ما يعني أن سعر صفيحة البنزين (من نوع 95 أوكتان) يساوي نحو 6 في المئة من الحدّ الأدنى للأجور. وبالتالي، لا يمكن لمن يتقاضى الحدّ الأدنى للأجور اقتناء سيّارة، وإلا دفع راتبه ثمناً لأقل من عشرين صفيحة بنزين. هكذا يرى محمد، وهو عامل في أحد المصانع، ويامن ونوال، وهما موظفان في أحد المستشفيات أن اقتناء سيارة بمثابة حلم يرتبط تحقيقه، بالنسبة إلى يامن، بـ«تحسن الأوضاع المعيشية والاقتصادية وثبات الأوضاع الإقليمية، أو باختصار تحوّل لبنان إلى سويسرا الشرق فعلياً».
هؤلاء جزء من فئة لبنانية تستخدم ما يوفّر لها من نقل عام، «باص» أو «ميكروباص» و«في المناسبات الخاصة سيارات الأجرة»، وفق نوال التي تظنّ أن من يقتنون السيارات لا بدّ أن يتقاضوا الألف دولار أو أكثر شهريّاً.. وبالنسبة إليها فإن مبلغ الألف دولار، أي ضعف راتبها، يمكن أن يحقق لها أمنيات كثيرة. لكنه فعلياً، كما تلفت نهى «لا يكفي ثمن أجبان وما شابهها لسندويشات الأولاد، وبنزين للسيارة».
تعمل نهى في أحد المصارف، ما يوحي بأن وظيفتها يمكن أن تؤمن لها أبسط متطلباتها كسيّدة وكربة منزل. لكنها بسبب غلاء البنزين تفكّر ببيع سيّارتها والاتكال على زوجها في تنقلاتها من مركز عملها وإليه. هكذا توفّر، وفق حساباتها، ما يزيد على 300 دولار شهرياً، تصرفها بين المنصورية حيث تسكن والأشرفية حيث تعمل.
اتخذت القرار بعدما درست جيّداً سلبياته وإيجابياته. فصحيح أنها ستوفر 300 دولار لكن في المقابل سيعني ذلك هدراً لوقت زوجها. تشرح: «يوصل زوجي أولادنا إلى مدرسة قريبة في المنصورية ويعيدهم إلى المنزل مع انتهاء الدوام. وهو صاحب منشرة في الجوار. مع قراري الجديد سيكون علينا النهوض نصف ساعة أبكر من المعتاد، وسنضطر إلى نقل الأولاد إلى المدرسة عند السابعة والربع كي أتمكن من الوصول إلى عملي عند الثامنة. إلى ذلك، سيبدّد زوجي الكثير من وقته لإعادتنا إلى المنزل كل حسب دوامه».
تلك التفاصيل، وإن كانت لا تعني أكثر من كلام أو هدر للوقت عند البعض، فهي تعني الكثير للعائلة الصغيرة، وفق نهى، لأن ساعات العمل التي كان يمضيها زوجها في عمله ستتقلص على الأقل ثلاث ساعات يومياً، و«هذا يعني بدوره أن الأعمال التي يمكن أن ينجزها بيومين ستتطلب منه أربعة، وبالتالي ما كان يتقاضاه في شهر سيتقاضاه مقابل عمل شهرين».
يتخطى تأثير 39 ألف ليرة على الأوضاع الاقتصادية للأسر فيستهدفها اجتماعياً. لا نزهات طويلة للأولاد، ولا تردّد على القرى لزيارة الأهل والأجداد.. والكلام ليس مبالغاً به بالنسبة إلى خليل الذي تكلّفه زيارته والدته في قريته الشمالية أكثر من ثمانين ألف ليرة. وتساوي الثمانون ألف ليرة أسبوعياً أي 320 ألف ليرة شهرياً، عشرة في المئة من راتبه الذي يناهز الألفي دولار.
ويعلّق: «لا أدري ماذا يفعل أصحاب الرواتب المتدنية، كي يتنقلون وأين يتنزهون وأولادهم. أما من قرى يقصدونها وما من أهل لهم يزورونهم؟».
قصة 39 ألفاً تتخطى النزهة وزيارة الأقارب، هي قصة معاناة عند مواطنين مضطرين بفعل المركزية الإدارية إلى الانتقال يومياً إلى العاصمة بيروت. هي قصة الاختيار بين السيئ والأسوأ، قصة طانيوس الذي فضّل السكن في جبيل، «حيث المناخ أفضل» وأسعار الشقق أرخص. لكن الشركة التي يعمل لديها اتخذت لها مركزاً في العاصمة، وفي موازنته قبل خمس سنوات، كان المناخ الجيّد ترفاً يمكن أن يحصل عليه إذا وازن بين مصروف البنزين وسند الشقة المنخفض مقارنة بشقة في بيروت. اليوم، بات السكن بعيداً من بيروت خمسة وثلاثين كيلومتراً، مما وضع طانيوس في حيرة من أمره: «إما أن يشتري شقة لا يقل سعرها عن المئتي ألف دولار وسندها ليس أدنى من ألف دولار شهرياً، وإما أن يدفع ألف دولار ثمناً لتنقلاته في السيارة بالإضافة إلى سند شقته المنخفض نسبياً».
هكذا ستفرض 39 ألف ليرة حياة جديدة على طانيوس، حياة بعيدة من الأهل في وسط عاصمة كل شيء فيها أغلى ثمناً، «حتى النزهة على البحر».