أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«دير شـبيغل» و«جلاد» بابا عمرو: أعدمنا أكثر من 300 ودفناهم!

الأربعاء 04 نيسان , 2012 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,037 زائر

«دير شـبيغل» و«جلاد» بابا عمرو: أعدمنا أكثر من 300 ودفناهم!

 

«سوريا ليست بلداً لأصحاب المشاعر الحساسة».. تلك كانت عبارة «أبو رامي»، وهو أحد أبرز أفراد الجماعات المقاتلة في حمص، التي ختم بها حديثه إلى مراسلة مجلة «دير شبيغل» الألمانية في طرابلس أولريكه بوتس. أبو رامي، وكذلك صديقه حسين، تحدثا بـ«حماس» عما يسمى «كتيبة الدفن» و«كتيبة الاستجواب» وعن مقابر سريّة دفنوا فيها «أكثر من 150 شخصاً أعدمناهم بالرصاص أو ذبحاً بالسكاكين».. وتحدثا أيضا عن كيف أنهم «لا يتقنون لغة سوى العنف». 

رواية «دير شبيغل» ليست أول محاولة للكشف عن «الوجه الآخر للثورة»، خصوصاً بعد تقرير «هيومن رايتس ووتش» الذي اتهم مؤخراً المسلحين بـ«الإساءة البالغة لحقوق الإنسان»، ولكن أهميتها -إن صحّت- تكمن في تسجيلها لعمليات القتل التي ينفذها المسلحون.. بلسان المسلحين أنفسهم. 

ويأتي تقرير بوتس، التي التقت من وصفتهم بـ«جلادي بابا عمرو» أثناء فترة استشفائهم في طرابلس قبل «استئناف العمل»، في وقت غير بعيد عما نُقل عن تحرك «أصدقاء سوريا» في اسطنبول لدعم المعارضة المسلحة مالياً ولوجستياً. وبين أصوات ارتفعت مشككة بهوية من ستؤول إليهم أموال هذا الدعم، وبين ظروف حرجة يجد فيها المسلحون أنفسهم تدفعهم حسب اعترافهم إلى اعتماد تكتيكات جديدة (خطف، تفجيرات وغيرها)...اعتبرت «دير شبيغل» أن هناك دماء تراق قد لا يكفي وضعها في خانة «الانتقام من النظام المجرم»، بحسب حسين، لتبريرها. 


بصعوبة يتذكر حسين المرة الأولى التي أعدم فيها أحدهم. حدث ذلك في مقبرة وكان الوقت عصرا أو مساء. بكل الأحوال، إنه متأكد من أن المرة الأولى كانت حوالي منتصف تشرين الأول الماضي، ومتأكد أكثر من أن الرجل الذي قتله شيعي حكماً. يحاول حسين أن يبرّر فعله بالتأكيد أن الرجل اعترف بقتل «نساء محترمات» لأن رجالهن وأبناءهن شاركوا في الاحتجاجات ضد الرئيس بشار الأسد. 

بحسب «دير شبيغل» لم يبد حسين مهتماً بإمكان أن تكون اعترافات ذلك الرجل قد أفلتت منه تحت وطأة التعذيب، أو جراء خوفه من الموت. «هو إذاً سوء الحظ الذي أوقع الجندي في أيدي المتمردين»، تقول المجلة كاشفة كيف «أخذ حسين سكينه وذبح الرجل من الوريد إلى الوريد. بعد ذلك قام رفاق حسين، المنضوون تحت لواء ما يسمى «كتيبة الدفن»، بدفن الجثة على عجل في المقبرة الواقعة إلى الغرب من بابا عمرو، الحي الذي كان تحت سيطرة المتمردين الى وقت قريب. 

هكذا، والكلام للمجلة، اجتاز حسين «معمودية النار» التي تخوله أن يصبح عضواً في «كتيبة الدفن» في حمص. أعضاء الكتيبة، الذين لا يتجاوز عددهم بضعة أفراد، يقتلون باسم «الثورة». هؤلاء، تشير المجلة، يختلفون عن «كتيبة الاستجواب» التي تتولى مهمات التــعذيب، «إنهــا الكتيبة التي تنجز الجزء القــذر من العمل»، يعلّق حسين الذي يخضع للعلاج حالياً في مستشفى في طرابلــس جراء إصابته في ظهره من قبل الجــيش السوري أثناء الهجــوم الذي شــنّه على بابــا عمرو. 

يشعر حسين بالأمان في لبنان، لكنه يتوق لـ«العودة إلى العمل». ويفاخر قائلاً «كثيرون باستطاعتهم أن يمارسوا التعذيب، لكن قلة من هؤلاء تمتلك القدرة على القتل»، ويضيف «القتل باليد لا يعتبر مشكلة بالنسبة إليّ، ولا أدري ما سبب ذلك. لكن ميزتي تلك جعلت رفاقي يوكلون إليّ مهمة الجلاّد، وهي وظيفة لا يتقنها سوى مجنون مثلي». يذكر أن حسين، قبل انضمامه إلى «ميليشيا بابا عمرو»، كان يعمل كتاجر «بكل شيء من البورسلان إلى الألبان». 

ترى المجلة أن «المتمردين قد فقدوا براءتهم»، وتحاول تفسير ذلك على لسان حسين: «لم يعد ثمة قانون في سورية. يقوم الجنود والشبيحة بقتل الرجال وتشويه الأطفال. إذا لم نتحرك نحن فإن أحدا لن يحاسب هؤلاء على ما قاموا به... تم اعتقالي مرتين وتعرضت للتعذيب، كما عائلتي حيث خسرت ثلاثة من أعمامي، وهذا ما دفعني لطلب الانتقام». يمعن في محاولة إيجاد تفسير لتصرفه، تفسير تصفه المجلة بـ«المرعب»، فيقول «»عندما يكبر الأطفال في فرنسا فإنهم يكبرون مع اللغة الفرنسية، لذا يتقنون لغتهم بعد ذلك. نحن السوريين تربينا على لغة العنف، لذا نحن لا نتحدث لغة غيرها». 

كل ما يسوقه حسين من أسباب لتبرير أخذ الحق باليد من قبل المتمردين، بحسب المجلة، لا يكفي لتبرئته مما أطلقت عليه منظمة «هيومان رايتس ووتش» في تقريرها الأخير بـ«إساءات بالغة لحقوق الإنسان من قبل المتمردين السوريين». حسين ورفاقه ممن يخضعون للعلاج في طرابلس يتحدثون بطلاقة، حيث يقول رفيق لحسين اسمه أبو رامي «عندما نقبض عليهم سنضربهم بقوة». 

ويروي أبو رامي وحسين تفاصيل عمل جهاز القضاء البديل، الذي أنشأه المتمردون في حمص الخريف الماضي وما زال فاعلاً لغاية الآن. ويشرحان «عند القبض على مؤيدي النظام، يمثلون أمام محكمة ميدانية برئاسة قائد المتمردين في حمص ويدعى أبا محمد، فيما يتولى أبو حسين رئاسة لجنة التنسيق». ووفقاً لحسين فإن المحكمة تضم أحياناً المزيد من الرجال، ويعتمدون على تقرير تقدمه «كتيبة الاستجواب» عن اعترافات المتهمين لديها، وغالباً ما تكون بحوزة هؤلاء لقطات فيديو على هواتفهم الخلوية تثبت الفظائع التي مارسوها ضد المتمردين، وهنا تتأكد بسرعة من حقيقة أنهم مذنبون. في حال إدانة السجناء يتم تسليمهم إلى «كتيبة الدفن» التي تقودهم إلى حديقة أو مقبرة. وعندها يأتي دور حسين مع سكّينه». 

واقع أن حسين قام لغاية الآن بذبح أربعة رجال فحسب لا يرضيه البتة، فهو يجعله الأقل خبرة بين «جلادي» حمص. ويسارع إلى التبرير «جُرحت أربع مرات في الأشهر السبعة الماضية، وغبت طويلاً عن القتال، كما كانت لديّ واجبات أخرى حيث كنت مسؤولاً عن استخدام رشاش من طراز BKC. لذا قتلت عدداً كبيراً من الرجال بالرصاص، أما الذين ذبحتهم بالسكين فهم أربعة فقط». يطمح حسين الى أن يتغيّر الحال قريباً ويأمل أن يتمكن من العــودة قريباً إلى حمص «لأمسك مجـددا بالكــلاب وأذبحهم». 

لكن، هل جميع من أعدموا كانوا مذنبين؟ هل حظوا بمحاكمة عادلة؟ تسأل المجلة لتضيف ان أبا رامي يكشف أن «المتمردين في حمص بدأوا عمليات الإعدام بانتظام من شهر آب الماضي، أي بعد فترة قصيرة من احتدام الصراع في البلاد. وتشير المجلة إلى أن أبا رامي هو «عضو بارز في الجماعات المقاتلة في حمص. كما أن المتمردين السوريين الآخرين في المستشفى يظهرون له الاحترام عند التحية ويمعنون في الإصغاء إلى حديثه». 

يقول أبو رامي «منذ الصيف الماضي أعدمنا 150 رجلاً، أي حوالي 20 في المئة فحسب من الأسرى الذين كانوا لدينا. أما أولئك الذين لا تتم إدانتهم أو يحكمون بالإعدام، فتجري مقايضتهم بالمتمردين أو المتظاهرين الذين يعتقلهم الطرف الآخر». في المقابل، بحسب أبو رامي، «هناك عمل إضافي موكل للجلادين وهو متعلّق بالمتمردين أنفسهم». يسارع أحد الموجودين إلى الإيضاح «عندما نضبط سنياً يتجسس علينا أو عندما يقوم أحدهم بخيانة الثورة، فإننا نقوم بإجراء محاكمة سريعة»، وهنا يكشف أبو رامي أن «»كتيبة الدفن» أعدمت لغاية الآن بين 200 و250 خائناً وعميلا». 

يصر أبو رامي على أن «جميع من أُعدموا يستأهلون ذلك»، بينما يؤكد أن «جماعته يبذلون جهدهم للتأكد من التهم الموجهة لمن تتم محاكمتهم، ونحكم ببراءة البعض أحياناً»، ويختم «كل الثورات دموية. هذه طبيعة الأشياء. سوريا ليست بلداً لأصحاب المشاعر الحساسة». 


 

Script executed in 0.1773681640625