يبدو أن الدولة باتت الأدرى بصحة المواطنين اللبنانيين من المقيمين فقررت القيام بعملية تنسيق غير مسبوقة في توحيد السياسات بين وزارتي الصحة والاقتصاد بما يحفظ حقوق المواطن وسلامته الصحية.
في الحقيقة ان هذه التوجهات الحكيمة جاءت في أكثر من مجال وبطريقة مبتكرة تعكس وسائل جديدة، بفرض الريجيم القسري على المواطن، لا سيما العائلات الفقيرة التي لا تستطيع الدخول إلى أندية رياضية ومنتجعات للرعاية الصحية.
1ـ القرار الأول يتعلق بخفض وزن ربطة الخبز من ألف غرام تقريباً إلى 900 غرام مع المحافظة على السعر بـ1500 ليرة للربطة التي انخفض عدد الأرغفة فيه من 8 أرغفة إلى 7، ومن ثم سيصل لاحقاً إلى 6 أرغفة مع استمرار ارتفاع أسعار القمح والمحروقات والمواد الأولية. إضافة إلى الحجة التاريخية وهي انعكاس تصحيح الأجور «الهزلي» على كلفة إنتاج الرغيف.
2ـ النقطة الثانية والأهم تتعلق بعدم إيجاد حل لارتفاع أسعار المحروقات الدوري، الذي يرتاح قليلاً ليعود إلى الارتفاع بحيث باتت صفيحة البنزين تأكل وحدها جزءاً يفوق الـ6 في المئة من الحد الأدنى للأجور.
وهذه الزيادات الكبيرة التي لا سلطة للدولة اللبنانية على أسعارها الخارجية تفرض نفسها كعنصر لفرض المشي والجري على الأقدام للمواطن بدل استخدام السيارات، وهذا جزء من الريجيم على اعتبار ان تخفيف الخبز وحده لا يكفي للمحافظة على رشاقة المواطن وسلامته من دون برنامج رياضي في المشي الطويل لمدة ساعتين على الأقل.
3ـ النقطة الثالثة وعلى المستوى نفسه من الأهمية هو تنسيق السياسات الصحية والتغذية البدنية، على اعتبار ان الخبز يشكل أحد أهم الأمراض المزمنة من السكري وزيادة الدهون، وهذا بدوره ينعكس على الفاتورة الصحية لوزارة الصحة نتيجة ارتفاع عدد المرضى من المضمونين وغير المضمونين، ما يخفض كلفة الفاتورة الصحية والاستشفائية نتيجة رفع أسعار الخبز وفرض خفض وزن الربطة وسحب رغيف من كل عائلة.
هذه الخطوة تحديداً من شأنها أن تقلص فاتورة الضمان ووزارة الصحة في العلاج كثيرا إذا لم يقع أصحاب الدخل المحدود ضحية فقر الدم والأمراض الأخرى لسوء التغذية. كلفة الفاتورة الصحية اليوم لمعالجة مرضى الضمان ووزارة الصحة تصل إلى أكثر من 750 مليار ليرة (500 مليون دولار) والريجيم القسري هو الطريقة لوقف نمو هذه الفاتورة بين الصحة والضمان.
4ـ أما فاتورة القمح فهي بدورها ستخفض من عجز الدولة وبالتالي تقلص كلفة أسعار القمح المدعوم (إذا بقي مدعوماً) إضافة إلى تشجيع الانتاج الوطني من القمح الذي يتراجع من سنة إلى أخرى بنجاح كبير بسبب غياب تصور مستقبلي لتشجيع زراعة القمح وتخفيف فاتورة الاستيراد. معروف أن حاجة لبنان السنوية لأكثر من 510 آلاف طن من القمح تصل أحياناً إلى 550 ألف طن تبعاً لاستعمالات أخرى غير الخبز. أما الانتاج الوطني فيشكل بأحسن السنوات 50 ألف طن بفعل عدم تشجيع المزارع للتوجه نحو زراعة القمح الخاضع لمزاجية الأسعار التشجيعية، علما أن كل بلدان العالم فيها أسعار تشجيعية لمزارعين للبقاء في أرضهم وعدم النزوج إلى المدن والقرى.
وبما أن النزوح من منطقة إلى أخرى يعتبر من ضمن برنامج «الريجيم» عن طريق المشي بالهجرة القسرية فإن الخطوات المنفذة تصب في إطار سياسة الريجيم القسري.
كل شيء في لبنان يخضع للريجيم، من تغذية الكهرباء إلى ضخ المياه إلى البيوت إلى التقديمات الصحية وفواتير الاستشفاء التي تذوب قيمتها الشرائية بفعل تأخير المعاملات لسنوات ولأشهر طويلة.
كل شيء في لبنان خاضع للنقصان والتراجع وذوبان القيمة والحجم من الأجور إلى التعويضات، ما عدا الأسعار والأعباء، وحدها قابلة للتضخم والارتفاع. فمتى يلحق الريجيم القسري النفقات العامة وحجم الصفقات والنفقات المالية التي تصرف على صحة السياسيين والمرجعيات والحفاظ على سلامتهم وشعبيتهم؟