أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بري: «الجنرال» مظلوم.. وميقاتي مُحيِّر.. وتوقيع سليمان ضرورة

الإثنين 14 أيار , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,540 زائر

بري: «الجنرال» مظلوم.. وميقاتي مُحيِّر.. وتوقيع سليمان ضرورة

منذ تشكيل الحكومة الحالية، تطوع الرئيس نبيه بري في «الدفاع المدني» ـ السياسي، مستخدما «مواهبه» لحماية الحكومة ورئيسها نجيب ميقاتي وتفكيك الألغام التي تعترض طريقهما، فكان يتساهل في المساءلة والمحاسبة، ويبدي كرما زائدا في إعطاء الفرصة تلو الأخرى، متجاوزا في بعض الأحيان مبدأ فصل السلطات، الى حد اتهامه من حلفائه بانه دلل ميقاتي «أكثر من اللزوم».

كان بري ينتظر من ميقاتي ان يرد على التحية بأحسن منها، لكنه بدأ يشعر منذ فترة ان الحماية التي قدمها للحكومة تحولت الى غطاء لتقصيرها وقصورها، مع ما يعنيه ذلك من موت بطيء للأكثرية، وخصوصا لتحالف «قوى 8 آذار»، على مسافة عام من الانتخابات النيابية المقبلة، فقرر ان يكشف عن «وجهه الآخر»، موجها رسائل الاحتجاج والامتعاض الى رئيس الحكومة، فأصاب «رذاذها» أيضا القصر الجمهوري، على خلفية ملف الـ 8900 مليار ليرة.

يقول بري لـ«السفير» انه لا يجوز ان تستمر الحكومة في وضعية تصريف الأعمال، منبها الى ان كل دقيقة تمر على هذا النحو تعني المزيد من الاستنزاف للناس وللأكثرية، علما بأن ما يُحيره هو انه لا يجد تفسيرا منطقيا لما يجري، «ذلك ان كل مكونات الحكومة من رئيس الجمهورية الى رئيس الحكومة مرورا بجميع الأطراف الأخرى متضررة من حالة الشلل القائمة، ليس فقط على مستوى الإنفاق المالي، وإنما على مستوى الاداء في معظم الملفات العالقة، فأين الحكمة في جَلد الذات بهذه الطريقة.. لا أدري؟»

ويعتبر رئيس المجلس النيابي ان «فريق 8 آذار» ليس هو من يعطل الحكومة، «بل ان التعثر الحاصل في ادائها يؤذي بالدرجة الأولى هذا الفريق الذي ينتظره استحقاق انتخابي مصيري، وبالتالي لا مصلحة له في الاساءة الى نفسه، واستهلاك رصيده بشكل عبثي».

ويضيف: «أنا أقول بصوت مرتفع ان العماد ميشال عون مظلوم، ولديه مطالب مشروعة لا تتم الاستجابة لها.. تصوروا انه يترأس تكتلا نيابيا من 29 نائبا، وكتلة وزارية من 10 وزراء، ومع ذلك لا يأخذ حقه في التعيينات الإدارية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فان وزير العدل (شكيب قرطباوي) اقترح اسما لرئاسة مجلس القضاء الأعلى، وفق الأصول، في ممارسة طبيعية لصلاحياته، لكن حتى الآن لم يُبت بهذا الأمر في مجلس الوزراء».

ويتابع بري: «بصراحة.. لو كنت مكان الجنرال عون، ربما لما استطعت ان أتحمل ما احتمله حتى الآن، وينبغي ان يسجل للرجل انه قدم التسهيلات الممكنة لتفعيل عمل الحكومة، والدليل انه لم يتردد في المعالجة الحاسمة لمشكلة وقعت مع أحد وزرائه (شربل نحاس)، عندما استشعر ان هذه المشكلة قد تؤدي الى تعطيل ما، وكان يكفي أن أعقد اجتماعا واحدا معه في عين التينة حتى يبدي قدرا كبيرا من التفهم والتجاوب».

وبرغم انزعاج بري الشديد من الوضع السائد، وتحميله ميقاتي جزءا كبيرا من المسؤولية عنه، إلا انه يبقى في الوقت ذاته محافظا على الواقعية السياسية، مؤكدا عدم استعداده للدعوة الى استقالة الحكومة، بسبب غياب البديل عنها، «وفي الاساس، نحن مشينا بهذه الحكومة ووافقنا عليها لانه لم يكن يوجد بديل عنها أو أفضل منها عند تشكيلها».

لكن بري لا يلبث ان يستدرك، مشددا على انه «إذا كنا أمام حكومة الضرورة او الاضطرار، فهذا يجب ألا يدفعها الى الاسترخاء والاستهتار، بل ينبغي ان يكون ذلك حافزا لها لتحمل المسؤولية وتفعيل الانتاجية»، مشيرا الى انه فعل ما لا يُفعل من أجل مساعدة هذه الحكومة، «لكن المشكلة انها لا تريد ان تساعد نفسها».

ويستغرب بري المراوحة الحكومية المزمنة في مقاربة ملف التعيينات الإدارية، معتبرا ان الخلاف على اسم أو اثنين، ليس مبررا لتجميد تعيينات متوافق عليها في مراكز عدة، «علما بأنه سرعان ما يتبين لدى التدقيق في خلفيات وقفها ان الاسباب هزيلة او غير موجودة أصلا، وحتى لا يقال انني أتدخل في ما لا يعنيني، سأضرب مثالا يتعلق بالطائفة الشيعية، إذ توافقت انا والسيد حسن نصر الله على اقتراح اسم محدد لتولي مركز قيادي في أحد الأجهزة الأمنية، ومع ذلك فان الأمر لم يطرح بعد على مجلس الوزراء». 

ويكشف بري انه ابلغ ميقاتي بوضوح ان المطلوب نفضة في عمل الحكومة، «ومتى ألمس انكم باشرتم فعلا في تغيير أسلوبكم، فأنا مستعد كي أضع يدي في يدكم، وأتعاون معكم حيث يجب، أما بدون ذلك فلا تتكلوا علي».

ويتساءل بري: ما النفع إذا تأمن غدا المال للإنفاق الحكومي وبقي كل شيء على حاله من المراوحة والجمود؟ 

أما العلاقة مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان، فلا تبدو في أحسن أحوالها هذه الايام، برغم حرص رئيس المجلس على عدم التوسع في الشرح، مكتفيا بإطلاق إشارات تعكس امتعاضه من إصرار سليمان على عدم توقيع مرسوم الـ8900 مليار ليرة، برغم ما يرتبه ذلك من تداعيات سلبية على الحكومة والناس.

ويقول بري في هذا المجال ان مجلس النواب حاول ان ينهي الموضوع (المالي) لكن لعبة تطيير النصاب منعته، وهنا كنت أتمنى لو ان الرئيس سليمان تدخل لطي هذا الملف، لان فلسفة دور رئيس الجمهورية تقوم أصلا على مبدأ التدخل الحاسم، في التوقيت المناسب، لمعالجة اي أزمة تستعصي على المؤسسات الدستورية، بما يحول دون الوقوع في محظور الفراغ، كما هو حاصل حاليا على صعيد الإنفاق المالي. 

ويتابع إن رئيس الجهورية «هو صمام الأمان للدولة، بمؤسساتها وشعبها، في مواجهة أي استعصاء محتمل يواجهها، ولذا كان يُنتظر منه توقيع المرسوم، ليس لخدمة جهة سياسية وإنما لخدمة البلد»، مع الإشارة الى ان هناك رؤساء سابقين استخدموا صلاحية التوقيع عشرات المرات، متمنيا لو يُكشف مضمون الاستشارة القانونية التي قدمت الى الرئيس سليمان، «حتى نعرف الحيثيات التي يستند إليها في رفض استخدام هذه الصلاحية».

وإذا كانت علاقة بري مع سليمان وميقاتي تتسم بالبرودة في هذه الأيام، فانها تحتفظ بدفئها مع قائد الجيش العماد جان قهوجي الذي أظهر قدرا كبيرا من الكفاءة والمناقبية في سلوكه، على رأس المؤسسة العسكرية، كما يؤكد رئيس المجلس، الذي يبدي حماسة لأي مشروع يهدف الى رفع سن تقاعد الضباط، بما يطيل مدة بقاء قهوجي في قيادة الجيش، لأن تقاعده في العام 2013 قد يتسبب بفراغ لن يكون من السهل التوصل الى ملئه، مشيرا الى انه عندما يصل مشروع من هذا النوع الى مجلس النواب «فسنتعامل معه بإيجابية».

ويرفض بري جعل موقع قائد الجيش موضع تجاذب سياسي، مشددا على انه لا يجوز زج المؤسسة العسكرية في مستنقع الحسابات الضيقة، وهي التي تؤدي مهماتها الوطنية في مرحلة شديدة الحساسية، «وليس ما يجري في طرابلس إلا خير دليل على وجوب تحييد الجيش عن الاصطفافات الداخلية، لانه الضمانة الأساسية لصون الحد الأدنى من الاستقرار في هذه الظروف الاستثنائية».


Script executed in 0.20437097549438