أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«هجرة» السودانيين إلى لبنان: رحلة الأحلام تنتهي كابوساً

السبت 07 نيسان , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,818 زائر

«هجرة» السودانيين إلى لبنان: رحلة الأحلام تنتهي كابوساً

يقيم بشير في لبنان منذ ثلاث سنوات. دخل إليه عبر مكتب سفريات يعدّ من المكاتب الناشطة جداً في المدة الأخيرة بين السودان وسوريا. هي مافيات تهريب منظّم لا أكثر ولا أقلّ. يدفع المواطن السوداني، الطامع بالهجرة إلى لبنان مبلغ 600 دولار، ثمن جواز السفر وتذكرة السفر، إضافة إلى نحو 3000 دولار تبقى في حوزته (show money) ليُبعد عن الشرطة السورية احتمال الشك في أنه آت ليدخل خلسة إلى لبنان. ما إن يخرج من المطار حتى يلاقيه شخص سوداني تابع لمكتب السفريات، يكون في انتظاره وفي حوزته صورته، يناديه باسمه طالباً إليه إعادة المال الذي سلمه إياه موظف المكتب في السودان. بعدها يسلّمه إلى رجل آخر، يفترض أن يتكفل بإدخاله إلى الأراضي اللبنانية، لكنه لن يدخل! لماذا؟

يروي بشير الذي عاش التجربة أن مكاتب السفريات «تنصب» على السودانيين. تأخذ المال منهم على أساس أن توصلهم الى لبنان، لكن ما إن تطأ أقدام هؤلاء الأراضي السورية حتى تتخلى عنهم، تاركة كل واحد منهم لمصيره. «قسم كبير من السودانيين في لبنان جاؤوا تهريب» يقول بشير، الذي اضطر إلى تسوية أوضاعه القانونية بالحصول على إقامة وإذن عمل. كان عليه، والحال هذه، الدخول خلسة ثانية الى سوريا، ثم العودة عبر نقطة المصنع إلى لبنان.

الكثير من السودانيين كانوا ضحايا أحلام وردية. يكمن جزء من المشكلة في أن العائدين من لبنان لا يعترفون أمام أهاليهم وأصحابهم بأنهم بُخسوا حقهم. فالطيّب (اسم مستعار) كان يتوقع أن يكون أجر العامل السوداني زهيداً، «لكن ليس إلى هذا الحدّ». وهو عندما قرر مغادرة السودان والمجيء للعمل في لبنان، وجد أن الـ700 دولار التي منّى نفسه بها، أصبحت بسحر ساحر 300 دولار. لم يسع الطيب إلى الإقامة في لبنان أساساً. العمل لمدة سنة أو سنتين هنا، ثم الهجرة إلى أوروبا كان حلمه، لكن جرت الرياح بما لا تشتهي سفنه. حملته الطائرة ورفيقه الى سوريا. لم يكونا يملكان المال اللازم ليدفعا للمهرب «ثمن» إدخالهما خلسة إلى الأراضي اللبنانية. عملا ثلاثة أشهر في مزرعة في إحدى المدن السورية لقاء 100 دولار شهرياً، ولم يتمكنا من ادخار شيء، إلى أن «تبرّع» أحد المهرّبين بإدخالهما إلى لبنان، شرط العمل في إحدى المزارع في وادي خالد، ريثما يسدّدان له الـ100 دولار الباقية عليهما. لكنهما لم يستطيعا ذلك أيضاً، حتى تكفّل بهما مهرّب آخر. «الله بيعيني عليكم، رح اشتريكم بالراس»، قال لهما المهرّب، مشترطاً الاحتفاظ بجوازي سفرهما لحين إيفائه ماله.

كان التهريب في المرحلة التي أتى فيها الطيب الى لبنان يكلّف 200 دولار، ليرتفع في الفترة التي دخل فيها بشير إلى 300 دولار، لكن هذا لم يغير في واقع يفيد بأن اجتياز الحدود اللبنانية ـــــ السورية لم، ولن يكون نزهة. «من يجرّب التهريب مرة لن يعاود الكرّة» يقول الطيب، ويضيف «عندما أنصح سودانياً يريد القدوم الى لبنان بالحصول على تأشيرة دخول، يعتقد أني لا أريد له أن يأتي ويسترزق، إلى أن يعاني ما عانيته»، إضافةً الى أن بعض السودانيين قد يتخلون، بعضهم عن البعض الآخر، كي لا يتكلّفوا المال على أولئك القادمين. لسوء الحظ، هذا ما حصل مع الطيب ورفيقه.

بأي حال، كان من المحتمل أن يقتل الطيب برصاص الاستخبارات السورية، التي أطلقت النار على القافلة البشرية العابرة للحدود في الظلام. «خرجنا من الحدود إلى الأراضي اللبنانية بعد سير 7 ساعات على الأقدام. ضربونا بالنار. كانت مجازفة بلا طعمة». أوصل المهرّب الطيب وصاحبه إلى النادي الثقافي السوداني، حيث يجتمع كلّ من هم في حالته، فيتبرّع بالمساعدة من هو قادر عليها. «استقبلَنا ناس سودانيون في بيتهم، وكان هناك جو من الخوف، فنصحوني بأن لا أخرج ليلاً، وأن أهرب إذا لمحت دورية للشرطة». الخوف لا يزال يسكن الطيب ويتحكم في حركته اليومية. خوفٌ غالباً ما يكون وسيلة لاستغلال السودانيين المقيمين في لبنان على نحو غير شرعي.

عمل الطيب في فنادق ومطاعم وشركات تنظيف. علاوة على العنصرية التي لمسها من هؤلاء جميعهم، فإن أرباب العمل كانوا يعمدون إلى نقده راتبه منتصف كل شهر، ليضمنوا عدم مغادرته لهم. «تعزّرت في لبنان. هذا البلد فيه الكثير من العنصرية. تركت عملي في أماكن كثيرة لهذا السبب، لكن بعد سنين لم أعد أهتم لأن عائلتي بحاجة إليّ». يتقاضى الطيب راتباً لا يتجاوز الـ330 دولاراً. لم يستطع منذ 4 سنوات تجديد إقامته لضيق ذات اليد، والى حينه يتفادى حواجز الشرطة. «ماشي الحيطة الحيطة. بضل في الظل لانو ما فيني جازف» يقول الطيب. هذه العنصرية هجّ منها الكثير من السودانيين، ممن لم يملكوا القدرة على الاحتمال، كما يهرب السودانيون، بحسب بشير، من العمل عند كفيل. يفضلون أن يدفعوا نحو 1800 دولار إضافة إلى إيجار غرفة ومأكل ومشرب، على أن يسلّموا رقابهم إلى كفلاء لبنانيين يستغلونهم في العمل لـ18 أو 20 ساعة يومياً، وينقدونهم راتباً على أساس 8 ساعات عمل. تماماً كما حصل مع بشير خلال عمله في إحدى محطات بيع المحروقات.

رغم طلب السفارة السودانية إلى الحكومة اللبنانية إعفاء السودانيين من الغرامة إذا تقدموا بطلب عودة طوعية، إلا أنهم مجبرون على الانتظار ما لا يقل عن أربعة شهور ليجري ترحيلهم. وما على المنتظرين دورهم إلا العمل كيفما كان لتأمين ثمن تذكرة السفر.


دور السفارة

يأسف الطيب لتقاعس السفارة السودانية عن الاهتمام الكافي بأوضاع السودانيين في لبنان، وخصوصاً أن هؤلاء يعانون كثيراً إهمال موظفي السفارة في الاستماع الى مشكلاتهم، والعمل على حلّها. ويشير إلى أن جزءاً كبيراً من موظفي السفارة يستغلون صفتهم الدبلوماسية لتسهيل تجارتهم في الجرارات الزراعية، التي يشترونها بأسعار معقولة، ويبيعونها في السوق السودانية محققين أرباحاً هائلة، لأنها لا تخضع للرسوم الجمركية. ويقارن الطيب أوضاع السودانيين بالمصريين، الذين تمكنوا من الحصول على خفض قيمة الإقامة لأن سفارة بلادهم تدخلت لمصلحتهم.

Script executed in 0.1854419708252