أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بعلبـك «حزينـة» و«مستبـاحـة»: مدينـة الشمـس ليسـت بخيـر

الثلاثاء 24 نيسان , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,264 زائر

بعلبـك «حزينـة» و«مستبـاحـة»: مدينـة الشمـس ليسـت بخيـر

طلب أستاذ مادة الأدب العربي في إحدى مدارس مدينة بعلبك من تلامذته عدم إحضار كتبهم العربية في اليوم التالي. كان الدرس مخصصاً لمناقشة خطبتي الإمام علي بن أبي طالب، والخليفة أبي بكر الصديق.

قام الأستاذ، المعروف برفضه ما يُشاع اليوم عن «تمذهب» صارخ في مدينة الشمس، باستبدال اسمي كاتبي الخطبتين، فوضع اسم الإمام علي على خطبة الخليفة أبي بكر، وبالعكس. طبع الخطبتين على أوراق بعدد تلامذة الصف، ووزعها عليهم.

جاءت النتيجة شبيهة بالاصطفاف الحاصل. انتقى الطلاب الشيعة خطبة الإمام علي على اعتبارها «أفضل خطبة»، فيما قال التلامذة السنة إن خطبة أبي بكر هي «الأبلغ».

طبعاً، كان الطرفان يختاران الشخص، وليس المضمون. وبالتالي، ووفقاً لخدعة أستاذهم، اختار الشيعة خطبة أبي بكر، فيما انتقى السنة خطبة علي بن أبي طالب، من دون أن يدروا، خلافاً لما يريدون.

يقول الأستاذ، الذي لم يرغب في الإفصاح عن اسمه، إنه أراد أن يبرهن لتلامذته، ومعهم أهاليهم، أن «الاحتكام إلى الغرائز، وما ينتج عنها حالياً في بعلبك، هو ما يعميهم»، بدليل أنهم اختاروا وفقاً لانتماءاتهم المذهبية، واصطفوا صفاً واحداً من الجهتين.

في مدرسة أخرى، وبالتحديد في إحدى المدارس الرسمية الخاصة بالفتيات في المدينة، منعت مديرة المدرسة «الشعارات والصور الدينية التي تشير إلى مذهب التلميذات وانتمائهن»، بعدما شهد المكان مشادات لم تقتصر على الكلامية، بل تعدتها إلى «شد الشعر» والعراك على خلفية أي حادث أو استحقاق يقع، حتى السياسي منه.

يشير عدد من شخصيات المدينة، في قلب البقاع الشمالي، إلى المثلين كتعبير عما يحدث في مدينتهم اليوم. يقولون إن «مدينة الشمس» تشبه كل شيء إلا نفسها. لم تعد المدينة مدينتهم التي نشأوا فيها، ولا تلك طبعاً التي يرغبون بأن ينشأ أبناؤهم فيها. طار الهم المعيشي والإنمائي الغارق في أدنى المستويات، ليحل مكانه الهاجس الأمني، والعيش السلمي الحقيقي بين أبناء المدينة الواحدة. يتحدث البعض عن أن «التمذهب» فاض من النفوس إلى «تصنيف» المقاهي وروادها، والمدارس وتلامذتها، وسط تلميحات إلى ظواهر خجولة في مقاطعة المحال التجارية وفقاً لانتماء أصحابها. ويقول البعض أيضا بتأثر علاقات المصاهرة نفسها التي لطالما ميزت النسيج الاجتماعي للمدينة.

يحصي احد وجهاء المدينة، من أرشيفه الخاص، ثلاثة وثلاثين حادثاً امنياً شهدتها بعلبك ومحيطها القريب، منذ شهر نيسان من العام الماضي ولغاية نيسان الجاري، أي خلال عام واحد. يقول إن المنطقة تعرضت لـ«خضات» أمنية يصل معدلها إلى نحو ثلاث «خضات» في كل شهر. وإذا كانت كل «خضة» تستتبع بقلق وإقفال محال لنحو أسبوع أو ثلاثة أيام، وفقاً لحجم الحدث، فإن سوق المدينة، وحركتها التجارية والسياحية وعجلة الحياة فيها، تقفل لأكثر من عشرة أيام في كل شهر.

وتتنوع الحوادث الموثقة من جانب الشخصية البعلبكية، من القتل إلى اشتباكات مع الجيش، إلى إقفال طرقات وعمليات خطف وتبادل لإطلاق النار بين عائلات المنطقة وعشائرها، ومن بينها عمليات «أخذ بالثأر»، وصولاً إلى سلب وسرقات في وضح النهار.. واعتداءات شتى.

ويشدد صاحب الأرشيف على وصف توثيقه بالشخصي، «وهو اقل من الحوادث الموثقة عند القوى ألأمنية المعنية».

يشير البعض إلى مسؤولية الدولة التي تغيب عن كل شيء بما فيه الأمن، رغم تجديد إعلان منطقة بعلبك - الهرمل «منطقة عسكرية منذ ثورة الجياع التي أطلقها الشيخ صبحي طفيلي في العام 1997. فأي منطقة عسكرية، والوجود الأمني في المنطقة ضئيل نسبة إلى حجم الحوادث الأمنية والوضع الاقتصادي والمعيشي والإنمائي المتردي فيها.

ويقفز البعض عن حجم الوجود الأمني إلى «غياب القرار السياسي بالحسم»، معددين بعض الحوادث الأمنية التي شهدت اشتباكات بين الجيش والقوى الأمنية من جهة، وبين مطلوبين من جهة ثانية، من دون أن تنتهي إلى القبض على مخلين بالأمن، ومساهمين أساسيين في تشويه صيت المنطقة وصورتها.

وإلى جانب تحميل الدولة مسؤولية ما يحصل، يقول البعض الآخر بمسؤولية القوى السياسية المسيطرة على المنطقة ومعها المدينة، وبالتحديد مسؤولية حزب الله. يرون أن «الحزب»، بما يمثله، ونظراً إلى طبيعة المنطقة الديموغرافية الطائفية والمذهبية، يمسك مفاتيح الاستقرار فيها. يتحدثون عن «المونة»، «مونة» «حزب الله» على عائلات المنطقة وعشائرها التي تنتمي في معظمها إلى الطائفة الشيعية. ويذهب البعض الآخر إلى الحديث عن محسوبيات وحماية البعض، ليقولوا إن «الحزب يمكنه أن يفرض الأمن في المنطقة، ومعها المدينة، لو أراد ذلك».

يرى رئيس بلدية بعلبك الأسبق والمشرف على «تجمع أبناء بعلبك» غالب ياغي أن «الوضع الأمني والتمذهب في المدينة مزمنان وليسا مستجدين»، مشيراً إلى أن التجمع «سبق ودعا قبل أعوام إلى إضراب احتجاجي على ما يحصل وان 80 في المئة من محال المدينة تجاوبت مع الدعوة».

يقول ياغي إن «سيدنا إبراهيم عندما بنى الكعبة في الصحراء، قال اللهم اجعل هذا البلد آمناً، لم يطلب ماءً ولا زاداً بل طلب الأمن لأهميته وأولويته على كل شيء».

يرى ياغي أن وضع المدينة يضر بالحركة التجارية والسياحية وبأمن الناس، وان المسألة ليست في تقصير القوى الأمنية بل في غياب القرار السياسي. فـ«حزب الله»، وفق ياغي، «قادر، لكونه القوة السياسية الفاعلة في المنطقة، على إحداث فرق، خصوصاً أن بعض المسؤولين في القوى الأمنية يقولون: شو بدكم تفوتونا بإشكالات مع حزب الله؟».

يضيف ياغي ان «الفلتان الأمني يوصل الناس إلى الفوضى، وعليه فالمدينة تتراجع إلى الوراء على المستويات كلها».

لكن «أي دور للحزب يريدون؟»، يسأل مسؤول «حزب الله» في منطقة بعلبك محمد ياغي (أبو سليم)، ليقول: «نحن لسنا الدولة، ولتتفضل السلطات الأمنية وتقُم بواجباتها.. لن نحل مكان الدولة». يؤكد أبوسليم أن «قرار حزب الله واضح، ندعم الدولة وفق إمكاناتنا، لكننا لا نصادر دورها ومسؤولياتها». ويرى أن الداعين إلى دور امني لـ«حزب الله» «سيقولون، في حال قام بأي خطوة، إن هناك دولة ضمن الدولة». ويؤكد أن «هناك قراراً واضحاً بعدم التصادم مع أي طرف، أو عائلة. نحن نسعى إلى اقتراح حلول، وإلى التوفيق بين الأطراف كافة، ونساعد القوى الأمنية بالمعلومات، ووفق الممكن، ولن نقوم بدورها».

في المقابل، يرى البعض أن «حزب الله» لن يصطدم مع عشائر المنطقة «من اجل سواد عيون بعلبك». ويغمزون من قناة التصنيفات الديموغرافية - المذهبية في لبنان، «فالعشائر والعائلات الشيعية في بعلبك - الهرمل هي سند لحزب الله عندما تحز المحزوزية، وبالتالي لن يفرّط بها تحت أي سبب كان».

يرد أبوسليم على هذه المقولة بالتأكيد أن «الشرفاء في العشائر والعائلات هم سند الحزب والمقاومة وليس المخلّين بالأمن»، معتبراً أن «الداعين إلى تصدي الحزب أمنياً لما يحدث يريدون تغطيس الحزب في مشاكل كبيرة لا نهاية لها».




بعلبك تستغيث




ما بين تحديد المسؤوليات، لا تجد مدينة بعلبك اليوم سوى إطلاق صرخات الاستغاثة. تستغيث على لسان أهلها وأبناء عائلاتها. تنطلق الاستغاثة من قلعتها المتروكة في الإهمال السياحي الرسمي والمقومات المكملة من طرقات وبنى تحتية، من شبابها الذين لا يجدون فرصة عمل أو وظيفة محترمة. من محالها التجارية التي تقفل حذراً، بل خوفاً، معظم أيام السنة. من مقاهيها الفارغة المنتشرة حول القلعة وفي رأس العين. من فنادقها شبه المقفلة، وعلى رأسها «بالميرا» الذي واكب «أيام العز»، وتحول اليوم إلى «أطلال»، على الرغم من استمرار فتحه. ويستغيث الناس عبر الهاجس الذي اغفل الإنمائي والمعيشي ليطالب بالأمن، والأمن فقط.

ومع الهاجس الأمني نفسه، يتحدث البعض عن «غربة بين بعض عائلات المدينة والقوى السياسية التي تمثلها»، ليدعو «حزب الله» إلى قراءة تجربة نحو ثلاثين عاماً من وجوده في المدينة فعلياً. يقول البعض إن بعلبك العروبة والناصرية واليسار قبل الحرب الأهلية شكلت البيئة الحاضنة للمقاومة بكل أطيافها، و«حزب الله» في قلبها مـنذ نشــأته في الثمانينيات. فما الذي حدث؟ ولماذا يشعر أهالي المدينة اليوم، وبالتحديد الجزء الكبير من السنة فيها، بأن المدينة لم تعد مدينتهم، ليصفها المعتدلون من بينهم بـ«المدينة الحزينة»، فيما يذهب البعض إلى توصيف «المستباحة»؟

كانت بعلبك، وفق الدكتور أسامة شمص، مدينة «صغيرة هادئة، تشهد المهرجانات الأولى والأهم في منطقة الشرق الأوسط. وكانت في العصر الذهبي للأحزاب التقدمية، مدينة العروبة والناصرية واليسار». كانت أحلام جيل شمص «تتخطى الطائفة والمذهب إلى رحاب الوطن». أما اليوم «فيصارع أبناؤنا للحفاظ على واحة بعيدة من التمذهب حتى في المدارس». كان شمص وأقرانه يقيّمون «الشخص وفق انتمائه السياسي لا المذهبي مثلما يحصل اليوم»، ليقول إن «الفرز يصل أحياناً إلى المقاهي وروادها»، مبدياً أسفه لـ«تمذهب حتى بعض من كانوا يصنفون تقدميين في يوم من الأيام». ويرى شمص أن المستقلين والعلمانيين في المدينة مدعوون إلى الوقوف صفاً واحداً لإيجاد إطار جامع يعمل على تهدئة الأمور واقتراح حلول من شأنها تخفيف حدة الاحتقان في المدينة».




هجرة مسيحية




يركّز أبناء المدينة اليوم على العـلاقة بين السنة والشيعة، «ما دام المسيحـيون من بينهم قد هجروها إلى غير رجعة».

يقول المحامي جاد رزق إن هناك «52 بيتاً مسيحياً في بعلبك اليوم، أي نحو مئتي مسيحي مقيم، فيما نزح البقية نحو مناطق ومدن أخرى». لكن الأسوأ في النزوح المسيحي من مدينة الشمس أنه «نهائي»، إذ باع معظم المسيحيين أملاكهم وبيوتهم، ما يشير إلى «قلعهم جذورهم» من المدينة، وأن المشترين في غالبيتهم الساحقة من الشيعة.

لا يحمّل احد مسؤولية النزوح المسيحي من بعلبك لـ«حزب الله»، بل يتوقفون عند آثار الحرب الأهلية، وشعورهم بالخوف والقلق في منطقة من لون ديني واحد رغم ندرة الاستهدافات التي طالتهم، مقارنة مع مناطق أخرى في لبنان. ويقولون بالعامل الإنمائي، وطبعاً السياسي والاجتماعي والطابع المحافظ الذي بدأ يسيطر على المدينة منذ سنوات، ليسجلوا بيع عائلات مسلمة أخرى أملاكها، وعلى رأسها عائلتا الرفاعي وحيدر، ليس منذ اليوم وإنما قبل سنوات طويلة.




تحميل المسؤولية لـ«الغريب»




يمكن للدخول في التفاصيل أن يكشف وجهاً آخر من وجوه «الغربة» التي يتحدث أبناء المدينة عنها، ملمحين إلى رؤية هي أقرب إلى «الطريقة اللبنانية» في حلّ الأمور. وعليه، ستجد من يحمّل «الغرباء» عن بعلبك مسؤولية الحوادث الأمنية والتسيب الأمني. يقولون إن أمن المدينة محكوم بأداء من حولها وأمزجتهم، وبالوافدين إليها، وهم في معظمهم من القرى والعائلات الشيعية المحيطة. يتحدثون عن نقل نفوس بالجملة لتغيير التركيبة المتنوعة لبعلبك المدينة، ومعها تحالفات ونتائج الانتخابات البلدية بالتحديد، ما دامت النيابية معروفة النتائج في ظل القانون الأكثري الستيني، في منطقة يراوح عدد ناخبيها بين 270 و280 ألف ناخب، يشكل السنة منهم نحو 20 في المئة، فيما لا يتعدى المسيحيون نسبة العشرة في المئة.

ويأتي نقل النفوس، في حال صحته، ليؤثر في الانتخابات البلدية، إذ يصل عدد ناخبي المدينة حصراً إلى نحو ثلاثين ألفاً، يشكل السنة أربعين في المئة منهم (تسعة آلاف ناخب)، والمسيحيون 13 في المئة، (نحو 2500 ناخب)، يقترع منهم نحو ثلاثمئة فقط.

ويقفز البعض عن النسب الانتخابية وتوزيعها الطائفي والمذهبي، ليتوقف عند «ممثلي الشعب». يقولون إن «حزب الله يختار مرشحيه بغض النظر عن رأي الناخبين وإرادتهـم، هو يأتي بنواب سنة، لكنهم لا يمثلون الشـارع السني حقيقة»، وبالتالي يعتبرون أنفسهم غير ممثلين في السياسة والإنماء، وان «لا حول لهم ولا قوة».

يقول علي الأبتر، مدير إحدى مدارس المدينة، إن «أهالي بعلبك يريدون اليــوم أن يخــرجوا من بيوتهم وأن يعودوا إليها سالمين مع أولادهــم». لم يعد الناس قلقين على رغيف الخبز الصعب المنال في الأساس، بل على الحياة التي هي أغلى من الخبز، ومن الطريق ومن البنية السياحية. يريدون أن يشعروا بأن مدينتهم مستقرة، ولا تعوم على فوهة بركان امني ومذهبي».

ويربط الأبتر ما يحصل بـ«غياب السلطة الفاعلة والرادعة المتمثلة بالدولة التي تحجب أي سلطات أخرى، وبالانقسام الحاد في البلاد وانعدام القواسم المشتركة حول النظرة إلى بناء الدولة والقضايا الإقتصادية وبنية المجتمع اللبناني وتحول المناطق اللبنانية إلى بؤر لكل منها خصوصيتها الأمنية ويجري الاحتكام فيها إلى قوى الأمر الواقع».

يعترف أبو سليم ياغي بوجود «أجواء مشحونة مذهبياً وطائفياً في المنطقة، لم تكن موجودة قبلاً»، ليؤكد أن «لا مشكلة حقيقية بين السنة والشيعة في المدينة، فهناك علاقات قربى ومصاهرة، وان الاختلاف العقائدي لا يفسد الود وليس سبباً للخلاف». وفي موضوع الانتخابات واختيار المرشّحين يؤكد أن «حزب الله» يستمزج رأي الشارع السني لكنه يختار من يتوافق معه في السياسة. ويرى أن الحل هو في «اعتماد قانون النسبيّة الذي يسمح بتمثيل كل الأفرقاء».

ويتوقف عند «تأثيرات الحدث - الزلزال الذي نتج عن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ليقول إن «البعض بدأ ينفخ في البوق المذهبي كأن الشيعة متهمون بالاغتيال، رغم موقف الحزب المستنكر والرافض».

ويرفض «المنطق المذهبي»، ليقول إن هناك «طائفة واحدة اسمها الطائفة الإسلامية، وان العمل على التجييش المذهبي جاء لأهداف سياسية غايتها المباعدة بين السنة والشيعة من أبناء البلد والدين الواحد، بالرغم من تحذيرنا من أن هذا الأسلوب قاتل وخطير».

يضيف إلى اغتيال الرئيس الحريري، وما استتبعه من «تجييش مذهبي»، ما يحصل في سوريا اليوم، ليقول إن «البعض يصور الأحداث في سوريا كأنها تحصل بين طائفتين او مذهبين، كي يوظف الدين والمذهبية للإيحاء بأن العداء هو بين هذه الطائفة وتلك».

ويرى أن معظـم الأحـداث التي تقع هي احداث فردية يتعامل معها البعض احــياناً بطريقة خاطئة، وأن «حزب الله يســعى للتوفيق بين الجميع وهو لم يتدخـل في أي اشكال داخلي في المدينة». ويعــود إلى تحميل القوى ألأمنــية مسؤولياتـها، سائـلاً عن «السبب الذي يمنع الدولة من لعب دورها على ألأرض؟».

ويقر «بحصول تشليح وفرض خوات وإقفال طرقات وسرقات»، لكنه يؤكد أن «التـصدي لها هو مسؤولية الدولة، ويجب ان تضرب القوى الأمنية بقوة، وألا تتراخى، ونحن لا يمكن ان نكون بديلاً منها، ولا يمكن ان نكون مسؤولين عن امن البلد».

ويرى ان «من يريد عكس ذلك يهدف إلى تغطيس حزب الله في مشاكل لا يريدها جملة وتفصيلاً. فالحزب ليس مسؤولاً عن العائلات سواء أكانت شيعية أم غير شيعية. ولسنا مسؤولين عن المشاغبين». ويتوقف عند «قرار قاطع اتخذه حزب الله قبل نحو عشرين عاماً يفيد بعدم التدخل الأمني في المنطقة»، مشيراً إلى عقد نحو أربعين لقاء مع عائلات المنطقة للضغط على بعض أبنائها ومنع بعض الحوادث. لكن الحزب في النهاية يتصدى للشأن السياسي وليس الأمني الميداني». ولا يعفي ياغي نواب المنطقة الذين «يجب أن يرفعوا الصوت ويتخذوا موقفاً قاسياً مما يحصل، على الرغم من أنهم لا يقصرون في النهاية»، وفق ما قال.




لا حول ولا قوّة




على الضفة الأخرى، يرى مسؤول «تيار المستقبل» في المدينة حسين صلح أن «أمن بعلبك كان أفضل من اليوم حتى خلال الحرب الأهلية، على الرغم من أن الدولة لم تكن موجودة فعلاً، إذ لم تكن هناك ظاهرة عصابات وحوادث خطف وقتل وسرقة وسلب». ويميز بين فترة «كان السوريون فيها ممسكين بالأمن»، وبين الفترة التي تلت اغتيال الرئيس الحريري و«ضعف الدولة وتراجع دورها وسيطرة حزب الله كخيمة امنية على المنطقة». ويقول إن هناك «مجموعات مسلحة، فالطفار يهربون وتجار المخدرات يمارسون عملهم بشكل اعتيادي مع تجنب الاصطدام بالقوى الأمنية تارة وبشراء البعض منهم تارة اخرى»، وأن هناك من «يتعدى على أمن المدينة من دون ان يتمكن احد من تحديد الجهة المحسوب عليها».

فـ«حزب الله، وفق صلح، يقول إن «الدولة موجودة، فيما يقول البعض انهم محميون من قبل الأحزاب. والنتيجة ان بعلبك تدفع ثمن الحالة الفالتة، وصار بإمكان اي شخص ان يقفل سوق المدينة وعجلة الحياة فيها».

ويسأل: «لماذا يتركون المدينة لمجموعة تتحكم بأمنها الاجتماعي؟ ولماذا يمسك حزب الله بأمن الجنوب، ولا يفعل الأمر نفسه في البقاع وبعلبك؟ واين هيبة الدولة؟

ويستــشهد بحادثة تعــرض احد تجار المدينة للسلب انتهت بمقتل احد المعتـدين، ومع ذلك نزح التاجـر مع اقاربه من المدينــة خـوفاً من رد فعل انتقامي «لا حول لهـم ولا قوة تجـاهه».

ويرسم صلح «خطاً ناظماً للعلاقة بين ابناء بعلبك من سنة وشيعة»، فـ«لم يحدث»، وفقه، «أي إشكال بين السنة وحزب الله والعائلات». تحصل أحداث تكرس فكرة هي: «ابناء المدينة والآخرون من خارجها».

لكن ماذا يفعل «المستقبل» للمدينة؟

يجيب صلح بأن «المستقبل يحرص على أن تبقى بعلبك بكل أطيافها. ونحن نتصدى للتمذهب وتعويمه على السطح. مع ذلك، تفقد المدينة بهجتها. وأصبح المواطن يحسب ألف حساب لخروجه من منزله».




تطرف يتجاوز الأطراف السياسية




في رؤية تعبر عن تخوف من الأسوأ، يرى الأستاذ المدرسي بكر صلح أن «الإشكالات الأمنية التي تحصل في المدينة تفتح أحياناً المجال لتفسيرات وتدخلات سياسية على خلفية مذهبية»، ليشير إلى «نمو ايديولوجيات غريبة عن المجتمع البعلبكي تتجلى باستنفار مذهبي حاد يقوم على رفض الآخر المختلف مذهبياً، وما يترتب على هذا من حالة عصبية تبحث عن حضانة سياسية وأمنية». ويخشى صلح من «ظواهر متطرفة بين السنة والشيعة تتخطى الأحزاب والتيارات الموجودة على الأرض إلى ما هو أكثر تطرفاً وتشدداً، ومن بروز «طابور خامس» لاستغلال ما يحدث».

ويرى صلح أن المدينة اليوم حزينة يملأها السواد الفكري والانغلاق الطائفي والمذهبي، ويتوج ذلك بفلتان امني يخشى أن يتحول إلى بيئة حاضنة للتطرف المذهبي». ويرى أن «الدولة بتقصيرها في حماية الناس تعزز الأمن الذاتي للعائلات، واعتبار الأشخاص أن مرجعيتهم هي العائلة التي تحميهم وتأخذ حقهم».

وفي محاولة إلى رد الأمور إلى جوهرها، يرى الدكتور غسان العميري أن «المشكلة هي في النظام ككل، وفي الطبقة الحاكمة منذ عشرات السنين والتي تستحوذ مقدرات البلاد وليس لها مصلحة في قيام الدولة ولا في سيادة القوانين». ويؤمن بأن الحل «في القضاء على الطبقة الحاكمة بالكامل»، مع الإقرار بأن «الظروف غير مؤاتية».

 

Script executed in 0.20406603813171