أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حسابات جنبلاط الدمشقية تترجم بحفظ توازنات الداخل

الجمعة 30 آذار , 2012 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,231 زائر

حسابات جنبلاط الدمشقية تترجم بحفظ توازنات الداخل

 

لم يجد وليد جنبلاط حراجة في صدّ قوى 14 آذار، عندما حاولت إشراكه في النسخة الأخيرة من «الفيلم الآذاري الطويل»، في «البيال». يكفيه في السادس عشر من آذار، أن يضع علم «الثورة السورية» على ضريح «المعلم» كمال جنبلاط ، في المختارة، حتى تنتفي المسافة بينه وبين حلفاء الأمس، القريب، والبعيد البعيد، من دون أن يفرط للحظة واحدة بالخيارات التي أملاها أيار 2008، في ما يخص علاقته بـ«حزب الله» وباقي التوازنات الداخلية. 

أن تنطق «راية الثوار» بما كتمه «سيّد المختارة»، طيلة خمسة وثلاثين عاما، هذا أفضل تعبير عن مكنونات الاشتراكيين «السورية»، وهي تفوق بأضعاف المخزون اللفظي والعاطفي الذي يرتسم في فضاء 14 آذار.

في «القاموس الاشتراكي»، ثمة ارتباك في مقاربة الموضوع السوري. في الخطاب الحزبي الداخلي، حديث عن حتمية سقوط النظام. في حسابات وليد جنبلاط، اليوم، وليس قبل أشهر، انهيار النظام ليس حتميا، «لكن أن يقتل النظام شعبه، فهذه مسألة تترتب عليها مسؤوليات أخلاقية وسياسية. لن يحصل ذلك بين لحظة وأخرى».

كومة من الحسابات التاريخية أو المستجدة، تملي على «سيد المختارة» القفز من فوق سلسلة جبال لبنان الشرقية والانخراط في مواجهة مباشرة مع النظام السوري، يختلط فيها الشخــصي، بالســياسي والمالي.

في الخانة الشحصية، يفصح جنبلاط عن بعض مكنونات الماضي، يقول لرفاقه وأصدقائه، إنّ ثمة «بلاطة» ترزح على صدره منذ سنوات ويرغب بإزاحتها في أسرع وقت ممكن. ابن «المعــلم» كمــال، يقصد بكلامه جريمة اغتيال والده في العام 1977، التي ينبش ملفها تارة، ويخبئه طوراً، ربطاً بحســابات أهل المختارة.

في الجانب السياسي، يتعاطى «أبو تيمور» مع نظام بشار الأسد على أساس أنّ مشهد ما قبل الخامس عشر من آذار 2011، انتقل إلى كتب التاريخ، مع العلم أن المسؤولين الروس أبلغوه صراحة عكس هذه المقولة، وحمّلوه، وفق راصدي حركته، ضمانات أمنية على حياته الشخصية، لكنه يبدو برغم ذلك غير مطمئن، بدليل استعادته إجراءات أمنية، في تنقلاته، كما في محيط إقامته في كليمنصو أو المختارة.

يقول البعض لوليد جنبلاط إن النظام السوري لن يخرج من مستنقع حراكه، قبل سنوات، كي يستعيد عافيته. هذا إذا قدّر له أن يشفى من جراحه الممتدة على طول الوطن السوري وعرضه، يجيب «لا، لن تعود سوريا ساحة بل سيعود النظام قويا اذا استمر بإرادة الأميركيين والاسرائيليين والروس والايرانيين وربما العالم كله، وهو لن يرحم أحدا، وفي المقدمة، من يعتبر أنهم «خانوه» في لبنان».

في المقلب الإقليمي، يواظب جنبلاط على القيام بواجبات تقديم أوراق اعتماده أمام السعودية، لا سيما أن ما تسلل من أروقة «صاحب الجلالة» لم يهدم الجدار السميك الذي بناه الملك عبد الله بن عبد العزيز بوجه «الحليف المتقلّب» إثر تقديمه الأغلبية النيابية على طبق من ذهب الى الوسطي نجيب ميقاتي. لم يبلع السعوديون «فعلة» جنبلاط في كانون الثاني 2011. ما زالوا أسرى معادلة «السين سين» وكيف كان يمكن «تأبيد» سعد الحريري رئيسا للحكومة.

الكلمات المعدودة التي أودعها غازي العريضي في أذن الملك عبد الله في مهرجان الجنادرية الأخير لم تساهم في صدور عفو ملكي عن «البيك» حتى الآن. قبلها حاول جنبلاط أن يوجه رسائل عبر الشاشة (في المقابلة الأخيرة) مع الزميل مرسيل غانم، لكن أمر العفو الملكي لم يصدر بعد.

يحاول «الرجل الدرزي الأول»، أن يلقي عباءته على دروز سوريا البالغ عددهم أكثر من نصف مليون مواطن سوري، ولكن للمسألة محاذير عدّة: لجبل الدورز في سوريا رجاله ورجالاته، وهؤلاء يحمّلون سيد المختارة المسؤولية المعنوية عن التصفيات التي تحصل في المنطقة لأنّه ساهم في فتح العيون عليهم وزجّهم في أتون الصراعات المذهبية... علماً أنّ حسابات «أبو تيمور» تتجاوز اللحظة، لتتصل بسيناريوهات دراماتيكية قد تصيب الفسيفساء السورية.

الواقع الدرزي متداخل في لبنان وسوريا وفلسطين وثمة مصاهرات وعلاقات عائلية. صحيح أن الجغرافيا توزعهم، لكن الوقائع والأحداث توحدهم. يقول أحد مشايخ الطائفة الدرزية في لبنان إن جنبلاط لم يحم دروز سوريا بتحريضه المستمر لهم للانخراط في «الثورة». اذا صمد النظام فسيكونون مهددين بدفع أثمان الموقف الجنبلاطي، واذا سقط فسيدفعون ثمن تحالف الأقليات بوجه معارضي النظام. يضيف الشيخ نفسه «كان الأحرى بجنبلاط أن ينأى بنفسه.. لأن الحياد وحده يحفظ رأسنا وأهل السويداء ومشايخها أدرى بشعابها».

كل تلك الاعتبارات السورية المثيرة للجدل، لا تعني أن وليد جنبلاط مستعد للتفريط بإصراره الذي لا عودة عنه لفصل المسارين اللبناني والسوري: ما لدمشق لدمشق، وما لبيروت لبيروت. تموضعه السوري مناقض لوضعيته اللبنانية.

لا يريد جنبلاط المس بالتوازنات اللبنانية. يبقى متمسّكاً بالحكومة وبكراسيه الوزارية الثلاثة على طاولة الأغلبية النيابية التي تخالفه أكثريتها الرأي من الملف السوري. يساير تارة شركاءه، ويغازل طوراً خصومه المفترضين في قوى 14 آذار، الذين يتطلعون بدورهم إلى النصف الملآن من الكوب الجنبلاطي ويهملون النصف الفارغ.

بتقدير راصدي حركة «أبو تيمور»، يبدو الرجل مسكوناً بهاجس الفتنة الدرزية - الدرزية. الإشكال داخل «بيت الموحدين» على اختلاف حجمه، يؤرق سيد المختارة، ويدفعه للعدّ إلى المئة. فرئيس «تيار التوحيد العربي» وئام وهاب لا يهدأ ولا يستكين. إذا لم يأته بالإعلام، تسلل إليه من بوابة المشايخ، بعدما استخدم لعبة ذكية بدعوته رجال الدين أن يكونوا «شركاء في القرار السياسي الاستراتيجي الذي يتصل بمصالح الطائفة»، علماً أن المختارة لم تعتد يوماً أن تسير وراء رأي أصحاب العمامات، فكيف إذا كان هؤلاء من أهل الرأي المختلف؟

وعلى طريق سعيه لكسر أحادية القرار في البيت الدرزي، يتجه وهاب إلى الدعوة لتشكيل «مجلس أعلى للطائفة يضم الوزراء والنواب الحاليين والسابقين وممثلين عن كبار المشايخ، تكون مهمته النظر في قضايا الطائفة الكبرى».

وبمعزل عن متغيرات المسرح السوري، فإن جنبلاط يدرك أن أية نقلة سياسية في العلاقة بينه وبين سعد الحريري مرتبطة بإذابة الجليد السعودي عن طريق المختارة - وادي أبو جميل. ولهذا هناك من يقول إن رئيس «جبهة النضال الوطني» مستاء من موقف رئيس الحكومة السابق الذي «يطنّش» بنظره عن فتح الأبواب الموصدة بوجهه، على عكس ما أقدم عليه مع سمير جعجع الذي صار ضيفاً عزيزاً على أرض المملكة وجيرانها من أهل الخليج.

من الواضح وفق المتابعين أن الرجلين لم ينجحا بعد في التفاهم على قواعد التسوية بينهما. جنبلاط مستعجل في رسم خطوطها العريضة، و«الشيخ» يتركها لزمن الانتخابات، لأنها ستصبح حاجة ماسة لجنبلاط المزروك في «إقليمه»، فيما هو يدرك جيداً أن الأخير لا يشكل حاجة في هذا الظرف بالنسبة لقوى 14 آذار، ما دامت الحكومة الميقاتية محصّنة بقرار دولي واقليمي.

في قاموس «الاشتراكيين» كلام من نوع أن وجود الحكومة هو أفضل من غيابها. الموقع الوسطي الذي ارتضاه الحزب لنفسه كان خيار الضرورة لتكريس الاستقرار في لحظة اختلال إقليمي، وصار قناعة وحاجة لكل القوى، بعدما تحوّل «البيك الدرزي» إلى جسر يربط بين الخنادق المتخاصمة.

يدلل هؤلاء إلى مصالح الناس، وارتباطاتهم بكرسي السلطة. الخدمات بتعبير صريح. اليد الضعيفة التي تؤلم «الحزب التقدمي الاشتراكي». «فالرأي العام لا يرحم، ولا ترضيه الأعذار السياسية»، وبما أن عقارب الانتخابات صارت قريبة، فلا مجال لإدارة الظهر لـ«منجم» الحكومة الخدماتي.

يتمسك «الاشتراكيون» بدور وفاقي قد ينجح رئيس الحزب في لعبه إذا ما اهتزت الأرضية اللبنانية من جديد على وقع الزلزال السوري. وبالنتيجة، لا عودة قريبة إلى صفوف 14 آذار. هو أمر محسوم، مثلما لا مشروع بالانقلاب على الشركاء الحكوميين.

وبالتفصيل، يتــبيّن في الكتاب «الاشتراكي»، أن العلاقة مع «تيار المستقــبل» جيّدة، يحكمها التناغم على مستوى النقابــات والجــامعات. العلاقة مع «حزب الله» تنظّمها الخصوصــيات المتبادلة، والتنسيق على مستوى الوزارات ومناطق التماس الحساسة.

ويضاف إلى ذلك، موقف السعودية التي يُقال إنها وجّهت الكثير من الرسائل للداخل اللبناني ومفادها أنها لا ترغب في الوقت الراهن ببناء صداقات مع أي طرف داخل أي طائفة، على حساب قوى أخرى. في البقعة السنية تحترم الرياض التعددية، وفي المنزل الدرزي لا يبدو أنها في وارد مراعاة المختارة على حساب الآخرين. وقد يكون وهاب قد التقــط هذه الإشارة عندما أشاد بحرص الملك عبد الله علــى جميع أبناء الطائفة الدرزية.

وعليه، تصبح خيارات وليد جنبلاط محصورة بخيار اللا عودة إلى الوراء في خطابه السوري، وألا ثمن سياسياً يجعله ينقلب على حكومة نجيب ميقاتي.. يقود ذلك الى الإبقاء على «الستاتيكو» القائم لبنانيا.


 

Script executed in 0.22627902030945