أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

خطـأ خفـض السنـة السجنيـة أنّه لـم يستثـن العمـلاء

الخميس 05 نيسان , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,937 زائر

خطـأ خفـض السنـة السجنيـة أنّه لـم يستثـن العمـلاء

 

 

وصار القيادي في «التيّار الوطني الحرّ» والمسؤول السابق لفوج مكافحة الإرهاب والتجسّس في الجيش اللبناني فايز كرم أحد المحظيين بدخوله نادي المستفيدين من خفض السنة السجنية ليخرج إلى الحياة بشكل طبيعي مثل عملاء آخرين بعدما قيّض له الحصول على حكم مخفّف مقابل نيل عملاء آخرين من الطراز نفسه بحسب ملفّاتهم، عقوبات أكبر ومن دون إعادة الحقوق المدنية لهم على غرار كرم. وهذه الحقوق تساويهم بالمواطنين الآخرين غير المحكومين وغير الموقوفين.

وعادة فإنّ التشدّد في إنزال الأحكام القاسية والعالية بالعملاء مهما اختلفت معطيات ملفّاتهم وحيثياتها، لأنّ العميل هو عميل ولو يُحكم ليوم واحد، مطلب فئة واسعة من اللبنانيين، وخصوصاً بعد سوق قوافل ضبّاط ميليشيا «جيش لبنان الجنوبي» بقيادة العميل أنطوان لحد وعناصره إلى المحكمة العسكرية حيث وقّعت لهم أحكام مخفّفة لا توازي سنين عمالتهم وإلحاقهم الأذى بأهلهم ووطنهم سواء في منطقة «الشريط الحدودي» أو خارجها.

ويصف قانونيون التشدّد في الأحكام بأنّه سيف ذو حدّين، الأوّل يمنع حصول تكرار في ارتكاب فعل الخيانة الوطنية، خصوصاً أنّ الملفات الموجودة بحوزة القضاء العسكري تؤكّد وجود حالات تكرار من عملاء أدينوا بجرم التعامل والاتصال، ثمّ عادوا إلى ممارسة هذا الفعل وكأنّ شيئاً لم يكن.

والثاني يوجّه رسالة صارمة إلى بقيّة العملاء وبينهم المتخفّون ضمن شبكات تجسّس نائمة ودائمة، بأنّ مآل أفعالهم وإنْ طال الزمن، سيكون السجن بأشغال شاقة إنْ لم يصل إلى الإعدام، ولا سيّما لأولئك العملاء التنفيذيين الخطيرين الذين يعملون على الأرض بجدّ وهم مستعدون للقتل الافرادي والجماعي على حدّ سواء.

وتخفّف الأحكام المشدّدة من حالات التعامل إنْ لم تقطع نسلها، بينما التهاون والتساهل يساعدان العملاء على تنمية قدراتهم التجسّسية، لأنّ ما يجنونه من أموال هائلة في فترة زمنية قليلة، لا يمكن أن يتوافر لهم في بيئتهم ومحيطهم ومجتمعاتهم، ممّا يخلق معادلة غريبة لديهم وهي التعامل وكسب الكثير من المال مقابل القضاء سنة أو سنتين داخل السجن في حال اعتقالهم وانكشاف أمرهم، ثمّ العودة إلى ممارسة حياتهم غير آبهين بوسمهم بالعملاء.

ويرى حقوقيون أنّ النوّاب المشرّعين وبينهم من لا علاقة له بالقانون لا من قريب ولا من بعيد، وإنّما ينطلق من أسباب بحت سياسية، ولا يرى أكثر من مصلحته، ارتأوا إباحة الطريق أمام العمالة عن طريق عدم انتباههم أو عدم إدراكهم ضرورة وضع فقرة في متن قانون خفض السنة السجنية تؤكّد عدم إفادة الأشخاص المحكومين بجنايات التعامل مع العدوّ الإسرائيلي من هذا القانون مهما كانت الأسباب والذرائع والأوضاع الصحيّة لهم. 

وكانت هذه الإشارة كفيلة بقطع الطريق على التأويلات والتلميحات والاتهامات التي تطال التشريع من حصول تواطؤ ما في قضيّة فايز كرم، أو سواه من الأشخاص المحكومين، أو الذين قد يحكم عليهم في المستقبل القريب أو البعيد، بأحكام مخفّفة أو شبه مخفّضة، فضلاً عن أنّ التشديد على عدم إفادة العميل المحكوم من خفض السنة السجنية يقصّ حبل أفكار كلّ شخص قد يفكّر في التورّط في التعامل مع العدوّ.

وبالتالي فإنّ عدم تضمين قانون خفض السنة السجنية نصّاً صريحاً باستثناء العملاء منه، هو خطأ قانوني مميت في حقّ التشريع والقانون والعدالة والوطنية على ما يجمع أكثر من قانوني وقاض.

وأمام ما حدث، بات القضاء العسكري ممثّلاً بالمحكمة العسكرية الدائمة، ثمّ محكمة التمييز العسكرية، أمام مسؤولية رفع العقوبات في حقّ العملاء وتشديد الأحكام، إذ لا تقلّ عن ثلاث سنوات، وطبعاً وفق وقائع ملفّ كلّ واحد منهم، وذلك لعدم السماح لهم باقتناص فرصة الافادة من خفض السنة السجنية.

على أنّ ما حصل مع كرم خطّ اجتهاداً غير مألوف وغير مسبوق في طريقة التعامل مع العملاء شرّع الباب باستغراب أمام بقيّة المحكومين الفارين من وجه العدالة ممن يتكئون على سند سياسي، أو ينتمون إلى أحزاب سياسية معيّنة، للعودة إلى لبنان وتسليم أنفسهم تمهيداً لمحاكمتهم وجاهياً وصدور أحكام عليهم تقضي بالسجن سنتين.

وهذه العودة متزامنة مع أحكام مخفّفة، تعتبر أكثر فائدة لهم من البقاء مطلوبين للعدالة بموجب أحكام غيابية، وانتظار فترة خمس وعشرين سنة بعيداً عن العدالة والقضاء، لكي تسقط عنهم بمرور الزمن، ما دام التشريع أباح لهم ما لم يكونوا يحلمون به على مدار الحياة.

فما الذي يمنع غداً رئيس حزب «حرّاس الأرز» إتيان صقر الصادرة بحقّه أحكام غيابية متفاوتة العقوبات بجنايات التعامل والاتصال بالعدوّ الإسرائيلي، من الحصول على وساطة سياسية تجيز له العودة إلى ربوع لبنان وإجراء محاكمة وجاهية له أمام المحكمة العسكرية الدائمة بحيث ينال حكماً بالسجن ثلاث سنوات ويخفّض إلى سنتين، ثمّ يميّز هذا الحكم ويقبل بصورة سريعة وعاجلة أمام محكمة التمييز تماماً كما حصل مع العميل فايز كرم، ويخفّض إلى سنتين، ويكون خلال مرحلة المحاكمتين، قد أمضى فترة محكوميته، فيخرج من السجن حرّاً ويزاول عمله السياسي ويترشّح لأيّة انتخابات نيابية بعد إعادة حقوقه المدنية له، تماماً أيضاً كما ظفر العميل كرم بهذا الاجتهاد القضائي باستعادة حقوقه المدنية التي جرّد منها في حكم المحكمة العسكرية الدائمة عملاً بالمادة 42 من قانون العقوبات. 

ولا تقتصر الافادة على صقر فقط، بل قد تطاول آخرين مثل رئيس جهاز الأمن سابقاً في «القوّات اللبنانية» غسّان توما المحكوم أيضاً بالتعامل مع العدوّ الإسرائيلي، وهو حكم لم يسقط عنه إثر العفو الذي طال سمير جعجع في العام 2005 وبقيّة المسؤولين «القوّاتيين» المحكومين بجنايات اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رشيد كرامي، وإلياس الزايك، وداني شمعون، ومحاولة اغتيال النائب ميشال المرّ، وبينهم توما نفسه، ما دامت الأرضية القضائية والسياسية مجهّزة لمثل هذا الاختبار والخيار، وكلّ ذلك كرمى عيون فايز كرم.


 

 

Script executed in 0.19384789466858