أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حكايات لبنانية على متن «التايتانيك» في مئويتها الأولى:

الثلاثاء 17 نيسان , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,893 زائر

حكايات لبنانية على متن «التايتانيك» في مئويتها الأولى:

استذكرت راشيا والبترون أبناءهما الذين سقطوا على متن السفينة «تايتنيك»، التي غرقت في المحيط الأطلسي قبل مئة سنة، نتيجة ارتطامها بجبل من الجليد، وذلك لمناسبة مرور المئوية الأولى على ذلك الحدث التاريخي، الذي أدى إلى غرق مئة وراكبين ونجاة 23 راكبا من أبناء سوريا ولبنان، الذين كانوا على متن السفينة. 

في كفر مشكي (شوقي الحاج)، رفعت الصلوات لراحة أنفس الضحايا من أبناء البلدة وقرعت أجراس الكنيسة حزناً، وتم الوقوف دقيقة على أرواحهم أمس الأول، في القداس الذي ترأسه كاهن الرعية الأب إدوار شحادة لمناسبة عيد الفصح، حيث ذكر أسماءهم، وطلب الشفاعة لهم ولأقاربهم وذريتهم. وبلغ عدد الضحايا من أبناء البلدة، الذين سقطوا على متن السفينة 12 شخصا، ونجت امرأة واحدة هي زاد نصر الله التي عمّرت، وزارت البلدة لمرة واحدة في حياتها في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، حيث كانت مصابة بكسر في رجلها نتيجة الحادث، ما تسبب لها بإعاقة لم تكن تسعفها على المشي، كما أوضح كمال السيقلي نقلاً عن جدته التي فقدت والدها في الحادث، ويدعى عساف طعمة السيقلي، مشيراً الى أن الناجية حملت معها أثناء زيارتها لبنان كما أوضحت له جدته مقدار صفيحتين من الذهب. 

ولفت السيقلي الى أن جدته أخبرته أن أقارب الذين غرقوا على متن السفينة، لم يعلموا بخبر غرق السفينة إلا بعد نحو شهر. وكانت قد نقلته في تلك الآونة مجلة «الخواطر» في عددها الرقم 18، الصادر في 16 أيار 1912. وأشار السيقلي إلى أن عدد الركاب السوريين واللبنانيين على متن السفينة وصل إلى 125 راكباً من أصل العدد الكامل البالغ 1800 راكب، نجا من السوريين واللبنانيين 23 راكباً، من بينهم نصر الله، وآخرون من بلدة حردين ومن قرى سورية. 

وأشار السيقلي إلى أن أبناء بلدة كفر مشكي «كانوا من أوائل المهاجرين الذين غزوا أميركا الشمالية، حيث أطلقت عليهم شعوب هذه القارة صفة «الشعب الأصفر»، إلى أن صدر قرار قضائي بعد عدة شكاوى، ينفي عنهم تلك الصفة، نتيجة للمرافعة التي خاضها أحد أبناء البلدة ويدعى نبيه كرم وزوجته. وقد ضمنها دفاعاً استند فيه إلى أن «أهالي كفر مشكي ينتمون الى أرض مهد السيد المسيح، فإذا كان السيد المسيح أصفر فنحن نقبل الصفة، وإذا لم يكن كذلك فيجب نفي الصفة. وذلك ما تحقق بحكم قضائي». 

وذكر السيقلي أسماء الضحايا الذين غرقوا على متن السفينة من كفر مشكي، وهم، جد والده عساف طعمة السيقلي، والياس يوسف شاهين، وأسعد حنا رزق، والياس طنوس، وسليمان خليل، وكرم يوسف وزوجته ماريا، وكاترين بربر وابنتها سعيدة، ومنصور حنا، إضافة إلى شخصين آخرين مجهولي الهوية. وأكد السيقلي فقدان سجلات ضحايا السفينة، وقال: «لم نستطع إثباتها، نتيجة عدم ورود الأسماء على سجلات الركاب بعدما انطلقت السفينة من مرسيليا». 

وفي البترون («السفير»)، أحيت الذكرى خمس قرى بترونية خسرت عددا من ابنائها، وهي، تحوم، وكفرعبيدا، وتولا، وعبرين وحردين. فمن أبنائها من غرق ومنهم من نجا حتى أصبح يطلق على بعضهم لاحقا اسم «السيد تايتانيك». فحكاية بلدة عبرين مع الباخرة فريدة من نوعها ويروي أبناء البلدة المعمرين، أن ابنها ضاهر شديد أبي شديد كان من الذين يحسب لهم حساب بحضوره المميز وغيرته على مصلحة البلدة، وفوزه في الألعاب القروية من رفع محادل وأجران وكان يلقب بـ «شيخ الشباب» و«القاهر» و«المقدام» و«الباسل». وكان مضرب مثل في الشجاعة والبطولة والمروءة. ترك البلدة بمساعدة عدد من الفاعلين فيها، بعد ارتكابه جريمة قتل حبيبته مرّون سجعان» التي كان يمازحها باطلاق النار عليها، فأصيبت بطلق ناري عن غير قصد وفارقت الحياة. فهرب من العقاب من عبرين إلى سلعاتا ومنها على متن مركب صيد الى قبرص ففرنسا إلى الولايات المتحدة. وفي ميناء شيربورغ ، قطع ضاهر تذكرته الرقم 2689 وركب «التايتانيك»، التي غرقت فعثر على جثته عائمة على ركام من الجليد وعلم لاحقا أنه حاول انقاذ نفسه بالسباحة لكنه وصل الى الركام الجليدي ومات عليه من الصقيع. أما ابن تولا فهيم روحانا أسعد الزعني (23 عاما) الذي غادر يومها بلدته برفقة عروسته التي تركها في مرسيليا وقصد هو مدينة سيستاني للمباشرة بالعمل على أن تلحقه عروسته. وفي ميناء شيربورغ قطع تذكرته الرقم 2620 بـ 7 جنيهات وركب الباخرة «لؤلؤة البحار» ونجا بأعجوبة كما روى لاحقا، أنه تمكن من الصعود إلى قارب أخرجه منه أحد الضباط لمرتين صارخا بوجهه «النساء أولا». وعاد فتسلل إلى قارب ثالث للنجاة واختبأ تحت المقاعد. وطوال اقامته في الولايات المتحدة كان يطلق عليه اسم «السيد تايتانيك» حتى توفي في العام 1927. 

ومن تحوم وكفرعبيدا شاء القدر أن يصل حنا طنوس معوض وابنه طنوس ونسيبه طنوس ضاهر(من تحوم) إلى الباخرة. ورافقتهما بنّوره ضاهر من كفرعبيدا، وجريس يوسق أبي صعب، من تحوم، وابنة عمه شعنينة طنوس أبي صعب زوجة جرجس وهبه من بلدة فغال، والمقيمة في يونغستاون، والتي كانت عائدة من زيارة بلدتها. كما سافر معهم حنا يوسف بطرس المعروف بحنا حبيش الذي أصيب بوعكة صحية قبل مغادرته مرفأ بيروت فعاد الى بلدته. ومن مرسيليا انتقل شباب تحوم إلى ميناء شيربورغ للحاق بباخرة التايتانيك التي وصفت بأنها «لا تحرق ولا تغرق» ، لكنها في 15 نيسان 1912 وعلى بعد 700 ميل إلى الشرق من هاليفاكس في كندا. اصطدمت بجبل جليد وغرقت وغرق فيها شباب تحوم الأربعة فيما نجت كل من شعنينة وبنّورة، اللتين أنقذتا بموجب قانون البحار الذي يقضي بإنقاذ النساء قبل الرجال. 

وروت شعنينة لاحقا أنها حاولت مساعدة جرجس يوسف ابي صعب من خلال تنكره بثياب امرأة لكنه رفض مفضلا الموت مع رفاقه قائلا لها «يسواني ما يسوى الكل»، كما أخبرت عن محاولة حنا طنوس انقاذ ابنه عارضا على الضباط المال لنقله الى قوارب الانقاذ لكن محاولاته باءت بالفشل. 

واقامت بلدة تحوم قداسا لراحة أنفس ابنائها الضحايا في كنيسة مار اسطفان وقرر نادي تحوم اقامة نصبا تذكاريا للمهاجرين من ابنائها منذ القرن التاسع عشر. أما بلدة حردين التي صلت لراحة أنفس الضحايا الحردينيين خلال قداس في كنيسة مار شينا، فكان حصتها من الخسارة أكبر من البلدات الأخرى حيث خسرت 11 شخصا من أبنائها من اصل 20 حرديني شكلوا أكبر مجموعة لبنانية على متن باخرة التايتانيك التي كان على متنها 2280 راكبا. 9 من أبناء حردين العشرين نجوا من أصل 780 ناجين آخرين. ومن الناجين أمينة مبارك بو طنوس (1888 ـ 1922)، وولديها جورج (8 سنوات)، وحليم (5 سنوات)، وشقيقتها سيلانه داغر (1896 ـ 1966)، وتمام داغر(1797ـ1976) وطفلها الرضيع أسعد ابن الثلاثة أشهر (1912 ـ 1933)، وزهيه تابت وابنها الرضيع حنا بالاضافة إلى شاب واحد من شباب حردين مبارك عاصي (1885 ـ 1952). ويروي أبناء حردين أن تمام التي عاشت مأساة «التايتانيك» مضاعفة بعدما أضاعت طفلها الذي أعطاه سلفها لامرأة أجنبية كانت تصعد إلى أحد القوارب فاحتضنته إلى أن التقت مع الناجين في مركز المعالجة في نيويورك، حيث عرفت ابنها من الغطاء الذي كانت تلفه به.


Script executed in 0.18103718757629