغطية الصحية الكاملة، عوامل لها تأثير سلبي على صحة الانسان. وكل ما يتردى الوضع الاجتماعي الاقتصادي للناس ويزداد بالتالي فقرها ترتفع نسبة الوفيات، وعلى سبيل المثال لا الحصر اوروبا الغربية عانت من السل سابقا بسبب الفقر الا ان وضعها على الصعيد الصحي تحسن بعدما عملت على تحسين اقتصادها... ونحن في لبنان نعاني اليوم من الامراض القاسية لأننا نعيش اجواء توتر لا احد يؤمّن ماذا سيخبئ له المستقبل، فالكل يعاني من الفقر والجوع وغياب الكهرباء والمياه والامن الغذائي والتأمين الصحي ". ويختم هارون "باختصار إن الحالة الصحية تكون أكثر تدهورا كلما كانت هذه الفئات في وضع اجتماعي اقتصادي أدنى".

 

 تزامنت شيخوخة "رودولف فيرخو" (الطبيب وعالم الأعصاب الألماني والناشط السياسي المعروف في القرن التاسع عشر) مع حدثين مثيرين: تفشي مرض التيفوئيد في العام 1847 واندلاع ثورات العام 1848 الفاشلة. من هذين الحدثين استخلص "فيرخو" نتيجتين مهمتين: الأولى تشير إلى أن ثمة علاقة متينة بين انتشار الأمراض وظروف الحياة الصعبة، والثانية تؤكد أن من بيدهم القوة يمتلكون وسائل فعالة لقهرِ من لا حولَ لهم ولا قوة. وتشير دراسات حديثة إلى أن ما يرافق الفقر من ضغوط نفسية واجتماعية قد يزيد من مخاطر التعرض إلى العديد من الأمراض. فما رأي علم النفس بالموضوع؟

 

 يشير الطبيب والإختصاصي في علم الدماغ السلوكي والعاطفي الدكتور أنطوان سعد ان "60 لـ 90 % من المعاينات الصحة الاولية هي من الامراض النفس جسدية، وان الاوضاع والظروف الخارجية على تفاعل دائم مع الانسان ايا واينما كان الانسان وايا كانت الاوضاع علما ان الانسان يتفاعل بحسب ادراكه للواقع ويتفاعل حسب وكيفما يرى الظرف والاوضاع المعيشية والاقتصادية". ويعتبر سعد ان "عدم معرفة الانسان لذاته وبالتالي لحقيقة واقعه بحيث يبني افكاره وقناعاته والتي قد لا تكون حقيقية ومناسبة وانما تلقاها من بيئته او اكتسبها من خلال تجاربه الشخصية...

 

 من شأنها ان كانت غير مناسبة ان تضعه في وضع متأزم على المستوى الصحي النفسي الجسدي. على الانسان ان يعيد النظر بأفكاره وقناعاته ليقرأ الوجود والواقع قراءة جيدة. وبالتالي، يتم التعاطي مع العوارض الصحية كوجع في الرأس او في المعدة، عصر هضم، فقدان شهية، تقيؤ، سكري، ضغط عال، لعيان نفس حتى جلطات الدماغ والمشاكل الجلدية والهرمونية... مرتبطة ارتباطا وثيقا بالامراض والاضطرابات الناتجة عن الضغط النفسي. ومن اجل الوقاية او علاج هذه العوارض على الانسان ان يمارس تدريبا فكريا جسديا لتحفيز التناغم بين هاذين الجانبين المكونين للإنسان".

 

 اللبنانيون الذين يعيشون تحت خط الفقر

 قدر التقرير الوطني اللبناني إلى قمة التنمية الاجتماعية في كوبنهاغن عدد اللبنانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع بحوالي 7 في المائة من السكان، والذين يعيشون تحت خط الفقر المطلق بحوالي 28 في المائة من السكان .وتتطابق هذه التقديرات مع تقديرات بعثة الأمم المتحدة إلى لبنان التي قدرت بدورها أن ثلث الأسر اللبنانية مضطرة للاستدانة في نهاية كل شهر من أجل سد حاجاتها الأساسية ومنها الصحة.

Script executed in 0.19837689399719