أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

أم علي اختارت ابنها بطلاً لها

الخميس 12 نيسان , 2012 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,539 زائر

أم علي اختارت ابنها بطلاً لها

لم تقنع نفسها بالعكس. ولمَ تفعل ذلك؟ فمنذ أشهر يراودها هاجس فقدانه، ومذاك «تسمع صوت الشيطان». وحين زارت «العتبات المقدّسة» في العراق، قبل نحو شهر، أحضرت معها «كفناً» لعلي، نزولاً عند طلبه هو. لكنّها لم تخبره أنها فعلت ما طلب، وبقي الكفن كما البدلة من دون أن يلمسا جسد علي.

سكنة منير رطال (48 سنة)، ابنة قرية ميفدون الجنوبيّة، التي تزوّجت من أحمد شعبان صبيّة لم تبلغ الثامنة عشر عاماً، وربّت معه علي وشقيقاته الثلاث، ليست امرأة قويّة فحسب، هي امرأة جبّارة. وعلى الرغم من قوّتها الظاهرة وقدرتها على تحمّل المصاب وتجاوز التجربة المؤلمة، إلا أنها تبدو ستصادق المأساة. لا يشعر سامعها أنها تخفي ألمها، وإنما تصهره ليغدو رفيقاً دائماً. وقد اتقنت سريعاً ملامح الصبر. بل تبدو مخضرمة به، وقائداً تأخذ المعزّيات إلى قبول ما جرى بإيمان وثقة. كيف لا وهي أمّه الثابتة؟ تعزّيها إحداهن بالقول لها: «الله يصبّرك»، فتجيبها: «الله مصبّرني. ماذا أريد أكثر، ابني شهيد، عريس، شوفي عرسه، شوفي الناس بعرسه، الأحباب، رفقاتو، بدك أحسن من هيك عرس؟ الله أخذو وضميرو مرتاح، ما عندو غير حلم إنّو يتزوج ويكون أبو أحمد. استعجل عزرائيل، أخذ الحبة المنيحة، بس الحمد لله الله سلّم رفقاتو».

أم علي بطلة لكنّها اختارت علي بطلها، «مثلما اختاره الله شهيداً»، تقول. هكذا، كأنّها لا تسمع السؤال كيف عرفت خبر استشهاد علي. ولعلّها لا تريد. كما لو أنّها قد باتت في اللحظة الأخيرة من الشعور بالفراق. وتترك ابنتها فاطمة، توأم علي، تروي كيف دهمها عند الثانيّة إلا ربعاً من ظهر ذاك اليوم (الاثنين) شعور كثيف بالقلق.. «على علي تحديداً»، فسارعت إلى الاتصال به. وهو كعادته أجابها، لكنّه أخبرها أنّه في منطقة يفضّل ألا يتحدّث فيها عبر الهاتف.

.. «وبعد قليل» سُمع الخبر. ومذاك وأم علي لا تسمعه.

مع ذلك، ثمة حسرة لا تخفيها أم علي: «لم يترك ما يثلج قلبي، لم يترك من رائحته شيئاً». تضيف: «أنا مبسوطة لأن أبني راح صوّر. ما بقبل حدا يترك مهنته. الإنسان بيكون نايم وبيموت. المنية ما بيعرف حدا وين بتكون». يتغيّر صوتها. تغص. تحسر دمعتها. تبكي المعزيات. وهي كأنّها تبتسم لا حزناً ولا فرح.


Script executed in 0.18207788467407